على هامش الاحتفال بالأعياد.. الشرير لا يتحول إلى طيب

تعد أفلام الكارتون أحد الأشياء المفضلة لدى أفراد العائلة جميعهم، خاصة الأطفال، في مثل هذا الوقت من العام، حيث الاحتفالات بأعياد الميلاد وأجواء الشتاء؛ مواقد التدفئة، البيوت الخشبية التي يغطيها الثلج، الشوارع والأشجار المزينة بالأضواء، رائحة الكعك وموائد العشاء المفعمة بالتنوع، الطيور والبط والديك التركي وبسكويت الجنجر وعصير الفواكه الشتوية، ملمس الأوراق اللامعة والهدايا المغلفة بأناقة ورائحة الشموع، والأهم من كل هذا، الحب الذي يجمع كل مظاهر الفرح على مائدة واحدة من التفاهم.
الأربعاء 2017/12/27
أفلام الكارتون مزجت الصورة المبهرة بالصوت الدافئ لتعبر عن روح العيد

كل الصور الدافئة، التي طبعت في ذاكرتنا من مشاهد احتفالات أعياد الميلاد وقدوم العام الجديد، كانت تصلنا حتى في مدننا البعيدة؛ حيث المشاهد التي تكاد تكون حيّة تنطق بالفرح، وكانت هذه هي المهمة التي حملها على عاتقهم منتجو أفلام الكارتون الذين مزجوا الصورة المبهرة بالصوت الدافئ ليعبّروا عن روح العيد.

ليس هذا فحسب، بل إن هذه القصص كانت ومازالت حريصة على استضافة الشخصيات الطيبة على مسرح أحداثها؛ الشخصيات التي تحمل قلوبا مفعمة بالأمل والحب والتضحيات أو ما يناقضها تماما من الشخصيات التي تعيث فسادا في الحكايات وتخترع فنونا من الشر وتفوح رائحتها بالكره والحقد، في حين تتغير هذه الصورة تماما بعد مرور حوادث عرضية (قدرية أو مفتعلة)، في صورة نمطية لمجموعة من الأشباح والملائكة فيتبادلون الأدوار لينتصر الخير في النهاية.

يحدث التغيير الهائل في الأحداث على حين غفلة بعد أن تتغير النفوس ويحل الحب والتعاطف محل الكره، فتعود الأمور إلى مسارها الطبيعي ويتحول الأشرار فجأة إلى طيبين ليشاركوا بقية الممثلين في رسم نهاية سعيدة للأفلام، التي ينام الملايين على وقع أحلامها بعد أن يقضوا لياليهم الجميلة الدافئة وهم يمضغون طعام الأعياد اللذيذ وينعمون بدفء المواقد.

لا يمكننا تغيير طبائعنا السيئة بمجرد شعورنا بالسوء أو لأن جنية قدمت من خيال كاتبها لتطلب منا أن نكون أناسا طيبين

لكن الأمر ليس بهذه الصورة على الإطلاق، فالتحوّل في السلوك والتغيير السريع الذي لا يستغرق أحيانا سوى نصف مشاهد الفيلم، يعد ضربا من الخيال، فوقوعنا في الحب لا يحملنا بالضرورة على تقدير الآخرين ومحاولة العيش بسلام مع محيطنا، كما أننا لا يمكننا تغيير طبائعنا السيئة بمجرد شعورنا بالسوء والخجل، أو لأن جنية طيبة قدمت من خيال كاتبها لتطلب منا ببساطة أن نكون أناسا طيبين.

في الواقع يمكننا فقط النظر إلى ما يفعله سلوكنا السيء بعد أن نكون قطعنا شوطا كبيرا من النضج العاطفي. وباستثناء القديسين وأبطال الروايات، فإن التغيير لا يكون بغمضة عين، فهو تبدل تدريجي في السلوك والمفاهيم، ربما يأخذ وقتا طويلا وربما يتجاوز دورة حياة كاملة!

يؤكد الدكتور ستيفن ستوسني؛ مؤسس مركز “كومباشن بور”، أو قوة العاطفة، في العاصمة الأميركية واشنطن، وهو طبيب نفسي أميركي ومستشار في العلاقات الأسرية، يؤكد على أن سلوك الإنسان وعاداته عبارة عن سلسلة من الاستجابات الشرطية المتكررة للبيئة والتجارب الشخصية.

