على قدر الحب يكون العتاب

الاثنين 2014/08/25

يبقى الود ما بقي العتاب، أعلم حبيبي كل العلم أنك حين تعاتبني فحتماً أنت تحبني بحرارة تذيب جليد أي خصام، فعتابنا هو عنوان الحب لأننا لا نريد أن تظل بعض الشرارات مستعرة تحت الرماد وإنما نخمد النيران كلها.

كان حديثي مغلفا بأبوة دافئة أحسستها لأستاذي الجامعي مفيد شهاب (رئيس جامعة القاهرة، ووزير مجلسي الشعب والشورى الاسبق، وأحد أهم أصحاب الرأي في ملف مفاوضات طابا)، وخشيت أن يكون قد خانني التعبير حين عاتبته، فاعتذرت عن العتاب، قائلة: تعلم أنني أعتبرك أبي، فقال برصانته المعهودة وحنانه “يبقى الود ما بقي العتاب”. عتابك دليل الاعتزاز والتقدير وهو يسعدني ولا يغضبني.

علمني يومها إلى جانب الكثير الذي تعلمته منه، أن العتاب بين الأحبة والأهل، والأصدقاء ضرورة لبقاء العلاقات نقية لا تشوبها شائبة، ولا نخشاه بل نخشى عدم الرغبة فيه ورفضه.

همست لي “وفاء” زميلة العمل أنها وبعد 18 عاماً من الزواج للمرة الأولى لم تعاتب زوجها بعد مشكلة كبيرة كادت تعصف بحياتها الزوجية الطويلة. لم ترغب بالعتاب، ولم تناقش أسباب الخلاف، فقط اكتفت بصلح “باهت” لاستئناف حياة زوجية فقدت بريقها وبهجتها.

وللعجب فقد كان زوجها في قمة سعادته بذلك، وظل لسنوات يطالبها بعدم العتاب، قالت لي تصوري أنه يجاهد من أجل أن تظل النيران مشتعلة، ويكتفي بإلقاء بعض الرماد فوقها، يصارع لطمس أهم معالم الحب، يجعل حياتنا الزوجية تائهة زائغة بلا عنوان.

يرفض العتاب، والحقيقة أنه يعتبره رقيباً على تصرفاته، هو يهرب من الرقابة ولا يدري أنني حين فقدت الرغبة في العتاب فإنما فقدت الرغبة في الحديث معه، وربما الرغبة في تقاسم الحياة معه من الأساس. كان العتاب يغسل قلبينا ويجلي أسباب الخلاف من الجذور، فلم يعد لها وجود ولا تنمو منغصة علينا حياتنا، واليوم وأنا أرفض العتاب وأصوم عن الكلام، إنما يدق صمتي مسماراً كبيراَ في نعش الحب الذي ينتحب ويحتضر في أيامه الأخيرة، ويبني تابوتاً يقبر مشاعري ويدفن شوقي. وخانتها دموعها وهي تقول: لن أعاتب، افعل ما شئت فلم تعد حبيبي، أصبحت زوجي فحسب، أصبحت مجرد رجل في حياتي.

زوج أعيش معه حتى لا يتهدم البيت في مجتمع لا يطلب التضحيات من غير النساء، ولا يهتم بالنيران التي تتدثر بالرماد، ولا يعترف بأن العتاب عنوان الحب.

العتاب فن، ينبغي أن يكون باباَ مفتوحاَ للحب والود والمشاعر الدافئة، و”فِلْتَرَ” العلاقات الإنسانية، ومصفاتها التي تنقي شوائبها فتظل صافية، نقية، ولا يجب أن يصل إلى درجة اللوم فيصبح رد فعل الطرف الآخر إما الصمت أو الهرب، أو المواجهة الجارحة.

وكما قال أمير الشعراء أحمد شوقي:

على قدر الهوى يأْتي العتاب ومن عاتبت يفديه الصحاب

ألوم معذبي ، فألوم نفسي فأُغضبها ويرضيها العذاب

ولو أني استطعت لتبت عنه ولكن كيف عن روحي المتاب؟

ولي قلب بأَن يهوى يجازى ومالكه بأن يجني يثاب.

21