علي البزاز يرسم لوحاته بألوان الحنين إلى العراق

مما لا شك فيه أن خوض غمار الحياة بعيدا عن الوطن الأم ليس بالأمر الهين، إلا أن محاولات وضع تراجيديا وتصور لها من خلال اللوحات الفنية المعبّرة والرسوم التشكيلية المرتسمة في مخيّلة الرسام تخفف من ثقل الاغتراب لدى الفنانين المهاجرين، ومنهم الرسام العراقي علي البزاز.
الخميس 2016/03/03
لوحات مشبعة بمذاق الاغتراب

الفنانون العراقيون وضعوا بصماتهم على المشهد التشكيلي، وأثروا بطرائق رسمهم في التشكيل العربي خصوصا مما خلقوه لدى الفنانين الشباب المغاربة من مثال، ولما حملته تجاربهم من إرث عراقي حضاري رصين.

اختارت جمعية “محبي الفن” المغربية مؤخرا، معرض الرسام العراقي علي البزاز كنموذج للمعارض التي أقامها مغتربون بالمغرب، وعرضوا فيها مشاعر الحنين للوطن، فالمعرض الأخير للبزاز في المركز الهولندي “نيمار” بمدينة الرباط، والذي عرض فيه جميع تجاربه مع اللون، واستخدام الفرشاة والكنفاس كوسيلة أثيرة لديه لنشر الجمال، عكس هذا الجانب من الإبداع العراقي.

وأقامت هذه الجمعية العديد من روابط التواصل مع الفنانين المغتربين سواء من المغاربة خارج وطنهم، وغيرهم من المغتربين العرب والأجانب داخل المغرب، وذلك من خلال نشر أخبار معارضهم، وعرض نماذج مصغرة للوحاتهم في صفحات الفيسبوك.

والبزاز فنان وشاعر عراقي يقيم في المغرب منذ خمس سنوات، ويزاول نشاطه الفني في العاصمة المغربية الرباط، وينشر نصوصه في الصحافة المغربية والعربية، واضعا فيها تجربته الحياتية التي أمضى منها فترة طويلة في المهجر الهولندي، واستطاع أن يحوّل ذكرياته في هولندا إلى نصوص ولوحات تحاكي مرارات المنفى، والبعد عن الوطن والأهل والأصحاب، فهو يستعير القلم بدلا من الفرشاة حين يجد أن اللون وحده لا يكفي لبث ما ينتابه من مشاعر وأفكار.

معارض البزاز السابقة، ومنها معرضه الشخصي في صالة “باحنيني” بمدينة الرباط عام 2013، والمهرجان التشكيلي الدولي في سطات المغربية لعامي 2014 و2015، وفي المركز الهولندي، جميعها حكت عن رؤية هذا الفنان للحياة بعيدا عن الوطن، وأزمات العيش مع الآخر، فالآخر ليس الجحيم كما وصفه سارتر، بل إن الآخر في مفهوم الفنان وبالرغم من الاختلاف معه مرآة نرى فيها وجوهنا الحقيقية.

الألوان الساخنة التي استخدمها معظم الفنانين العراقيين بالمغرب كخالد الجادر، نزيهة رشيد، حسني أبوالمعالي، أحمد عباس، جواد العادلي، علي البزاز، وغيرهم نقلت لمشاهدي لوحاتهم مشاعر رقيقة تحاكي جمال الحياة بالرغم من قسوتها، وذلك يبدو واضحا من خلال استعمالهم اللون الأحمر، أو البرتقالي، أو الأصفر، بعد مزجه بألوان باردة كالأخضر، والأزرق، والبنفسجي، وهم بذلك يقولون للغربة عن الوطن، نعم بمعنى لا.

التجـارب الفنيـة كتجـربتي الفنـانين الرائدين العراقيين، خالد الجادر ونزيهة رشيد في المغرب، وهما من جيل جواد سليم وشاكر آل سعيد، وممن درسوا الفنون التشكيلية في أكاديمية الفنون في بغداد، وعاشوا سنوات كثيرة خارج العراق قبل أن يرحلا، الأول توفي سنة 1998 ودفن في مقبرة الشهداء بمدينة الرباط، والأخرى رحلت إلى أميركا قبل سنوات، وافتتحت صالونا فنيا في نيويورك، وتركت في المغرب لوحات كثيرة من إبداعها، هما وغيرهما أمثلة على غربة الفنان العراقي في الأربعين عاما الأخيرة.

وامتازت لوحات علي البزاز عن لوحات غيره بكبر حجمها، مما أعطى ذلك للفنان فرصة لإبراز مهاراته في الرسم بالزيت، فوضع في ألوانه مشاعر الفرح، والتوق إلى معانقة الحياة، ومزج كل ذلك في أشكال تجريدية، ممّا نراه عادة في ظلام الحقول، وحيواته المشعة في الظلام، التي خلقها الله تعالى ليجسد فيها الجمال ويكمل بها دورة الحياة.

واتبع البزاز في كثير من لوحاته طرائق المدرسة الانطباعية الأوروبية، والمعروف أن هذه المدرسة تنهج منهجا خاصا، وذلك من خلال تأمل فنانيها تفصيلات لوحاتهم أكثر من اهتمامهم بموضوعاتها، فهم يتأملون الطبيعة من خلال إحساسهم بها، كما تبدو لعيونهم، بألوانها وأشكالها، وهذا ما فعله معظم فناني العراق بالمغرب أيضا.

16