علي أبو الريش إماراتي يبحر بعيدا في فضاء الكتابة

الأحد 2016/10/23
الروائي تحت سحر اللاشعور

أبوظبي - “العقل الجبار في خدمة اللاشعور أو الماكر” تلك هي الخلفيَّة التي يؤسس عليها الأديب الإماراتي علي أبو الريش، كتاباته، منذ أن بدأ نشر قصصه في العام 1979 وإلى غاية اليوم في رحلة لم تنقطع. وظفت تارة المحلي، القروي، الصحراوي، والبحري ـ المائي، وتارة أخرى في تقديم صيغ إنسانية، يتفاعل معها القارئ، خاصة إذا تميز بالصبر. ذلك أن أبو الريش يغرقه في تفاصيل الأحداث، ويجعل اللغة مهيمنة عليه، فيستسلم لمفرداتها ومعانيها، وقد يتحول الاستسلام إلى عشق.

تعود علاقتي بعلي أبو الريش إلى نهاية صيف العام 2000، وذلك حين التحقت بجريدة الاتحاد باحثا، وكان وقتها مديرا للتحرير، وظلت تلك العلاقة ممتدة حتى بعد أن تركت الجريدة وانتقلت إلى تلفزيون أبوظبي، وأيضا بعد أن ترك هو منصب مدير التحرير في 2008، وأصبح مديراً لمشروع “قلم” وعضواً في هيئة الثقافة والتراث. ولذلك أعتبر نفسي من بين شهود كثر، مسؤولين عن التحرير وصحافيين، على توظيفه لعنصر الزمن ـ اقتطاعا وتحكما واستثمارا ـ في حركة الصحافة اليومية القاتلة، مع أنه كان أول من يدخل الجريدة وآخر من يخرج منها، مما يعني ولادة عدد جديد من الجريدة، وإشراقة يوم جديد.

التضاريس الوجدانية

عمليّا لا يمثل الزمن القضية الأساسية لأبو الريش، ذلك لأنه يراه عنصرا متغيرا، ولهذا أولى اهتماماً خاصاً لما أطلق عليه “التضاريس الوجدانية”، النابعة أساسا من التضاريس الجغرافية. وربما لهذا السبب اعتبر في تصريحه لـ”العرب” أن الساعة التي كان يقتطعها أثناء العمل، وهي للعلم كانت يوميا ما بين الثانية عشرة والواحدة ظهرا، “أهم من ناحية الإبداع من الساعات الطويلة التي يقضيها في تفرغه للكتابة في الوقت الحاضر”، نسأله: أَلَيْس ذلك الزمن الماضي قصيراً وخانقاً؟

يجيب أبو الريش قائلا “جريدة الاتحاد كانت هي كل عالمي، أغدو إليها وأروح كل يوم، وأقضي فيها وقتا أضعاف ما أقْضيه مع أسرتي، والساعة التي أقتطعها من العمل، تأتي دائما بعد اجتماع مجلس التحرير الصباحي، ومن خلال ذلك الاجتماع، وتفاعلي مع الصحافيين، ومطالعتي للصحف اليومية، تنهمر لديّ أحداث الرواية، ما يعني أنكم كنتم جميعا تخلقون عندي حالة من الاستفزاز، تساعدني على الكتابة، فشخوص الروايات والأحداث التي كتبتها هي نابعة من الاستفزاز اليومي، وهو ما أفتقد اليوم. لقد كانت جريدة الاتحاد بيئة مساعدة للإبداع، ولهذا كلما مررت بجانبها في أيّ وقت تتدفق لديّ مشاعر خاصة”.

إعادة النظر في قضايا تاريخية تعتبر من البديهيات والثوابت وهي ليست كذلك، يرى أبو الريش أنها عملية ضرورية الآن، إضافة إلى مراجعة الخطاب الديني والمناهج التعليمية، وهنا لا بد أن نكون شركاء في التأثر بالأفكار والنظريات العالمية

ما ذهب إليه أبو الريش يبدو متناقضاً مع رواياته، فمعظمها يستدعي حضورا لبيئته المحليّة وخاصة قريته “معيريض”، التي تحدث عنها في عدد من رواياته، منها على سبيل المثال “ثنائية مجبل بن شهوان”، “ثنائية الروح والحجر والتمثال”، “زينة الملكة”، “ك- ص ثلاثية الحب والماء والتراب”.

ما يعني أن حالة الاستفزاز لم تجعل من الحاضرين معه في الجريدة أو في مدينة أبوظبي أبطالا أو شخوصا في روايته، لكن أبو الريش يخالفنا الرأي، وعن ذلك يقول لـ”العرب”، “بداية، لو كتبت عن معيريض مئات المؤلفات فلن أَفِيها حقَّها، وأودّ الإفصاح هنا على أمر هام، وهو أن فضاء الحركة والحياة وفهم الوجود الإنساني كان ضمن عالمين فقط، هما معيريض وجريدة الاتحاد، وفي هذه الأخيرة كنت أستفز للكتابة ـ كما ذكرت سابقا ـ وأوظف تلك الحالة في استدعاء معيريض، هنا تتكسر الحواجز ليطغي الوجدان بتضاريسه المختلفة. وما يتبع ذلك من كشف لستار الكبت بكل أنواعه”.

