على هامش الأزمة الأوكرانية

الخميس 2014/04/17

يشهد العالم هذه الأيام توترات عنيفة لم يشهدها من قبل، خاصة بعد نهاية الحرب الباردة التي أدت إلى سقوط الاتحاد السوفيتي، ليس معنى هذا أن العالم كان يعيش أمنا واستقرارا، بل الحروب وصناعة الأزمات هي سمة عصر ما بعد الحرب الباردة، أما السلام والاستقرار فهي شعارات جوفاء لم ولن تتحقق على أرض الواقع في ظل الفكر الغربي السائد الذي لا يؤمن بالآخر المختلف في الرؤى والتصورات “إما معي أو ضدي”.

انتقال هذه التوترات إلى البيت الأوروبي والعالم الغربي، الأزمة الأوكرانية مثلا، يستدعي طرح عديد الأسئلة من بينها: هل النظام العالمي غير قادر على احتواء هذه الأزمات؟ أم هل هو الذي يفتعلها لأنه نظام يتغذى من الأزمات؟ وهل العالم أكبر من أن تقوده قوة وحيدة تتعامل مع الآخرين المعارضين بمنطق العصا والجزرة؟

إن هذه الأزمات تدل على الحصيلة السلبية لهذا “النظام العالمي الجديد القديم” على حد تعبير المفكر العالمي “نعوم تشومسكي”، وطريقة تعامله مع القضايا الشائكة والملفات العالقة، حيث فشل في احتواء الآخر والقضاء على الأزمات وإعطاء البشرية نظاما إنسانيا يحافظ على كرامة الإنسان وقدسيته، أما إذا كان يرى في هذه الأزمات والمشكلات ضرورة حتى يستمر ويبقى في الوجود، فتلك مصيبة أفدح، فالإنسان ليس في حاجة إلى نظام يعيش بالحروب ويتغذى بالصراعات، يقسم العالم إلى أقلية متخمة وأكثرية جائعة، ويعمل على إشعال الأزمات، ويترنّم بسماع أنين الجياع، بل هو في حاجة إلى نظام يسعى إلى نشر القيم السامية والمبادئ التي تتوق إليها النفس الإنسانية، السلام والأمن والعيش الكريم، شعاره العدل والثروة للجميع. إذن، المشكلة في أصل هذا النظام الذي لم يحفظ كرامة الإنسان ولم يصن قدسيته، ولم يحقق له الأمن والاستقرار لذلك لابد أن يتغير. هل روسيا باستعادتها لشبه جزيرة القرم، أو احتلالها لها، هي بادرة لنظام جديد بدأ يتشكل كما يتمنى الواهمون ويأمل الحالمون؟

لا أعتقد ذلك، فروسيا هي إفراز للنظام القديم، وتصرفاتها وعلاقاتها لا تخرج عن نطاق استعماري مصلحي، فهي لا تؤمن بالديمقراطية ولا بالتعددية ولا بحق الشعوب في تقرير مصيرها، ومن يرفع راية الاستقلال في وجهها بحجة الاختلاف القومي والعقائدي، كجمهورية الشيشان، واجهته بالسلاح، لأن القانون السائد عند العقل السياسي الروسي هو البقاء للأصلح، والأصلح في نظره هو الأقوى.

هناك تفسير آخر يتقاطع مع هذا الاعتقاد، ذكره الصحفي الأميركي “توماس فريدمان” عند تحليله الأزمة الأوكرانية وضم روسيا لشبه جزيرة القرم حيث يقول: “يؤكد استيلاء بوتين على القرم التأثير الدائم في مجال الجغرافيا السياسية، فروسيا دولة قارية، تمتد على مساحات شاسعة من الأراضي.. وبوتين كغيره من قادة الكرملين مصاب بهوس حماية أرجاء روسيا من الغزاة المحتملين”، إلا أنه يقلل من دور الجغرافيا في الأزمة الأوكرانية، فالقصة تتعلق بأشواق شعب تائق إلى غد أفضل، فالرغبة في مستقبل أفضل وعالم جديد يحتكم أهله إلى الديمقراطية والعدالة هي المحرك الأساسي الذي جعل الشعب الأوكراني يواجه الرصاص والبرد في كييف لأكثر من شهر حيث يقول: “الدراما الأوكرانية الأخيرة لم تبدأ بالجغرافيا، بقوة خارجية تحاول غزو روسيا، كما حاول بوتين الادعاء، بل بدأت القصة بشعوب داخل المجال الروسي تحاول الخروج منه، فعبّر عدد من الأوكرانيين عن رغبتهم في ربط الاقتصاد الأوكراني بالاتحاد الأوروبي لا بالاتحاد الأوراسي الذي بشر به بوتين، هذه القصة، في جوهرها بدأتها الطبيعة البشرية، التساؤل من جانب الشعوب لضمان مستقبل أفضل، ولم تبدأها الجغرافيا السياسية، ولا حتى النزعة القومية المبالغ فيها، وهي ليست قصة “اجتياح” بل هي قصة خروج”.

إلا أن ما غاب عن صاحب هذا التحليل أن هذه الاحتجاجات أو الثورات التي تظهر هنا وهناك في مختلف أرجاء العالم لم تصنعها الرغبة في اللحاق بالركب الغربي فقط. فشعوب هذه المناطق وغيرها كما أنها تتطلع إلى الحرية والديمقراطية، كذلك فهي رافضة للنظام الرأسمالي الذي يجعل الأكثرية عبيدا للأقلية المسيطرة على المال والثروة، فالنظام الذي أفرز أقلية متخمة وأكثرية جائعة لابد أن يتغير، لأن استمراره هو استمرار للأزمة.

المشكلة أن هذه الأقلية أصبح بيدها القرار السياسي، لذلك تجد أن عديد الباحثين الأميركيين المرموقين ينعون الديمقراطية الأميركية التي بشرت بها أميركا العالم منذ عقود، واعتبرتها “نهاية التاريخ” والفردوس الأرضي المفقود، لأن الديمقراطية الحالية- حسب زعمهم- سقطت في يد الأقلية المتحكمة في الثروة والمسيطرة على المال، وأصبح مفهومها هو حكم الأقلية لا الأكثرية. فاللحظة التي يعيشها العالم اليوم هي في نظام يحتضر يحاول تأخير نهايته، وشعوب تُحاول أن تؤسس لعالم جديد لا يكون فيه أصحاب المال والساسة هم رواده ومؤسسوه.


كاتب جزائري

9