على ماذا تراهن المعارضة السورية في جنيف 8؟

الاثنين 2017/10/02

أعلن ستيفان دي ميستورا، المبعوث الأممي إلى سوريا، أن الجولة الثامنة من مفاوضات “جنيف”، بين النظام والمعارضة السوريين، ستعقد بعد شهر، وذلك في التقرير الذي قدمه إلى مجلس الأمن الدولي (27 سبتمبر الماضي). ولم ينس دي ميستورا التذكير بأن المفاوضات هي “بشأن حكم ذي مصداقية وشامل للجميع على الصعيدين المحلي والمركزي، وبشأن جدول زمني وعملية للدستور الجديد، وانتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة. كل ذلك مقترن بصون سيادة سوريا ووحدتها وسلامة أراضيها، وكل ذلك مقترن أيضا بمكافحة الإرهاب وهزمه”.

هذا يعني أن مفاوضات جنيف، في جولاتها السابقة، لم تصل إلى أي شيء يذكر بخصوص القضايا المطروحة على جدول الأعمال، وأن العملية التفاوضية تبدو مجرد عملية علاقات عامة، ومجرد منبر آخر للصراع بين النظام والمعارضة.

ما يجدر لفت الانتباه إليه هنا أن الحديث يدور عن خمس جولات تفاوضية سابقة جرت في عهد دي ميستورا نفسه (الذي عيّن صيف العام 2014)، بعد المبعوثين الدوليين السابقين، كوفي عنان (2012)، والأخضر الإبراهيمي (2013 و2014). فمنذ انعقاد الجولة الثالثة من مفاوضات جنيف (فبراير 2016)، ثم الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة (2017)، وكلها عقدت بعد تخفّف الأطراف الدولية والإقليمية من بيان جنيف 1 (2012)، وطرح القرار الدولي رقم 2254 (2015)، و”سلال” دي ميستورا الأربع التي تم ذكرها، تتمحور إجمالا ليس حول إقامة هيئة حكم تنفيذية ذات صلاحيات كاملة، وإنما حول تعويم نظام بشار الأسد، وإقامة حكومة ذات صلاحيات كاملة بين نظام الأسد والمعارضة، مع الاتفاق على الدستور والانتخابات ومكافحة الإرهاب.

على ذلك فإن السؤال المطروح هنا ليس على النظام، الذي يستفيد من كل المعطيات الحاصلة، ولو على حساب فقدانه السيادة على أراضيه وعلى قراره السياسي، بحكم هيمنة روسيا وإيران على الصراع السوري، وإنما هو مطروح على المعارضة ذاتها، عما تفعله لبلوغ ما تريده.

في حقيقة الأمر لا يوجد للمعارضة ما تراهن عليه في مفاوضات جنيف، بحسب التجربة، وأيضا بحسب التحليل المنطقي، إذ بالتأكيد لا يمكن المراهنة على أن الجلوس على طاولة المفاوضات، في الجولة الثامنة أو في الجولة الثمانين، يمكن أن يليّن مواقف النظام، وأن يغير قناعاته، بشأن التنازل عن سلطته أو جزء منها للمعارضة، ولا حتى بشأن منح المعارضة أي ميزات تضفي عليها قوة، بمعنى أن ما لم تستطع هذه المعارضة أخذه بالقوة، خلال السنوات السبع الماضية، لن تستطيع أخذه بالمفاوضات.

وبالمثل فإن النظام الذي واجه شعبه بالبراميل المتفجرة والدبابات والصواريخ الفراغية والارتجاجية وبالحصار والتشريد لن يكون رؤوفا أو متسامحا أو مسالما على طاولة المفاوضات، هذا مع التذكير بأنه ولا مرة حدثت عملية تفاوضية حقيقية بين وفدي المعارضة والنظام، في الجولات الماضية، إذ أن كل ما حصل هو مجرد اجتماعات مع المبعوث الدولي ومعاونيه، كل طرف على حدة، ومن دون التوصل إلى أي شيء ذي معنى، في حين برّر وفد النظام تهربه بمسألتين؛ أولاهما وقف ما يسميه الإرهاب. وثانيتهما عدم وجود وفد واحد للمعارضة في المفاوضات.

أيضا، لا تستطيع المعارضة المراهنة على الموقف الدولي، ولا حتى على مواقف ما يسمى “الدول الصديقة”، أي الداعمة للثورة السورية، بحكم تقلب مواقف هذه الدول، وضعف فاعليتها في تقديم دعم ملموس للمعارضة، ولا حتى على مستوى فرض وقف القصف الجوي، أو رفع حصار عن مناطق، أو إدخال معونات إنسانية، ويأتي ضمن ذلك عدم حسم الولايات المتحدة لأمرها في شأن سوريا، في حين أن حليفي النظام (روسيا وإيران)، يقفان مع النظام بشكل غير محدود، وضمن ذلك بالوسائل العسكرية.

وفي الواقع فإن المعارضة في هذا الوقت ضعيفة أكثر من أي وقت مضى، ولا تستطيع أن تراهن على وضعها العسكري – الميداني، لا سيما مع انحسار “المناطق المحررة”، التي كانت تخضع لكيانات المعارضة العسكرية لصالح النظام، ومع المتغير الكبير المتمثل بالتوافق الروسي الإيراني التركي على التنسيق، عبر مسار تفاوضي آخر هو مسار أستانة، الذي نجمت عنه خطط “خفض التصعيد”، هذا إضافة إلى التركيز الدولي والإقليمي على الحرب ضد الإرهاب (تنظيم داعش وجبهة النصرة).

باختصار، لا يوجد للمعارضة السورية ما تراهن عليه في المفاوضات، لكن ذلك لا يعني أن عليها أن تستنكف من المشاركة، إذ أن ذلك ليس بمقدورها، أولا. وثانيا فإن ذلك سيضرّ بمكانتها، لأن هذه المفاوضات تعبر عن إرادة دولية وإقليمية لا ينبغي التعارض معها. والمعنى أن المعارضة معنية بالمشاركة في المفاوضات لكن على أساس أنها جزء من عملية الصراع السياسي مع النظام، أي من دون أوهام، وعلى أنها جزء من الصراع على الشرعية والمكانة ضد النظام، أمام السوريين وأمام العالم، وأن هذه المفاوضات هي نوع من الممارسة السياسية للمعارضة.

أما ما يفترض أن تبحث عنه المعارضة لتعزيز مكانتها، والمراهنة عليه، مع مفاوضات أو من دونها، فيتمثل في إعادة بنائها لأوضاعها، وتعزيز صلتها بشعبها، وتطوير أدواتها وخطاباتها. وهذا يتطلّب صوغ كيان سياسي جمعي يعبر عن معظم السوريين، ويمثل مصالحهم وحقوقهم وتطلعاتهم المتمثلة بالحرية والكرامة والمواطنة والديمقراطية، ووقف المراهنات الخاطئة على هذه الدولة أو تلك، بالاعتماد على شعبها، في الداخل والخارج، وبانتهاج طرق كفاحية تشل قدرة النظام وحلفائه على القتل والتشريد وتحيّدُ الآلة العسكرية المدمرة لهم، أي انتهاج طرق كفاحية أكثر ملاءمة لظروف السوريين وقدرتهم على التحمل بعد كل ما جرى.

كاتب سياسي فلسطيني

8