ثقافة عدوانية

الواقع أن أبو الريش لا يكتفي بإظهار المكبوت في نصوصه، انطلاقا من أن اللاشعور عنده هو الأساس فقط، اعتمادا على تخصصه ودراسته. ولكنه وعبر عدد من مؤلفاته الفكرية والفلسفية والنفسية، منها روايته الجديدة “ورطة آدم” التي ستعرض في معرض الشارقة الدولي للكتاب في بداية نوفمبر المقبل، يربط ذلك بالثقافة العربية، التي يراها عدوانية، مطالبا بإعادة صياغتها من جديد، والاعتراف بالمزيف منها، حتى تصبح فاعلة في الحقل العالمي للثقافة، ويتم ذلك عبر إعادة النظر في قضايا تاريخية اعتبرت من البديهيات والثوابت وهي ليست كذلك، وأيضا إعادة النظر في الخطاب الديني، وفي المناهج التعليمية، وهنا لا بد أن نكون شركاء في التأثر بالأفكار والنظريات الفلسفية الكبرى.

اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، وعلى إثر حصول أبو الريش على وسام دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، يصف تجربته بأنها "الأبرز في مجال الرواية"، فهو في نظر الاتحاد "مؤسس ورائد"

في نظر أبو الريش هناك ثلاث نظريات فلسفية كبرى على المستوى العالمي، سبق أن ذكرها في العديد من الندوات والمؤتمرات واللقاءات، وهي فلسفة كوبرنيكوس عندما قال إن الشمس هي مركز الكون وليس الأرض، واستطاع أن يغيّر وجهة نظر الإنسان عن مركز الكون، وبأنه جزء من مكونات وكائنات أخرى.

ونظرية التطور لتشارلز دارون والتي تتلخص في أن الإنسان ليس كما هو بل هو متغير، وهو ما دفع الإنسان إلى أن يبحث عن ماهيته، وتكوينه حتى وصلنا إلى هذه المرحلة التي يسيطر فيها الإنسان على الطبيعة.

أما الثالثة، فنظرية سيغموند فرويد وهي أن مركز التفكير ليس بالشعور بل باللاشعور، وكل التصرفات ناتجة عن العقل الباطن.

أبو الريش لا يطرح النظريات السابقة من منظور الاستعراض المعرفي أو التنظير أو الترف الفكري، وإنما أسَّس عليها جلّ أعماله، خاصة نظرية فرويد. ولذلك يتوقع النقاد أن تلقى أعماله نجاحا باهرا في حال ترجمتها إلى عدد من اللغات العالمية.

الكتابة الصعبة

أما محليا وعربيا فإن أعمال أبو الريش تحظى باهتمام متزايد حتى أن بيانا صدر مؤخرا عن اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، بعد حصوله على وسام دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، وصف تجربة أبو الريش بأنها “الأبرز في مجال الرواية”، فهو في نظره “مؤسس ورائد”، مضيفا “إن أعماله صاحبة أول اختراق حققته الرواية الإماراتية للحاجز المحلي، لتنطلق بعدها في الفضاء العربي، ويصبح لها حضورها جنباً إلى جنب مع كبريات التجارب العربية”.

أعماله صاحبة أول اختراق حققته الرواية الإماراتية لحاجز المحلية

من ناحية أخرى فإن علي أبو الريش، صاحب الـ22 عملا، لا يزال يصبو إلى المزيد من العطاء، ويتمنى أن يكون مثل بعض الكتاب العرب المشهورين، وهنا ينظر إلى المبدع الليبي إبراهيم الكوني باعتباره الأهم إبداعيّا على الساحة العربية، خاصة في الرواية المتعلّقة بالصحراء. وبهذا الخصوص يقول أبو الريش “الكوني أهم روائي عربي الآن، لأنه يأخذنا إلى عوالم أخرى، وبالنسبة إليّ يدخلني فضاء أتمنّى أن أكون فيه”.

على خلاف الكثير من الكتاب، لا يهتم أبو الريش كثيرا بأمرين؛ الانتشار، والجوائز. وعنهما يقول “لا يهمني كثيرا أمر التوزيع أو الانتشار، فتلك من اهتمامات الناشر. وإنما يعنيني بالأساس قراءة كتبي بوعي، فلو تفاعل معها 10 قرَّاء، لكان أفضل من أن يقرأها آلاف الأشخاص، كما أني لست مهتما بالجوائز، ولا أترشح لها. صحيح أنا لا أرفضها، ولكنّني أيضا لا أسعى إليها من خلال تقديم أعمالي، وذلك للعديد من الأسباب منها؛ أنها لا تعبر حقيقة عن الإبداع، وأنها تخضع لشللية قاتلة للعملية الإبداعية، ولأنها، أحيانا، تخضع لاعتبارات وحسابات بعيدة عن الأدب والفكر”.

نصوص أبو الريش الإبداعية تتميز بلغة عالية. وتبدو عصيّة على القارئ العادي، وأحيانا على أهل الاختصاص. يشوّش فيها طول النفس في سرد الأحداث على القارئ لدرجة يتعذّر معها، أحيانا، متابعتها، الأمر الذي يتطلب قراءة النص للعديد من المرات، وهذا يفقده عنصر المتعة.

كما أن الدخول في تفاصيل الأحداث إلى حد يجعلها مملة، ناهيك على أنها تجعل من المؤلف عبدا لها. علاوة على أن القضايا التي يطرحها في أعماله ذات فلسفة عالية، وتستند إلى مدارس علم النفس، ولذلك يتعذر تحويلها إلى أعمال تلفزيونية. ولذلك تسطو لديه الكتابة الأدبية على السياسية في عموده اليومي “مرافئ”، مع أنه يتناول قضايا يومية، خاصة بالشأن العام، ذات طابع سياسي بالأساس.

8