علي أكبر هاشمي رفسنجاني: ملك الفستق.. واجهة الخداع الإيراني

الجمعة 2013/11/29
رفسنجاني.. رجل دين ذو وجهين

تبرز تصريحات رفسنجاني الأخيرة التي عبر فيها عن رغبات في التقارب السعودي الإيراني في مشهد سياسي جد معقد ووسط تجاذبات سياسية كانت للأزمة السورية الدور الكبير في وجهاتها المتعددة.

المحافظ ورجل الدين ذي الوجهين، ثوري وبراغماتي، أو هو صانع الملوك كما يلقبه الإيرانيون، يحاول أن تبقى صورته بارزة من حين لآخر في الساحة الدولية ببعض التصريحات المثيرة للجدل، كتلك الذي اتخذها من النظام السوري أو من الاحتجاجات الداخلية بعد انتخاب خصمه اللدود أحمدي نجاد وبعد إسقاط اسمه من قائمة المرشحين للرئاسة ولم تنفعه وقتها الرسالة التي بعثت بها زهرة مصطفوي، ابنة آية الله الخميني، إلى المرشد الأعلى تحثه فيها على إعادة أكبر هاشمي رفسنجاني إلى السباق الرئاسي.

يرى فيه البعض أنه سعى طيلة صعوده السياسي إلى تجسيد الإسلام المنفتح وتأييد التطور السياسي والاقتصادي والانفتاح على الخارج، وأنه كان من مؤيدي الاقتصاد الحر ولم يتردد في القول إن "جمع الثروة قيمة أخلاقية".

كما يعده البعض الآخر أحد أبرز شخصيات الثورة الإسلامية، طرح نفسه في 2005 رأس حربة في مواجهة المحافظين المتشددين، غير أن سنوات حكمه سجلت انتهاكات لحقوق الإنسان وتضخما هائلا وتزايدا كبيرا في ديون إيران.

ولتلونات هذه الشخصية ومواقفها المتعددة نعود هنا للتعرف عنها بأكثر تفاصيل.

ولد علي أكبر هاشمي رفسنجاني القائد الديني والسياسي، ورئيس جمهورية إيران في الفترة من (1989-1997)، في رفسنجان بمقاطعة كرمان، وتعلم في مدرسة دينية محلية، ثم أكمل تعليمه في معهد قم الديني، وتتلمذ على يد روح الله الخميني.

تخرج في نهاية الخمسينيات برتبة "حجة الإسلام" وهو مستوى أقل من "آية الله" بدرجة واحدة. وسار على خطى أستاذه في معارضة محمد رضا شاه بهلوي، واعتقل رفسنجاني أكثر من مرة لتوليه إدارة القوى المؤيدة للخميني في إيران، وقضى حوالي ثلاث سنوات في السجن (1975-1977) بسبب نشاطه السياسي.

بعد سقوط الشاه وتولي الخميني للحكم عين رفسنجاني في مجلس الثورة، وشارك في تأسيس الحزب الجمهوري الإسلامي مواجها علمانية متصاعدة وقتذاك، وأسس لنفسه قاعدة سياسية في البرلمان الإيراني في الفترة من (1980-1989)، وتولى مهمة رئاسة القوات المسلحة في الفترة من (1988-1989).

بعد وفاة الخميني في 1989 كانت خبرة رفسنجاني السياسية في الداخل والخارج وانتهاجه مبدأ الوسطية وراء فوزه بانتخابات الرئاسة بنسبة 95بالمئة من الأصوات، وعمل على تخليص إيران من مشاكلها الاقتصادية بالانفتاح على العالم والاعتماد على مبادئ السوق الحرة، وفتح الباب أمام الاستثمارات الأجنبية.

أدان كلا من الولايات المتحدة الأميركية والعراق في حرب الخليج عام 1991، وأبقى بلاده بعيدة عن التدخل المباشر في الصراع الدائر في المنطقة. وبعد الحرب استمر في شق طريق وسط وازن فيه بين الضغط الذي تمارسه الأطراف المحافظة ورغبته في الحداثة والانفتاح، وعمل على تجديد علاقاته مع الغرب، وتعاون مع الصين في تطوير برنامج التسلح النووي.

أعيد انتخاب رفسنجاني لفترة رئاسية ثانية عام 1993 وانتهت عام 1997، ولم يتمكن من ترشيح نفسه للمرة الثالثة.

تعززت سلطته عند نشوب الحرب مع العراق (1980-1988) فأجرى اتصالات غير مباشرة مع الأميركيين من أجل الحصول على أسلحة، ما أدى إلى فضيحة "إيران غيت" حين قامت إدارة رونالد ريغان سرا ببيع أسلحة لايران لقاء الإفراج عن رهائن غربيين في لبنان مما جعله يتعرض لموجة واسعة من الانتقادات.

ويعد "رفسنجاني" من الرؤساء الإصلاحيين، تعرض لحملة انتقادات شرسة أثناء الاحتجاجات الإيرانية في عام 2008، حيث أبدى تعاطفه مع الاحتجاجات التي قام بها الشباب الإيراني ضد تزوير الانتخابات الإيرانية.