فنحن نشعر ونفكر ونتصرف مرارا وتكرارا على وفق السياقات الاجتماعية والبيئية ذاتها من دون تغيير يذكر، إذا كانت هذه الظروف على حالها غير خاضعة للتغيير، بل إن عاداتنا واستجاباتنا تتم معالجتها وتخزينها بشكل ما في الدماغ الذي يحتفظ بها كمرشحات يمكن استخدامها أو استدعاؤها بعد ذلك لإطلاق أحكامنا ورسم حدود وأشكال معينة لسلوكنا، فيعمل لاوعينا على تقرير اتجاهات هذا السلوك بمجرد أن تكون عاداتنا راسخة، حتى إذا ابتعدنا عنها بمسافة زمنية طويلة، يمكن لأدمغتنا أن تستدعيها ببساطة إذا ما وقعنا تحت تأثير الظروف ذاتها خاصة مع ارتباطها في سلسلة متوالية من الضغوط النفسية.

ويرى ستوسني أن الطريقة الأكثر فاعلية لتغيير حياتنا، هي تطوير مهارات وعادات جديدة وصقل القديمة منها؛ بتشذيبها لتصبح أكثر فائدة وفاعلية، وقد يكون هذا في ممارسة الرياضة، أنواع الفنون، الدراسة وتحويل بعض الهوايات والمهارات إلى أعمال تدرّ بالفائدة على صاحبها والآخرين في ذات الوقت. ويمثل التعلم في بعض الأحيان رفضا لكل ما هو مألوف وراكد في حياتنا، وهكذا هي بقية العادات والهوايات الجديدة فهي تفتح أمامنا آفاقا جديدة.

باستثناء القديسين وأبطال الروايات، فإن التغيير لا يكون بغمضة عين، فهو تبدل تدريجي في السلوك والمفاهيم، ربما يأخذ وقتا طويلا وربما يتجاوز دورة حياة كاملة

فبدلا من انتظار التغيير المفاجئ -المعجزة بين ليلة وضحاها- يتوجب علينا أن نعمل على تعديل الأمور الصغيرة التي نقوم بها ومحاولة التغيير تدريجيا فالجنيات والأمنيات لا تجعلنا أشخاصا آخرين نحب ونبذل العطاء، ونحن لسنا كذلك، لكن ممارسة يومية لسلوك من شأنه أن يدعم قيمنا بصورة أعمق يمكن أن تفعل هذا مع الصبر والمران.

من جانبه، يرى الدكتور كريستيان كيسرز؛ رئيس الأبحاث في المعهد الهولندي لعلوم الأعصاب، أن البشر دائما يرون أنفسهم مخلوقات مميزة ومع بزوغ أجواء الأعياد وما يرافقها من دعوات للحب والتسامح، فإن البعض يرى أن الوقوع تحت تأثير هذه المشاعر يمكن أن يجعل منهم أناسا نبلاء، الأمر الذي يجعلهم أرفع من الآخرين، من أنانية الحيوانات مثلا.

هذه الفكرة موثقة أيضا في جميع الاصطلاحات التي تهتم بتعرف كلمة إنسانية، كناية عن الإنسان وهي الآن تصنف بكونها اصطلاحا يرتبط بالرحمة في الاعتقاد والسلوك، في حين أن كلمة حيوان تعبّر عن الوحشية والقسوة. إلا أن الأبحاث الحديثة تؤكد على أن الحيوانات، ومن خلال التجارب التي أجريت على الفئران، تشارك الإنسان في بعض صفاته الإنسانية وقد تظهر الشفقة للآخرين إذا ما كانوا في مواقف بائسة ولتمد لهم (يد) المساعدة.

عموما، فإن التعاطف مع الآخرين ومشاركتهم مشاعرهم، فإنهما يمنحاننا القوة حتى لو كان ذلك مجرد بكاء على أحداث فيلم حزين أو الحماس لانتصار أبطال يقاتلون عدوا شرسا أمامنا على شاشة التلفزيون. ولكن ما هو المغزى من تعاطفنا مع أحداث وأناس افتراضيين غير حقيقيين؟

الحقيقة، إن علماء النفس يشيرون دائما إلى أن هذا السلوك المجرد يمكنه أن يحفزنا للتعاطف مع الآخرين ومحاولة تقديم المساعدة لهم في عالم الواقع؛ فمشاهدة أشخاص يتعرضون للعنف في الشارع، في المدرسة، في المنزل أو مكان العمل، يجعلنا نشعر بالسوء والألم أيضا، وبدوره، يحفز الألم مشاعر التعاطف التي تدفعنا إلى محاولة تقديم المساعدة بأي شكل كانت حتى إذا كانت مجرد ابتسامة، نظرة تفهم أو تربيت على كتف.

بعض الناس يحاولون تقديم المساعدة لمن هم في حاجة إليها لتخفيف إحساسهم الشخصي بالضيق، فيما قد يضطر البعض الآخر إلى فعل المساعدة بسبب اعتبارات أخرى اجتماعية ربما. ويرى كيسرز أننا إذا ما رغبنا في الاحتفال بالأعياد وتقديم الهدايا للآخرين، فإن أفضل ما يمكن تقديمه هو مشاعر التعاطف.

21