علينا يا عباس!

الثلاثاء 2016/10/11

كانت نكتة متداولة بين الطلاب العرب في الجامعات الأميركية، في بداية التسعينات، وكمعظم النكت، كانت تؤدي أكثر من غرض، تضحكك وتمدك بالحكمة وأيضا تعطيك خارطة طريق كيف تتصرف كطالب أجنبي داخل المجتمع الأميركي.

تقول النكتة: إن أحد الطلبة العرب الجدد، من النوع الذي يعتقد أنه فهلوي وشاطر أكثر من غيره، أراد قيادة السيارة من دون حيازته على الرخصة، وبدأ يقوم بذلك طامعا بطيبة قلوب أفراد الشرطة الأميركية وتساهلهم، في أغلب الأحيان، مع الضيوف الأجانب وخصوصا الطلاب منهم.

في أحد الأيام أوقفت شرطة السير الشاب العربي المتهور، أثناء قيادته السيارة من دون رخصة. نزل الشرطي من سيارته وذهب إلى جهة السائق المرتبك، وطلب منه أن يبرز له رخصة القيادة والأوراق الثبوتية الأخرى، فما كان من الشاب الفهلوي أن مدّ يده لجيب سترته وأخرج شهادة ميلاد له، مكتوبة بالعربية وقدمها للشرطي الأميركي قائلا: تفضل، هذه رخصة قيادة دولية استخرجتها من بلدي، ولكن للأسف مكتوبة باللغة العربية. أخذ الشرطي الورقة من الشاب وتأملها قليلا، ثم خاطب الشاب باللغة العربية قائلا “علينا يا عباس!”.

من سوء حظ الطالب الفهلوي عباس أن الشرطي الأميركي من أصول عربية ويتقن قراءة اللغة جيدا. انتشرت هذه النكتة بين الطلاب العرب وأصبحت عبارة “علينا يا عباس!” مثل كلمة السر التي نقولها لبعض عندما نواجه بادّعاء أحدهم، يفترض جهلنا أو عدم معرفتنا بأمر ما.

أصبحت “علينا يا عباس!” جملتي المفضلة أقولها حتى داخل نفسي، عندما أضطرّ لسماع ادعاءات مفرطة في التضليل، أرددها عند مشاهدتي نشرة الأخبار أو عندما أستمع لأحد السياسيين أو المحللين السياسيين، الغارقين في وهم أنه أذكى وأكثر نباهة من المشاهدين. فيذهب بعيدا في ترويج أكاذيب صدقها هو ويريد من الجمهور تصديقها أيضا.

وفي عصر إعلام شبكات التواصل الاجتماعي، وانتشار ظاهرة المواطن الصحافي، والمنافسة الدائمة المحتدمة من أجل الحصول على الإعجابات والمتابعين، يجد البعض صعوبة في المنافسة وفي نشر قصة جديدة لم تنشر من قبل. فيلجأ، أو تلجأ، إلى نشر أخبار وطرائف ونصوص غريبة أو غرائبية عزف عنها الآخرون، طمعا في تحقيق “سبق صحافي” بين أقرانه.

ولا يقتصر الأمر على الناس العاديين بل كثيرا ما تنجر المواقع الإخبارية العالمية، والتي من المفترض أن تكون جدية ومهنية، لاتباع الأسلوب نفسه، مفترضة أن الجمهور لا يعرف عن القصة، ولم يفهمها بعد.

في الأسبوع الماضي نشرت العشرات من المقالات في العشرات من المواقع، كلها تعالج القصة نفسها، قصة نهم السوق الصينية لاستهلاك الحمير واستعمال جلودها في البعض من وصفات الطب الصيني، عنوان وراء عنوان صحافي منمق كل واحد يعدك أنه سوف يكشف لك “سر اختفاء الحمير بسبب الصين” أو لماذا “تريد الصين شراء كل حمير العالم”، ومع كل منشور كنت أجد نفسي قائلا بتعجب “علينا يا عباس!”.

24