كما يعتبر شخصية ليبرالية إسلامية وباني اقتصاد إيران ويعتبر من أثرى رجالات إيران ولديه بنوك تجارية ومؤسسات اقتصادية ومحلات وشركات ويلقب بملك الفستق كونه أكبر مصدر للفستق في الشرق الأوسط.


رؤاه ومواقفه


منذ أن أصبح يملك نفوذا واسعا في الداخل الايراني سعى رفسنجاني إلى تحويل إيران من دولة تسيطر على الاقتصاد كما كان حالها في سنوات الحرب إلى دولة ذات نظام مبني على السوق، غير أن هذه السياسة فشلت في تحقيق عدالة اجتماعية.

أما على مستوى مواقفه الخارجية فقد أثار موقفه من النظام السوري الكثير من الجدل حين اتهمه بضرب شعبه بالكيماوي، وهي المرة الأولى التي يتهم فيها مسؤول إيراني رفيع المستوى نظام بشار الأسد الحليف الأول لطهران باستخدام الأسلحة الكيماوية ضد شعبه.

وقد صرح قائلا: "منذ عامين والشعب السوري يتلقى الأضرار والسجون مليئة بالناس، وتم تحويل الملاعب إلى سجون وقُتل ما يزيد على 100 ألف شخص وتشرد الملايين، الأمر الذي يظهر الوضع المأساوي في سوريا، مؤكدا أن الشعب تعرّض إلى هجوم كيماوي من قبل حكومته التي عليها أن تنتظر الهجوم الخارجي.

ويعتبر موضوع الأسلحة الكيميائية أمرا حساسا جدا لدى الإيرانيين الذين تعرضوا لها أثناء حرب العراق وايران في الثمانينيات.

ورغم تصريحاته المتهجمة على النظام السوري إلا أن علي أكبر هاشمي رفسنجاني بدا رافضا لفكرة الضربة العسكرية ضد سوريا مبررا ذلك من إمكانية إدخالها المنطقة بأسرها في صراع،

وهذا يكشف ازدواجية الخطاب وهي الميزة الأساسية للقادة الايرانيين.

وأضاف مدافعا عن موقفه: "يبدو أن الهدف الرئيس من المغامرة الأميركية في المنطقة لا تقتصر على سوريا وإنما ستشمل المنطقة بأسرها، وأن لعبة الولايات المتحدة في إثارة الحروب قد تشمل الجميع، وأن واشنطن لن تكون قادرة على إنهائها كما تعتقد".

وفيما يخص الاتفاق النووي الأخير مع الغرب فقد توقع الرئيس الايراني الأسبق، توصل بلاده إلى اتفاق نووي شامل مع القوى الـ6 الكبرى في غضون عام، وأقرّ بأن إيران يمكن أن تلعب دورا أفضل في سورية. وقال رفسنجاني، الذي يشغل حاليا منصب رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام في بلاده، إن الاتفاق المؤقت الذي توصلت إليه إيران مع القوى الـ6 الكبرى في جنيف بشأن برنامجها النووي، كان الخطوة الأصعب لأنه تغلب على عقود من القطيعة الدبلوماسية مع الولايات المتحدة منذ الثورة الإسلامية في إيران عام 1979.

ونشر موقع "رفسنجاني" على الإنترنت تصريحات الرئيس الأسبق الذي وصف الاتفاق النووي بأنه خطوة كبيرة بإمكانها أن تذيب الثلوج في العلاقات بين الغرب، وبين أميركا وإيران على وجه الخصوص.
أهم المناصب التي تقلدها
* أحد أعضاء الحزب الجمهوري

* رئيس مجلس الشورى الإسلامي

* إمام جمعة مؤقت بطهران

* نائب للقوات المسلحة

* نائب مجلس الخبراء

* رئيس الجمهورية لولايتين

* رئيس شورى الثورة

* رئيس مصلحة تشخيص النظام

ورأى أن المفاوضات كانت صعبة، لكنها الخطوة الأولى لحل الخلافات وتخفيف التوتر وإذابة جبل الجليد في العلاقات مع الغرب وأميركا، واعتبر أن "اتفاق جنيف أذاب الجليد، وما بعد جنيف من مراحل ستكون سهلة".

دعوته للتقارب مع السعودية

يحاول رفسنجاني أن يبدو كالساعي إلى حل كل مشاكل إيران الخارجية وتنصيع صورتها عالميا كبلد منفتح يساهم في إيجاد مخارج للعديد من الأزمات، وبدت تصريحاته بخصوص التقارب مع السعودية وكأنه يملك المفاتيح السحرية لذلك.

فإصلاح العلاقات بين الرياض وطهران مطلب ضروري ولا يستدعي الكثير من الجهود والتنازلات حسب رأيه، ولديه القدرة على القيام بتلك المهمة.

وقد دعا في تصريحاته الأخيرة حكومة الرئيس المعتدل حسن روحاني إلى المسارعة في تحسين العلاقات مع السعودية، وأكد أنه مستعد للعب دور مهم في ذلك، انطلاقا من علاقاته المميزة مع الرياض.

