علي آل عواض عسيري رجل المصالحات الكبرى في زمن تعدد الطوائف

الأحد 2014/08/31
رجل المهام الصعبة

ليس مهما للمسؤول أن يكون تحت دائرة الضوء الإعلامي ليحظى بالحضور، وليس مهما أن يكون قلمه مفتوحا للكتابة عن كل شاردة في شؤون بلده، وليس مهما أن تكون الأقوال والصور كفيلة بصناعة كاريزما شخصية.


العسكري والعقل


هو صانع حضور مختلف، وإن كان عسكريا يستسيغ الأوامر، لا المبادرات، لكن الشخصية تصنع نفسها بحكم عقل راجح، وهدف أسمى، من الوطن للوطن، لذلك ينجح هو ومن يسود فكره ذلك الهدف والطموح أن تكون الأرض عامرة بالسلام، وإن تعددت الطوائف، لأن الحكمة من الواقع لا الخيال.

هو رجل أمن فوق العادة، جاء من رحم الداخلية، إلى أفق الخارجية، ليكون سفيرها الأول بين قائمة السفراء السعوديين، فحين يهبط إلى منصب، يجعل حركته الإيجابية أقوى من أيّ كلمات ويظهر بأفعاله في كل الأزمات، تضعه الإرادة الملكية السعودية غالبا في مواقف الصعاب، ويخرج منها بأعلى الأوسمة، والثناء الكبير.

كثيرون يرون أن منصب “السفير” هو منصب مكافأة من الدولة نظير خدمات سابقة أداها الفرد، فهو منصب الخلود للراحة، خاصة في دول الشرق الهادئة وأوروبا الفاتنة، لكن أن تكون سفيرا في بلاد الأزمات وتعددية القرار وبلاد تمسي خوفا من غدها، فهذا منصب يتجاوز محيط الدبلوماسية.


سفير أمني


علي آل عواض عسيري، لامس نجمه منذ الصغر نجوم الكبار، كقمم مدينته “أبها” التي تجاور السماء، من هناك شكل له مصعدا للوصول إلى كل شيء، وتعلم في كلية الملك فهد الأمنية كيف يصنع أمنا دبلوماسيا داخل بلاده وخارجها، فجعل تلك النجمة تتوسد كتفيه، لينطلق ملازما أول في وزارة الخارجية، وفي عالم جديد لم يسع أصحاب الرتب العليا إلا أن يقولوا لفتى العشرين خطّط ونفّذ.

تاريخ علي آل عواض عسيري ليس عميقا في مجال الدبلوماسية السعودية؛ لكنه رجل أمن بـ”رداء” دبلوماسي، إذ أنه عمل على تأسيس وتطوير إدارة الأمن الدبلوماسي وقوات أمن البعثات الدبلوماسية بوزارة الخارجية، وتدرج على العمل في القطاع الأمني التابع لوزارة الداخلية السعودية قطعا، وإضافة على ذلك ذهب لأن يكون ضابط الاتصال بين الوزارتين السياديتين في بلاده.


مجاورة الموت


يحمل الماجستير في العلاقات الدولية، ويتقن أربع لغات علاوة على لغة الدبلوماسية الحقيقية، نزع بذلته العسكرية واتجه للسفارة، حيث عمره القصير بها الذي مكّنه من أن يكون سفير بلاده في أقسى مراحلها قبل أشهر قليلة من أحداث 11 أيلول/سبتمبر في باكستان المجاورة للموت حينها، حيث أفغانستان الموجوعة حتى اليوم من زعيم تنظيم القاعدة المقبور والمتبني لـ”غزوة منهاتن” أسامة بن لادن.

ومنحت له وزارة الخارجية أن يصنع إدارة الأمن الدبلوماسي، وقطع أشواطا في تلك المهمة ليكون الأول في المجال الأمني الدبلوماسي، مكافحا للإرهاب ومستشرفا لما سيؤول إليه الوضع في محيط الأزمات والكوارث، وصاغها الرجل الستيني اليوم عملا ومنهجا.

