على قطر أن تختار بين الإخوان الإرهابيين أو الأشقاء الخليجيين

الثلاثاء 2014/03/11

المؤكد أنه لا يوجد خليجي واحد، بمن في ذلك القطريون، يرغب بأن يرى قطر شوكة في حلق الخليج أو أنها تتعرض لريح خليجية عاتية بعد سحب سفراء السعودية والإمارات والبحرين منها. لكن، أيضا، لا يمكن أن يساوم أي خليجي على أمنه واستقرار دوله التي تهددها التصرفات القطرية في أكثر من اتجاه مناوئ ويهددها الاحتضان القطري، غير المفهوم، للإخوان وزعيمهم إمام الفتنة الأكبر يوسف القرضاوي.

والقطريون، مثل كل الخليجيين، يعرفون المثل الدارج خليجيا الذي يقول: “ما دون الحلق إلا اليدين”، أي متى ما وصلت يديك إلى حلقي فإنك لم تُبق لي من خيار سوى صدّك بكل ما أملك لكي لا تُطبق على نَفسي وتخنقني. وهذا بالضبط ما أوصلت إليه قطر كل دول الخليج بلا استثناء، وبالذات الدول الثلاث التي سحبت سفراءها، حين جهلت وتجرأت على هذه الدول أكثر من اللازم، وفتحت خزائنها ومنابرها وقنواتها للإخوان الذين يتربصون الدوائر السياسية والشعبية بمقدرات ومكاسب أهل الخليج الأمنية والتنموية.

كان استهجان واستغراب الخليجيين، وغير الخليجيين، واضحا من إمعان قطر واستمرارها في خلع مسامير اللحمة الخليجية، خاصة بعد أن وقع أميرها الحالي الشيخ تميم على اتفاقيات في نوفمبر وفبراير الماضيين في الرياض والكويت يتعهد فيها باتخاذ خطوات عاجلة وجادة لإيقاف مزاريب قطر، الإخوانية وغير الإخوانية، التي تدفع بمياه حامضة وحارقة إلى الأرض الخليجية المهددة من أكثر من طرف أجنبي، ضمن ما بات يعرف، في الدوائر السياسية والإعلامية الدولية، بخارطة حكم الإسلامويين للمنطقة التي مزقتها إربا ثورة 30 يونيو المصرية.

لقد وجدت قطر (القديمة) نفسها، بعد تلك الثورة المصرية والدعم السعودي والإماراتي اللامحدود لها، في حالة ارتباك وأكثر قربا من شبح عزلة كبيرة بعيدا عن المظلة الخليجية التي رصدت قبل وبعد، من الرياض إلى مسقط، تدخلا قطريا سافرا في شؤونها الداخلية ودعما قطريا للمناوئين لسياسات هذه الدول، سواء من داخلها كما هو الحال في دعم ورعاية الإخوان الخليجيين، أم من خارجها مع الجماعات والأجندات التي تثير القلاقل في هذه الدول أو تحيط بها، غير بعيد عن حدودها، وتهدد استقرارها وسلامتها الوطنية والاجتماعية بدعم من إيران، التي تتدخل تدخلا سافرا في الشأن العربي في سوريا وفي العراق والبحرين واليمن.

وحين أدركت قطر (الجديدة) استحالة مواصلة تلك السياسات الخارجية والإعلامية القديمة التي لم تحقق ولن تُحقق سوى مزيد من الخسائر على صعيد حضورها الخليجي والعربي، سارع الشيخ تميم إلى عقد تلك الاتفاقيات التي يبدو، حسب كثير من المراقبين والمحللين، أنه لم يكن قادرا على تنفيذ بنودها نظرا للنفوذ القوي لأطراف الحرس القديم الذين ربما لم يعودوا قادرين على تصور وجود قطري هادئ ومتعاون ومطمئن، أو أن في جيوبهم السياسية أشياء لا نعرفها وقد تخبرنا بها الأيام القادمة.