و رأى أن بذل هذه الجهود رهن بقرار من قادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية بشأن إزالة التوتر وكيفية التعامل مع السعودية على أساس سياسة "الربح لكلا الطرفين".

وقال معلقا على الاتفاق النووي الذي توصلت إليه بلاده مع القوى الكبرى في جنيف: "إن هذا الاتفاق غير موجه ضد دول المنطقة، وستكون نتائجه مفيدة للجميع، ويجب على حكومة الرئيس حسن روحاني المسارعة إلى طمأنة الرياض وإزالة أي شكل من أشكال التوتر معها".

وسبق لرفسنجاني أن قال في مناسبة سابقة: "لو كانت علاقاتنا جيدة مع السعودية لما كان في وسع الغرب أن يفرض علينا عقوبات نفطية".

وأضاف: "وحدها السعودية تستطيع أن تحل مكاننا.. وإذا كانت تنتج النفط طبقا لحصتها (وليس أكثر من حصتها)، لا يستطيع أحد في العالم أن يعتدي علينا".

وقال: "لا نريد من السعودية فعل أي شيء إلا إنتاج حصتها من النفط في أوبك، حينها لا يستطيع أحد الاعتداء علينا؛ لأن العالم لا يمكنه التخلي عن إنتاجنا النفطي.. أتصور أننا مازلنا نستطيع بناء علاقات معها"، وتابع: "لكن كما ترون هنالك من لا يرغب في إيران في ذلك".

وأعلن أنه من الممكن إقامة علاقات جيدة مع الرياض، منتقدا الذين يدلون بتصريحات "متشددة حيال السعودية من دون أن يفكروا في العواقب".

ويرى أن تدهور العلاقات الإيرانية السعودية في فترة من الفترات، سببه أن البعض في الداخل كان مستعدا لتعريض المصالح القومية لإيران للخطر مقابل منعه توطيد العلاقات مع السعودية.

وأشار رفسنجاني إلى زياراته المتكررة إلى السعودية ولقائه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله، حيث قال: "منذ سنوات عندما قمت بزيارة المملكة التقيت بالملك عبدالله وطرحت عليه الإشكالات التي يقال إن بعض الحجاج الإيرانيين يعانون منها في المطارات أو أثناء زياراتهم لمقبرة البقيع، ولم يكن من العاهل السعودي إلا أن قبل بصدر رحب ملاحظاتي، ووعدني بمتابعة الموضوع، وأخبرني حينها بأن حل هذه المشاكل العالقة هو في صالح بلدينا.

وكانت النتيجة أن أصدر أوامره بالسماح للنساء بزيارة البقيع، وأصدر توصياته إلى المجلس الأعلى للأمن ومسؤولي الحج والأوقاف في البلاد بحل هذه الأزمة، بالإضافة إلى المشاكل العالقة بين البلدين، مثل مشاكل العراق وأفغانستان ولبنان وفلسطين".

ويذهب مراقبون أن تصريحات رفسنجاني يمكن إدراجها في سياق السياسية الإيرانية الساعية إلى فك العزلة عنها وإيجاد مخارج لأزماتها المتعددة.

كل تلك المواقف على اختلافها وأهميتها وتناقضها في بعض الأحيان لا تخفي قيمة الرجل في الداخل الإيراني فمنصبه رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، أعلى سلطة ترسم السياسات الإستراتيجية وتقدم الاقتراحات للمرشد الأعلى علي خامنئي في القضايا الكبرى، يضعه في مكانة مهمة في السياسة الإيرانية.

كما يذهب البعض إلى القول أن رفسنجاني كان لسنوات عدة القوة المحركة التي أدت إلى قبول إيران لقرار مجلس الأمن الدولي الذي أنهى ثمانية أعوام من الحرب بينها وبين العراق. كما أنه أثناء توليه الرئاسة ، سعى رفسنجاني إلى تشجيع التقارب مع الغرب وإعادة فرض إيران كقوة إقليمية.

ولايزال إلى الآن صانع الملوك لأن له اليد الطولى في وصول المرشد العام علي خامنئي إلى منصبه بعد وفاة الخميني عام 1989 وتبوأ الإصلاحي محمد خاتمي الرئاسة في العام 1997، إضافة الى دوره في تعيين مناصب رئيس فيلق القدس ورئيس أركان الحرب ورئيس الاستخبارات.

ويعتبره العديدون مؤدلج السلوك السياسي الإيراني، منذ صياغته شعار "الثورة الإسلامية الدائمة وضرورة تصديرها" إلى شعار "مواجهة الشيطان الأكبر بالجهاد الأكبر"، لكنه كان في ذات الوقت عراب التفاوض من تحت الطاولة مع الأميركان.

لكل هذه المهام التي تقلدها رفسنجاني ولطبيعة الأدوار التي لعبها في العلن والخفاء فإن عددا من السياسيين يرون فيه أنه واجهة لسياسة إيران المخاتلة التي تتقن إزدواجية الخطاب وتتخفى وراء الشعارات.

لذلك فإن مصداقية السلوك الإيراني الآن باتت في الميزان خاصة بعد هذا التقارب المفاجئ بينها وبين الشيطان الأكبر سابقا.

12