يحمل الماجستير في العلاقات الدولية، ويتقن أربع لغات علاوة على لغة الدبلوماسية الحقيقية، نزع بذلته العسكرية واتجه للسفارة قبل أشهر قليلة من أحداث أيلول ـ سبتمبر من العام 2001


بعد غزوة مانهاتن


المرحلة الحاسمة وذات الأوزان الثقيلة والتبعات الجسيمة على السعودية؛ كانت بعد أحداث سبتمبر 2001، حيث عمل السفير علي آل عواض على محاولة تحسين صورة بلاده القاتمة بعد تورط 19 شخصا في الحدث الذي هز العالم بلا منازع، وتغيرت معه سياسات أميركا في التعامل مع الدول العربية والسعودية خاصة وكذلك باكستان، لعدم تجاوبها وفق الرؤية الأميركية على محاربة الإرهاب، ومعه تحركت القوى العسكرية الأميركية لضرب أفغانستان ومحاولة النيل من مطلوبها الأول أسامة بن لادن.

التعامل الأمني تحت غطاء الدبلوماسية مكن عسيري من تبوّؤ مكانة عالية في وضعيته وتمركزه ليكون هو “رأس الحربة” في الاختيارات الدبلوماسية المعقدة، التي تمليها عليها الظروف، فكان هرما ثالثا في تلك الأزمة بعد وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، وسفير الرياض لدى واشنطن آنذاك الأمير بندر بن سلطان.

عمل في باكستان على جمع القوى الوطنية المتوازية حول طاولته، وساعدته خبرته القبلية، على فهم مكونات الصيغة المجتمعية الباكستانية، فحقق بعضا من آمال الشعب، أن يكون للوطن الوجود الأسمى، وأثبت أن منصب السفير يتجاوز حدود المكتب، ليكون خيرا على الأرض.

كان في باكستان، في منصب سفيرين لا سفير واحد، كان سفيرا لبلاده في إسلام آباد، وكان سفير إسلام آباد في الرياض، فحقق النفوذ داخل المجتمع الباكستاني بكافة أطيافه، فأصبح شغل الصحافة الباكستانية دوما، وتعزز حضوره الأقوى في العام 2005 بعد كارثتين طبيعيتين حلتا بباكستان، فكان سندا لهم ومطببا لجراحهم ميدانيا برفقة مساعدات سعودية كبرى.

حين غادر باكستان في العام 2009 إلى مهمة وطنية أخرى، حشد له أصحاب السلطة كل التكريم، وجمع له رجال المال كل العطايا، وقدم له رجال القبائل كل الكرم، لكنه رفض الأخيرتين، وقبل بوسام “هلال باكستان” الأعلى.

بعد تسعة أعوام قضاها علي عسيري سفيرا لبلاده لدى باكستان، غادر إلى وطن المنازعات الأكبر وساحات حروب الدكاكين الطائفية غادر إلى لبنان في زمن الخوف الدبلوماسي والمهمات الانتحارية


في لبنان يحمل شعرة معاوية


بعد تسعة أعوام قضاها علي عسيري سفيرا لبلاده لدى باكستان، غادر إلى وطن المنازعات الأكبر وساحات حروب الدكاكين الطائفية، غادر إلى لبنان، ليس للسياحة الدبلوماسية، بل إلى زمن الخوف الدبلوماسي، والمهمات الانتحارية، إلى ساحة لم يعد يُعرف فيها الصادق والكاذب، ساحة تشرف على الأبيض المتوسط، وخلفها ركام الرماد، الذي يشتعل استثناء كل يوم.

حل في بيروت، والإدارة اللبنانية تعلم من هو جيدا، فكان رغم وقع الأزمات المتلاحقة، التي زادت بعد الثورات العربية، رجل المهمة الصامد، والهدف الأول للاغتيالات من قبل بعض منظمات إرهابية تجاور لبنان، وتعيش داخلها، وكان يحاول جمع الأطراف اللبنانية إلى موقف من أجل الوطن، وهي رؤية سعودية تهدف أن يكون لبنان بلد سلام ومعيشة.

