على ورق الكراس

الاثنين 2015/06/01

داعبت عيناي النصف ناعسة والنصف يقظة انعكاسات ضوء قوي منبعث من قطعة مرآة صغيرة، أغمضت عيني بردة الفعل السريعة التي لا أملكها. ولكنها داعبت ذاكرة تعود لأكثر من عقدين من الزمن الجميل، نظرت بابتسامة الحنين والفضول لمصدر الضوء فإذا بابن الجيران يوقظ حبيبته في الشرفة المقابلة بهذه الطريقة العفوية التي ما زالت عالقة بأذهان أجيال هي في سن والده ووالدته، فكيف تعلم ما كنا نلهو به في زمن كان الهاتف ذو القرص هو نجم التواصل.

رغم كل الوسائل التكنولوجية الحديثة والهواتف النقالة التي تخترق عوالمنا وخصوصياتنا إلا أن هذا الثنائي المراهق ما زال مصرا على خصوصية اللحظة والبعد عن التلصص الأسري بدافع الحفاظ على الأبناء، وللحق فيه الكثير من الأمان.

هذا الصبي النابت شاربه على مهل، والصبية ذات النهد الناهد الغير مكتمل الاستدارة بعد، أيقظتهما المشاعر الجميلة التي أسموها حبا.

ولكن الأب والأم لم يعجبهما هذا الوضع، وهو في عرفهما “قلة أدب”، سارع الأب بالعقاب البدني والضرب المبرح الذي زاد الفتاة إصرارا على المقاومة والتمسك ببراءة مشاعرها، وبالطبع مارست الأم كل الضغوط المتاحة والممكنة، علاوة على استعارة أساليب وطرق عقابية جديدة من بعض الأصدقاء أصحاب الخبرة في معاقبة الصغار ووأد شرارات الحب الأول.

الحب الأول قد يكون في بعض الأحيان أكذوبة كبيرة ووهما تبدده الحياة الواقعية وتقتله التقاليد، وقد تنتصر تلك المشاعر الهادئة لنفسها وتتخطى جسر الزمن إلى أن تصبح حقيقة بخاتم باهظ الثمن وتوقيع مأذون بعمامة بيضاء أو قداس كنسي يعلن قيام حياة جديدة وأحد الأسرار السبعة.

الحب الأول قد يكون ذلك الساحر الذي يخطفنا بعيدا ويدخلنا عالما ملونا بألوان الطيف بعيدا عن المصالح والأيديولوجيات العقيمة وحسابات عالم الأرقام الجاف بلا قلب، في الحب الأول حين تداعب قلوبنا أحاسيس جديدة لا نعي معها معنى الحياة والمسؤولية وثمن الشقة التمليك والسيارة الفاخرة، وكم يملك العريس، لا نعطي الأولوية إلا للحب لا نغلب شيئا غير مشاعرنا، نراهن على قلوبنا فقط.

على ورق الكراس نرسم أحلامنا البريئة وقلبا اخترقه سهم كيوبيد، نكتب عبارات الحب والإعجاب لا نهدف لشيء ولا نملك خططا مستقبلية تؤمن العلاقة المرفوضة قبلا.

أجمل حكايات الغرام بدأها صبية وبنات في فصول الدراسة وساحات النوادي، لم تكن تلونهم المصالح والمتطلبات، جدائل متطايرة في هواء الصيف وارتعاشة برد في الشتاء القارس.

قد يكون الحب الأول هو أول معارك الحياة التي تعلمنا الصمود في مواجهة الآخر والحرب من أجل الغايات النبيلة وقد يهوي بنا إلى مزالق لا فرار منها، ولكنه يظل دائما معلمنا الأول الذي تحسس الجزء النابض فينا وأدركنا معه يقينا أننا نملك “قلبا”.

من منا كآباء وأمهات لا يريد أن يكون أبناؤه سعداء؟ أعتقد أننا جميعا نسعى إلى ذلك، ولكننا بمجرد أن نرى تلك الابتسامة الواضحة على شفاه أبنائنا نقيدها بكل القيود الممكنة بحجة أن الحب في هذا العمر الصغير “قلة أدب” وتجاوز غير مقبول، وكلام عيال بحجة أننا نرى ما لا يراه الصغار، متناسين أن للصغار قلوبا غضة لا تعرف لغة الأرقام وحسابات البنكنوت، وربما يكون حبهم الأول هذا المتهم منا دائما هو أصدق المعاني.

21