على قدر التستر تأتي الفضائح

الاثنين 2017/11/06

كلنا معرضون للهنات والهفوات سواء لدوافع غريزية، أو لدواع عاطفية، أو غيرها من سائر الأسباب الإنسانية، بل تبقى تلك الهشاشة الأخلاقية من صميم الشرط البشري سواء اعترفنا بها أو أنكرناها، سواء أظهرناها أو كتمناها، سواء كشفناها أو سترناها. لا أحد بوسعه أن يدعي بأنه مخلوق من طبيعة غير خطاءة، اللهم إذا كان قصده أن يواري أسوأ الأمراض التي قد تسري داخل سريرته. وهذا ما يحدث في الكثير من الأحيان. لا أحد بوسعه أن يزعم بأنه قادر على الامتثال امتثالا مطلقا للتعاليم الأخلاقية التي يفرضها المجتمع على الجميع. هنا بالذات تكمن الحاجة إلى التسامح المفتوح والتساهل المتبادل بين جميع أعضاء المجتمع.

لكن يوجد استنتاج آخر، إذ إن الإصرار على تأثيم الآخرين بسبب هفواتهم الطبيعية لهو الوجه الآخر لتأثيم الذات نفسها. إن العنف على الآخرين “المشيطنين” لأدنى سبب أو بلا سبب يُذكر لهو نوع من العنف التطهيري الممارس على الذات بالذات. في كل الأحوال كلنا معرضون لاقتراف الأخطاء بصرف النظر عن اتجاهاتنا وميولاتنا المعلنة أو المبطنة، لكن المؤكد أن شخصية الإنسان تُعرف من خلال نوعية أخطائها.

والآن، لدينا سؤال صريح، لماذا ترتبط جماعات الإسلام السياسي بنوع محدّد من الفضائح، الفضائح الجنسية تحديدا، من قبيل مغامرات طارق رمضان، ومحمد الفزازي، وفاطمة النجار، وعمر بنحماد، ثم غزوات الزواج العرفي، وفتوحات الزواج بالفاتحة لدى الكثيرين، فضلا عن جهاد المناكحة وأخبار السابقين إلى هذا الباب المريب، وما خفي كان أعظم؟ الإجابة يقدمها ميشيل فوكو بلغة سهلة: أكثر الناس تحريما للجنس هم أكثر الناس هوسا به.

لكي نشرح نظريا ودون العودة للتطرق إلى الحالات التي لا تخفى، يبدأ الخلل أساسا من اختلال العلاقة مع الذات، مع الجسد، مع الأنا، بحيث يستعصي على المرء أن يحكم نفسه بنفسه. الحكيم بالتعريف هو من يستطيع أن يحكم نفسه بنفسه. هناك مسألة نتفق حولها جميعنا، وهي أننا يجب أن نتحكم في غرائزنا فلا نترك لها العنان لكي تدمر الحضارة كما يرى فرويد. نعم، هذا رأي مؤسس التحليل النفسي بالتمام، خلاف ما يروج عنه خصومه الذين لا يقرأون. عموما يجب أن نتحكم في الغرائز والانفعالات. كلام جميل ويحبه المحافظون كذلك، لا سيما في شقه الأول (الغرائز) سواء أكانوا فلاسفة أم رجال دين، لكن ثمة مسألة نعرفها بالحس السليم، لا يمكننا أن نتحكم في شيء ننكر وجوده. الاعتراف بوجود الشيء هو المدخل إلى التحكم فيه. يصدق هذا الأمر في جميع المجالات. مثلا، لا يمكن للدولة أن تتحكم في ممارسة البغاء وتحدّ من انفلاتاته الأمنية والصحية إذا لم تنطلق من الاعتراف بوجود هذه الممارسة. لا يمكن للدولة أن تتحكم في الممارسات المثلية مثلا وتحد من انفلاتاتها الأمنية والصحية إذا لم تنطلق من الاعتراف بالظاهرة أولا. لا يمكن للدولة أن تتحكم في ممارسة الإجهاض وتحد من المآسي الصحية والأمنية والإنسانية الناجمة عن الإجهاض السري إذا لم تقرر بكل شفافية وشجاعة إخراج هذه الممارسة من السر إلى العلن.

هنا ثمة سوء فهم مريب من طرف العقلية القدامية، يتعلق بالاعتقاد بأن الاعتراف بوجود الشيء يعني الدفاع عنه والتشجيع عليه. إن المسألة المنسية هنا هي أن إنكار وجود شيء موجود أصلا لا يعني أن ذلك الشيء ليس موجودا، بل لربما قد يستفحل وينفلت من كل العقال، اللهم من وجهة نظر غريزة النعامة التي تخفي رأسها في الرمل بين الفينة والأخرى. وهي الغريزة التي قد تختلف التقديرات في تفسيرها بين من يرى أن النعامة تحاول التقاط دبدبات حوافر الحيوانات القريبة، ومن يرى أنها تحاول أن تبدو كشجرة لكي تتجاوزها الحيوانات المفترسة، ونحو ذلك من التفسيرات المحتملة، لكنها أيضا غريزة طفولية لدى الإنسان حين يكون رد فعله الأولي أمام الاصطدام الفجائي أن يغمض عينيه فلا يرى. عموما، تتطلب القدرة على التحكم في الغرائز التخلص من غرائز الخوف والجبن والكتمان، التخلص من غريزة إخفاء الرأس تحت الرمال. مسألة أخرى، فإن اتجاه تطور الحياة اليوم ينحو نحو الحد من الفضاءات المنفلتة، بل المطلوب استعادتها من حقل السرية إلى حقل الفضاء العمومي، بمعنى وبلغة القيم، يجب استردادها من مجال التقيّة إلى مجال الصدق والصراحة، وإخراجها من طور الكتمان إلى طور الشفافية والوضوح. هنا أيضا يكمن سوء التفاهم الكبير بين عالم القدامة وعالم الحداثة، أي بين ثقافة التستر والتقية والكتمان من جهة أولى، وثقافة الشفافية والنزاهة والالتزام من جهة ثانية. إنه سوء التفاهم الذي يمنح الامتياز الأخلاقي لمجتمعات الحداثة. ليس أساس الأخلاق أن نظهر بمظهر معين، لكن أساس الأخلاق أن نظهر كما نحن في الأساس. فإن الصدق ليعني الشفافية، وإن روح الشفافية لها دلالة واحدة محددة: ليس لدينا ما نخفيه عن بعضنا البعض.

كاتب مغربي

9