على ماذا تراهن تركيا في الأزمة الأوكرانية

الاثنين 2014/06/02
علاقة أنقرة بموسكو شديدة الأهمية لكنها غير مستقرة

خيار تركيا الذي اتبعته على مدى عقد من الزمن بعدم إثارة مشاكل مع جيرانها (صفر مشاكل) أتى أكله في العلاقات مع روسيا، بيد أن هذه المقاربة بدأت تتهرئ قبل الأزمة الأوكرانية بمدة حتى أنها الآن ربما لم تعد مستدامة.

يبدو أن العلاقة بين روسيا وتركيا في المستقبل ستكون أكثر تنافسية وميلا إلى الصراع مما سيضع السياسة الخارجية التركية الأخيرة على المحك، كما يتم اختبار تعاون أنقرة مع شركائها الأطلسيين.

تكتسب العلاقة الاقتصادية بين تركيا وروسيا أهمية شديدة بالنسبة إلى السياسة الخارجية التركية وساعدت على تنشيط اقتصاد حي على مدى العشر سنوات الماضية. ومنذ التسعينات كانت روسيا الشريك التجاري الفردي الأول بالنسبة إلى تركيا. ناهيك أن واردات الغاز الطبيعي من روسيا تمثل حاليا 60 بالمئة من الاحتياجات التركية. وخلال السنوات المقبلة يمكن أن تتخلص تركيا من هذه التبعية بفضل استثماراتها في مجال الطاقة بشمال العراق والتوريد من إيران والوسطاء الجدد. هذا فضلا عن المشاركة التركية في إنتاج الغاز من الاكتشافات الجديدة في شرق المتوسط بالرغم من أن ذلك يتطلب بعض السنوات في أحسن التقديرات ويتوقف على فض النزاعات مع قبرص وإسرائيل. لذا حاليا لا تمتلك تركيا غير وسائل محدودة جدا للتخلص من التبعية الكبيرة لواردات الغاز من روسيا بما في ذلك تلك التي تعبر الأراضي الأوكرانية. ويلاحظ أن تركيا في هذا الخصوص تبقى في نفس الوضع الذي يوجد فيه بعض أهم شركائها الأوروبيين.

لا تقتصر رهانات تركيا على الأمن في مجال الطاقة، إذ أن الشركات التركية من أهم مزودي روسيا بالسلع والخدمات، وخاصة في صناعات الأدوية والبناء، كما توجد استثمارات مهمة في كلا الاتجاهين في المجال العقاري. وتتعرض المشاريع التركية، بما في ذلك البنوك، لتبعات العقوبات الاقتصادية ضد موسكو وعدم الاستقرار الاقتصادي في روسيا وأوكرانيا، وذلك في ظرف يتزايد فيه القلق على استقرار الاقتصاد التركي ونموه. وعموما كانت تركيا غير متحمسة للعقوبات كأداة لفرض السياسات سواء تجاه العراق في التسعينات أو تجاه إيران. وبالفعل كانت تركيا هي نفسها عرضة لعقوبات دورية أميركية وأوروبية بسبب النزاع مع قبرص بالأساس. وفي خضم احتداد النقاش حول العقوبات الاقتصادية والسياسية ضد موسكو من المستبعد أن تأخذ تركيا موقع الريادة.

لقد كان التنافس الجيوسياسي بين روسيا وتركيا جزءا لا يتجزأ من معادلة الأمن الأوروبي على مدى مئات السنين، ولعبت أشكال عدة من “القضية الشرقية” دورا مهما في الشؤون الأوروبية من القرن الثامن عشر إلى الحرب العالمية الأولى. لكن في الوقت المعاصر وحتى أثناء فترة الحرب الباردة تميزت العلاقات بالاستقرار الحذر. وفي فترة ما بعد الحرب الباردة تفادت كل من أنقرة وموسكو الاحتكاكات الخطيرة بالرغم من بعض الخلافات العرضية (مثل بيع الأسلحة الروسية لقبرص، وشكوك روسيا في تورط تركيا مع الانفصاليين الشيشان). وتجمع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين علاقة ودية إلى أبعد الحدود، بيد أن الخلافات الكبرى حول دعم روسيا لنظام الأسد تسببت في فتور العلاقة. ونظرا إلى درجة الارتباط الوثيق بين البلدين اقتصاديا ستكون بالتأكيد عاملا منغصا بارزا للعلاقات التركية الروسية.

الخلافات الكبرى حول دعم روسيا لنظام الأسد تسببت في فتور العلاقة التركية الروسية


السياسة المحلية والقضية التتارية

عند مجيء حكومة العدالة والتنمية إلى الحكم وبحدوث تغيرات تقدمية في العلاقات بين الجيش والعسكر أصبح الرأي العام عاملا مهما في السياسة الخارجية التركية. ويمثل الرأي العام جزءا أساسيا في المعادلة بخصوص السياسة تجاه سوريا وشمال العراق وطبعا أرمينيا وقبرص. ويعطي ضغط الشعبوية والقومية والهوية الدينية على المشهد التركي المعاصر هذا العامل التركي صدى قويا في الرأيين العام والنخبوي. ومن هنا كانت الآفاق بالنسبة إلى تتار القرم أحد المحفزات لاهتمام تركيا بالأزمة الأوكرانية، فإذا تعرضت الجالية التتارية لمزيد من الضغط من الأغلبية الروسية في القرم ستجد حكومة أردوغان صعبوبة في تجاهل معاناتهم خاصة في ظل اقتراب الانتخابات الرئاسية والعامة.

