على وشك الرحيل

السبت 2015/10/17

للحروب أكثر من فضيلة؛ فهي تمنحك الفرصة للتنقل بين مدن العالم وإلقاء نظرات الحسد على شوارع آمنة وبيوت دافئة ووجوه راضية لمارة، ليس لديهم تفسير عن سبب وجودك الطارئ إلى جانبهم أو مغزى نظراتك الشاردة وأقدامك التي لا تحسن السير في شوارعهم الأنيقة. الحروب، تعيد ترتيب الأولويات في حياتك الأسرية والعملية، فتكوين أسرة يصبح موضوعا مؤجلا قدر المستطاع، تحسبا لمتطلبات العيش غير الكريم وضرورات الهجرة المحتملة وتأثير تقلبات البحار على قوارب النجاة.

تعلمك الحروب بأن تغير عناوينك وسير أعمالك وروتين حياتك اليومية، كلما تسنى لثعبان منسي في صحراء أن يغيّر جلده، وأن تنام الليل فلا تغمض سوى عين واحدة تحرس بها عينك النائمة كي لا يطاردها الموت في حلم عنيف تركته في الوطن دون أن تكمله. تعلمك الحروب بألا يكون لك تاريخ حتى في مقتنيات منزلك؛ فالمهاجر يكتفي بأبسط وأقل قطع الأثاث، ممنوع من الاحتفاظ بالكنوز الثمينة حتى إذا كانت صورة مؤطرة لأم راحلة وهي تقرضك ابتسامتها الأخيرة.

لا أعرف عدد المرات التي غيّرت فيها منزلي في السنوات الأخيرة، لكن المؤسف أنني في كل مرة كنت اضطر للتخلص من بعض قطع الأثاث الصغيرة أو (الممتلكات) العزيزة إلى قلبي، بسبب ضيق مساحة المنزل الجديد أو بعد المسافة بين منفيين إجباريين، لا تسمح معها إلا (لنقل) أفراد الأسرة مع بعض الحقائب والكثير من الخيبات.

أجمل ممتلكات ربّات البيوت أواني المطبخ وأطقم الشاي والقهوة وغيرها من الجواهر التي تزيّن في الغالب رفوف (البوفيه) في غرفة الجلوس، لكن السيدات العربيات تنقصهن الجرأة في الغالب لنفض الغبار عن هذه الأطقم واستغلالها في الاستخدامات اليومية في وجبات الطعام أو جلسات شاي العصرية، وبدلا عن ذلك، يتم التحفّظ عليها في إحدى زوايا المنزل مثل آلهة غريبة، تسمع الدعاء ولا تستجيب له.

كنا صغارا وكنا نشعر بالغيظ حين تمنعنا أمهاتنا من لمس الجواهر، فتقول بأنها مخصصة للضيوف وكنت أكره الضيوف الذين لم يحسنوا التصرف فتركوا الأقداح والفناجين تحت رحمة إهمالهم. بقيت الجواهر على حالها سنوات طويلة، حتى باغتتها قذيفة مدفع حاقد ذات ظهيرة من شهر أغسطس في حرب بعيدة، لا أحب أن أتذكرها الآن بعد أن اختلطت الحروب في ذاكرتي المشوشة، وارتدى أعدائي ملامح جديدة وذهبوا ليسرقوا ذاكرة أخرى.

لكني في زيارة خاطفة لمعرض (بازار) عراقي في لندن، وقعت في حب طقم شاي من النظرة الأولى؛ كانت جنبات الأكواب الستة والإبريق الكبير مزيّنة بخطوط مذهّبة مع رسوم وكتابات نقشت بالسيراميك بتدرجات ألوانها الخضراء والزرقاء الجميلة، أو هكذا خيّل لي. حصلت على كنزي الثمين وأسرعت به إلى المنزل، مثل طفل يتيم حصل من دون سابق إنذار على قطعة شوكولاطة واضطر لأن يأكلها على معدة فارغة!

من خلف حاجز زجاجي، نظرت إلى رفوف (البوفيه) في غرفة المعيشة التي احتفظت فيها ببعض المجسمات الصغيرة وتذكارات زجاجية من رحلات سابقة، وكانت هناك مساحة شاغرة لا بأس بها تكفي لاحتواء الطقم الجديد، لكني تذكرت فجأة بأني لا أحتفظ بعلاقات صداقة كثيرة بسبب تبدّل المزاج، كما لا يمكنني أن أترك الأكواب الستة الرقيقة مهملة في هذا المكان البارد، تحاصرني كل صباح بنظرات عتاب دون أن ألقي عليها التحية.

في الصباح الأول من عطلة نهاية الأسبوع، استقرت الأكواب الجديدة بدلال على مائدة الفطور وبعد أن وضعت الشاي الساخن في الإبريق المذهّب، تنبّهت إلى أن محتوى الكلمات المنقوشة على صفحته كانت لأغنية عراقية قديمة تقول “خدري الجاي خدري.. عيوني إلمن أخدره”! ماذا تعني هذه الكلمات الغريبة؟ سألتني ابنتي، فأجبتها بابتسامة “لا عليك، اشربي الشاي، عيوني”.

21