المؤكد، بطبيعة الحال، أنه لا الحرس القديم ولا الحكم الجديد في قطر توقعوا أن يصل الأمر بدول الخليج إلى سحب السفراء مع احتمال أن تصعد هذه الدول إلى أكثر من ذلك. وقد راهنوا في استبعادهم لهذا التصعيد على صبر دول الخليج طوال ما يقرب من عشرين سنة على تغريد قطر خارج السرب وإساءاتها المتكررة إلى دولهم سياسيا وإعلاميا. أي أن القطريين أخطأوا هذه المرة. ولربما حدث هذا الخطأ من عدم تقديرهم وفهمهم بشكل صحيح للقلق السعودي والخليجي بشكل عام. وهو قلق تصاعد بوتيرة متسارعة لسببين. السبب الأول أن هذه الدول لديها مضبوطاتها ضد القطريين، والسبب الثاني أن القطريين، رغم كل المحاولات والوساطات والاتفاقيات، لم يحركوا ساكنا ليقللوا من هذا القلق ويطمئنوا الخليجيين من خلال بعض الإجراءات إلى أنهم يستجيبون لدواعي قلقهم. بل ربما شعرت دول الخليج بالاستهانة القطرية بقلقها على أمنها الداخلي، حين صرح وزير الخارجية القطري خالد العطية، على سبيل المثال، مطلع فبراير الماضي بأن ما قيل على لسان يوسف القرضاوي حول الإمارات لا يعبر عن السياسة الخارجية لدولة قطر، إذ كيف يمكن أن يستوعب الإماراتيون، قيادة وشعبا، وكيف يستوعب الخليجيون عموما الفصل بين السياسة الخارجية القطرية وما يطلقه زعيم ومفتي الإخوان في قطر من تصريحات علنية مسيئة لحكام دول الخليج وشعوبها بينما لم تتخذ الحكومة القطرية إزاء هذه التصريحات أي موقف؟

حينها، أي حين صدرت تصريحات القرضاوي، كتبت في هذه الصحيفة، مخاطبا القطريين، بأننا لن نستغرب منه وقد لوّح بعصا الغرب في وجه مصر وهدد أمنها وألب وحرض عليها، أن يُسخّر منبره منذ فترة، في ظل الحماية القطرية، التي أقل ما يمكن أن يقال عنها أنها ملتبسة، ليدق أسافين الفرقة في علاقات دول الخليج في محاولة لتمزيقها كما حاول أن يمزق من قبل كل الأنسجة الوطنية والاجتماعية العربية، التي يبدو أن القرضاوي وعصابته ومريديه لا يرتاحون لرؤيتها آمنة مطمئنة. وقلت، كما قال غيري أيضا، أن القرضاوي يسوؤه ويسوء عصابة الإخوان أن يروا شعوب دول الخليج متلاحمة مع قادتها وحكوماتها وعصية على مخططاتهم الظلامية ومؤامراتهم التي تُطبخ في الخفاء في محاولات مستميتة لنزع ما تبقى في جغرافيا العرب من رغد العيش والأمن والاستقرار.

والآن لابد أن القطريين أدركوا معنى كلام المواطنين الخليجيين الشرفاء الذين حذروهم من تربصات الإخوان بأشقائهم من دول الخليج وحذروهم من اللعب بالنار قرب حدود هذه الدول. وأنه لابد من أن يفهم القطريون أن هذه النار التي يصب عليها القرضاوي وغيره، كل يوم، مزيدا من الزيت ستحرقهم قبل غيرهم. ولذلك لا يزال الخليجيون، قبل وبعد سحب سفراء الدول الثلاث، يعولون على الحكمة القطرية وينتظرون إجراء قطريا حقيقيا يطمئن دول الخليج على أمنها الداخلي وبأنها عضو فاعل في اتجاه المصالح الخليجية المشتركة التي اختارت الجغرافيا والجوار والنسب سياقها القسري.

وأمام القطريين، بعد الأحداث الأخيرة، خيارين لا ثالث لهما: إما التمسك بالإخوان الإرهابيين الذين يهددون مصالحها ومصالح أشقائها في مجلس التعاون. وإما، وهذا ما نأمله، العودة الحكيمة والصادقة إلى حضنها الخليجي المحب، الذي يريد أن يراها على الدوام عزيزة مستقرة، تسهم في بناء المنطقة وأمنها وتقدم أبنائها.


كاتب سعودي

8