على وقع المجزرة

السبت 2015/08/22

على وقع مجزرة دوما التي أزهقت أرواح ما لا يقل عن مئة وعشرين شخص، معظمهم من المدنيين، في مدينة دوما في ريف دمشق، استعاد السوريون ذكرى مجزرة الكيميائي التي حدثت قبل عامين وراح ضحيتها أكثر من ألف وأربعمئة ثلثهم تقريبا من الأطفال والنساء.

وإن كانت المجزرة الأولى قد خضعت لاعتبارات سياسية وضغوط دبلوماسية أسفرت، في نهايتها، عن قبول نظام دمشق بتسليم أسلحته الكيميائية رغم إنكاره أن يكون متورطا في تلك الجريمة، وتخللها تكشير الولايات المتحدة الأميركية عن أنيابها تمثيليا، وإرسال حاملات طائراتها لتجوب البحر الأبيض المتوسط استعراضيا، ثم تراجعها بعد ذلك إلى ما قبل خطوط باراك أوباما الحمراء، فإن ما حدث في دوما خلال الأسبوع الماضي وعلى مرأى من العالم لا يمكن الاشتباه في وجود جناة أو متهمين غير النظام السوري. فقد شنت طائراته غارات منظمة، فلم تتعرض المنطقة المحاصرة منذ قرابة عامين لقصف صاروخي لا يعرف مصدره، وإنما حامت الطائرات في أجوائها ورصدت سوقا شعبيا مزدحما لتفرغ فوقه حمولتها.

وإن كانت الإدانات قد توالت من قبل أكثر من عاصمة أوروبية ومن قبل الإدارة الأميركية بطبيعة الحال، إلا أن ذلك لا يعدو عن كونه بروتوكولا معمولا به، ولا يمكن أن يتطور إلى أكثر من ذلك، وقد خبر السوريون على مدى السنوات الأربع الماضية هذه النوعية من ردود الفعل وما عادوا يأملون في أكثر منها، لكن المستغرب حقا هو توقيت هذه المجزرة في الوقت الذي يتم الحديث فيه عن حلول سياسية متوقعة، وعن تطورات قد تفضي حقا إلى انفراج وتعجيل في الحل، وخاصة أيضا أن موسكو والتي أعلنت عن نيتها الجادة في إدارة الدفة حتى وصول الأمور إلى بر الأمان قد سلمت الأسد، وبالتزامن مع حدوث مجزرة دوما، ست طائرات حربية متطورة من طراز ميغ 31، وهي تعلم كليا أن الاستخدام الوحيد لهذه الطائرات هو في قصف المدن والمناطق السورية، وأن نيرانها لن تمتد لتطال تنظيم داعش الذي تعتبره موسكو خطرا عالميا محدقا، ولا يمكن التهاون معه أو السكوت على بقائه وتمدده.

وفقا لذلك وما دامت الإدارة الروسية هي التي تتولى المفاوضات مع الأطراف الأخرى بالنيابة عن النظام السوري، فإنها تجد حرجا كاملا من عدم وجود أي أوراق في يد النظام لتفاوض عليها سوى رأس النظام، وتبدو المجزرة الأخيرة التي ارتكبتها قوات النظام في دوما ورقة إثبات يمكن إشهارها عند الحاجة للقول إن بشار الأسد ما زالت لديه القدرة على الوصول إلى حيث تشاء طائراته، علما أن دوما لا تبعد عن وسط العاصمة دمشق سوى كيلومترات قليلة، بينمـا تبعد مدينة الرقة التي تعتبر درة التـاج في الجانب السوري لدولة داعش مئات الكيلومترات والتي لا يبدو أن الطائرات الروسية الحديثة قادرة على بلوغها أو تحقيق إصابات نوعية في مقراتها.

وعلى ضـوء الهزيمة المتواصلة في مدينة الزبداني، الضفة الأخرى من ريف دمشق، والتي زج النظام وميليشيا حزب الله اللبناني بكل طاقاتهما البشرية والإعلامية في سبيل السيطرة عليها، واعتبروها المعركة الفيصل التي ستحدد مستقبل محور الممانعة والمقاومة، هكذا حرفيا، فإن الاستقواء على دوما المتمردة، وإطلاق تسمية إرهابيي داعش والنصرة على سكانها المدنيين الذين لا يجدون ما يأكلونه هو إنجاز قد لا تجد موسكو حرجا في استخدامه عند الحاجة رغم معرفتها المسبقة بأن ما يقوله النظام عن صراعه مع المجموعات الإرهابية المسلحة هو مجرد أكاذيب كانت إدارة فلاديمير بوتين قد مارستها كثيرا خلال سنوات صراعها مع الشيشان، وهي لم تستبعد استخدامها لتسويغ تدخلها المباشر والأحمق في أوكرانيا، ومحاولاتها ضم الجمهورية المتمردة على وصايتها.

وما دام الموضوع كله رهنا بأمد مفاوضات سياسية قد تطول وقد تقصر، وما دام الملف السوري لم يرق، وفقا لصانعي السياسة العالمية، ليوضع عليه صفة العاجل، فإن سكان المناطق الخارجة على سيطرة نظام دمشق معرضون، بين الحين والآخر، لغارات جوية لا يكترث طياروها بنوعية الأشخاص الذين سيقعون ضحيتها ولا بأعدادهم وأعمارهم.

كاتب سوري

8