هل هو تحول إلى أمن أوروبي-أطلسي


الأزمة في أوكرانيا واحتمال حصول تغيير جذري في العلاقة الاستراتيجية مع روسيا ستكون لهما استتباعات خاصة بالنسبة إلى تركيا بوصفها حليفا تابعا للناتو يواجه مصادر متعددة من الأخطار. بادئ ذي بدء تبرز الأزمة الحالية عودة تحديات أمنية صعبة على الحدود التركية. وما أوكرانيا إلا آخر أزمة من سلسلة الأزمات التي أضعفت مقاربة القوة الناعمة التركية تجاه جيرانها. فقبل الأحداث في كييف بمدة طويلة واجهت أنقرة الفوضى في سوريا، وانتشار الحروب بالوكالة في المشرق، والنزاع القائم حول المسألة النووية الإيرانية، والتهديد الذي لم يخب بعد والآتي من التمرد والإرهاب من حزب العمال الكردستاني. وهذه المرة تواجه تركيا أيضا تحديا أمنيا متصاعد الخطورة في البحر الأسود. لكن أنقرة قد تمر بوقت عصيب وهي تحاول إيجاد توازن بين رغبتها في الحصول على الاطمئنان والردع تجاه روسيا مع رغبتها في تجنب مواجهة مع موسكو.

ثانيا، تأتي الأزمة في العلاقات مع روسيا في وقت يشهد تقلقلا كبيرا في علاقات تركيا مع الشركاء في حلف الناتو، حيث لا يتفق معها الكثير منهم في ما يتعلق بسوريا ومسائل أخرى ذات أهمية كبرى بالنسبة إلى أنقرة. ويبقى عموم الأتراك والكثير من نخبهم متشككين كثيرا في السياسات الأميركية والأوروبية تجاه تركيا والمنطقة ككل، ولم يفعل رئيس الوزراء وكبار الشخصيات في الحزب الحاكم شيئا يذكر لتغيير هذا المناخ من الشك. وبالفعل أثار الحديث عن لوبيات أسعار الفائدة ووجود أياد غربية وراء فضائح الفساد الأخيرة قلقا على ضفتي الأطلسي حول التزام أنقرة بالعلاقات مع واشنطن وبروكسل. وكذلك الشأن بالنسبة إلى تودّد تركيا مع خيارات أوراسية (أي روسية)، إلى جانب النبرة غير المنحازة لخطاب الدبلوماسية التركية مؤخرا. وتجدر الإشارة هنا إلى أن نشر الحلف الأطلسي لبطاريات صواريخ باتريوت لتعزيز الدفاعات الجوية التركية على الحدود السورية لم يحصل على ثناء يذكر في تركيا. ومن ناحية أخرى احتمال لجوء تركيا إلى نظام دفاع جوي صيني عوضا عن أميركي أو أوروبي، وحتى روسي، لم يُتقبل بارتياح في أوساط الحلف. وفي النهاية، لدى تركيا رهانات مهمة في الضمان الأمني من الناتو، بيد أن الأزمة الأوكرانية أظهرت أن هناك حاجة إلى إجراء الكثير من أعمال الصيانة للشراكات الاستراتيجية التركية.

نتيجة للأزمة الأوكرانية تجد تركيا نفسها أمام سلسلة من الخيارات الصعبة في مجالات متعددة

ثالثا، من المحتمل أن تدفع الأزمة الأوكرانية بالاستراتيجية والتخطيط لدى الناتو في اتجاه يفضله الاستراتيجيون الأتراك. لقد نقص الضغط الخاص بزيادة توسيع حلف الناتو، على الأقل ما وراء دول البلقان، فضلا عن اهتمام أكبر بصدقية التزامات الفصل الخامس بحماية أعضاء الناتو.

نتيجة للأزمة الأوكرانية وإمكانية تطور العلاقة مع روسيا نحو مزيد المواجهة، تجد تركيا نفسها أمام سلسلة من الخيارات الصعبة في مجالات متعددة من صنع السياسات. إن المسائل المطروحة – من الأمن الطاقي إلى العقوبات، من الموقف الدفاعي إلى مصالح الإثنيات التركية في الخارج – مسائل صعبة في حد ذاتها، وما يزيدها صعوبة هو ظهورها في زمن إجهاد اقتصادي وسياسي للبلاد. هناك احتمال كبير أن تكون تركيا متجهة نحو جدل حاد بخصوص موقفها ودورها الاستراتيجيين في الترتيبات الأمنية ما بين جانبي الأطلسي.

فهل تركيا الآن بصدد العودة إلى دورها التقليدي كحاجز في ما يتعلق بهذا الأمر أو مصادر أخرى من الأخطار؟ على مدى العشرية الماضية عملت الاستراتيجية التركية على تجنب هذه المآزق الجيوسياسية عن طريق وضع تركيا في قلب الشؤون الإقليمية، بيد أن الأزمة الأوكرانية تشير إلى سرعة غلق نافذة هذه المقاربة.


عن مجلة “دراسات دولية”

ترجمة منصف الخروبي

6