زاد من نفوذ السفير الأمني السعودي، هو اعتلاء قوى الرابع عشر من آذار حكومة برئاسة زعيم تيار المستقبل سعد الحريري قبل اشتعال الثورات، وجعل السعوديين يشعرون بالأمان على لبنان من خلال حكومة وسفير تراه الرياض صاحب التلوّن في علاقاته بين النخب اللبنانية، وهو الدور المثالي للسفراء لتعزيز حضور بلدانهم في الدول الأخرى. ورغم مرور ما يزيد على العام منذ تشكيل حكومة لبنانية بتفصيل “حزب الله” الموالي لإيران، خفت ظهور السفير السعودي هناك وليس له إلا أن يقوم بمحاولة تعزيز وتقريب وجهة النظر السعودية بين سمير جعجع ووليد جنبلاط، خاصة وأن الملك عبدالله أمر أواخر العام 2010 برفع اليد عن لبنان بعد رهان خاسر على ورقة تُوصف لدى المحللين بالهشة يحملها زعيم تيار المستقبل سعد الحريري.

تحمّل السفير عسيري في لبنان، كل تشتت مكاني، حيث كان يتنقل من منزل إلى آخر خوفا على سلامته، وحاول بشعرتين ناريتين أن يشد واحدة ويرخي أخرى، الشد على من كان يرى أن السعودية عدو للبنان، وكان يمثل ذلك رئيس تكتل التغيير والإصلاح ميشيل عون، المقرب الأول من إيران ويدها في لبنان “حزب الله”، بعد انتقاده لدول خليجية ما اعتبره “تدخلا في البحرين” وهو ما يعد إساءة للسعودية إضافة للإمارات ومملكة البحرين.

حل سفيرا في بيروت فكان رغم وقع الأزمات المتلاحقة، التي زادت بعد الثورات العربية، رجل المهمة الصامد، والهدف الأول للاغتيالات من قبل بعض منظمات إرهابية تجاور لبنان، وتعيش داخلها

وميشيل عون هو من اتهم السعودية أنها أوقفت استقبال اللبنانيين، وإنما هذا الأمر لن يحتمله شعب بأكمله جراء تصريحات “معتادة” من ميشيل عون المعروف “بتذبذباته وتخليه عن الموقف العام داخل لبنان”، وفق المصادر السعودية داخل لبنان التي يقودها السفير عسيري.

يردد عسيري دوما، أن السعودية لا تعول على الاستقرار داخل لبنان على غير سند يحظى بالتأييد الداخلي اللبناني، للحفاظ على استقرار لبنان؛ من خلال رئيس تيار المستقبل وفريقه في 14 آذار سعد الحريري، وكذلك من الأحزاب المسيحية المعتدلة بقيادة سمير جعجع.

صراعات الداخل اللبناني، يقف دوما عسيري لها بأن الأمن اللبناني هو مطلب إقليمي، فكان بشارة خير عليهم وعلى أجهزة الأمن والجيش اللبناني، الذي تود بلاده أن يكون صاحب الكلمة الأقوى، فمكنتهم من أربعة مليار دولار بما يهيئ لهم القوة والنفوذ.


عسيري والعودة إلى باكستان


كانت التوقعات أن يكون السفير علي آل عواض سفيرا لبلاده لدى اليمن، التي تئن من وقع أزمات تنظيم القاعدة وتصعيد جماعة الحوثي المدعومة من إيران وبعض القوى الإقليمية في الخليج متمثلة في قطر وتركيا، لكن كل ذلك كان مجرد توقعات، وأصبح السفير عسيري قريبا من العودة إلى باكستان سفيرا من جديد.

السفير عسيري، سيحل في باكستان، وبقرب صديقه القديم رئيس الوزراء الباكستاني محمد نواز شريف، وفي خضم بدء العد التنازلي لانسحاب القوات الأميركية من أفغانستان بدءا من نهاية العام الحالي، والإبقاء على بضعة آلاف، بعد عقد طويل من المهام الشاقة هناك.

مهمة عسيري، ستكون بلا شك أمنية، خاصة مع وجود إدارة أفغانية هشة وتهديد من قبل طالبان الشرق، التي تهدد وتتوعد باكستان دوما، وتصمت قبل الانفجار، وسيعزز وجوده تأكيد السعودية على أن العمق الاستراتيجي للبلدين بحاجة ضابط اتصال من مدرسة علي آل عواض.

7