علي البلهوان المناضل والمثقف زعيم شباب تونس

الأحد 2014/02/23

البلهوان يحتفظ بلقب زعيم شباب تونس حتى وفاته

“إن تونس لا تطلب من أبنائها المفكرين والعلماء أن يتخلوا عن حرية تفكيرهم حرية كاملة لا تشوبها شائبة ولا يقيدها قيد، بل تطالبهم بتوجيه تفكيرهم نحوها لإعانتها على حلّ مشاكلها”.


علي البلهوان


اعتبر الرئيس التونسي المنصف المرزوقي الشخصية الوطنية التونسية علي البلهوان شهيداً مات بيد الفرنسيين، أيام الاستعمار، وأعلن أن يوم 6 فبراير هو عيد وطني لتكريم الشهداء الذين اغتالتهم القوات الفرنسية مثل فرحات حشاد وعلي البلهوان، وفي كتابه عن الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة الذي صدر عن “دار الجنوب”، يروي الباجي قائد السبسي أنه في صبيحة يوم 10 مايو-أيار 1958، انعقدت بقصر الحكومة بالقصبة جلسة ترأسها الحبيب بورقيبة، وحضرها كل من الباهي الأدغم والطيب المهيري وعلي البلهوان، وكان هذا الأخير قد انتخب قبل ذلك بسنة واحدة، وتحديدا في شهر مايو-أيار 1957، رئيسا لبلدية العاصمة.

والواضح أن بورقيبة لم يكن راضيا عن اختيار علي البلهوان للسيد الهادي الرياحي كاتبا عاما للبلدية، لذلك كانت الجلسة صاخبة، ولعل الحوار الذي دار بين بورقيبة المشهور بسورات غضبه الشديدة التي يصبح عاجزا فيها عن التحكم في أعصابه، وبين زعيم الشباب علي البلهوان المعروف بصراحته وقوّة شخصيته كان ساخنا وحادا، وقد يكون بورقيبة تلفظ بكلمات نابية جرحت كرامة علي البلهوان، لذا خرج هذا الأخير من تلك الجلسة وهو غاضب وحزين وموجع القلب، وقبل أن يغادر مكتب السيد الطيب المهيري، أمسك بذراع الشاب الباجي قائد السبسي وقال له: ” يا ابني.. إذا كانت الحياة من دون كرامة فالموت أفضل”، عند ظهر نفس اليوم في الساعة الثالثة، رحل علي البلهوان عن الدنيا بسبب سكتة قلبية.

وفي اليوم التالي شيّع جثمانه إلى مقبرة “الجلاز ” بحضور الرئيس الحبيب بورقيبة وبقية الشخصيات السياسية التي كانت على رأس دولة الاستقلال الفتية.

انتخب البلهوان في العام 1957 رئيسا لبلدية العاصمة تونس.. فلم يعجب بورقيبة ظهور رجل يعتد بكرامته ولا يقبل بمبدأ السمع والطاعة


زعيم الشباب


يبدو أن سنة 1909 كانت سنة مباركة بالنسبة إلى البلاد التونسية، ففيها ولد شاعران سوف يكونان من أهم وأبرز شعرائها خلال القرن العشرين، أعني أبا القاسم الشابي ومصطفى خريف، ورائد القصة القصيرة علي الدوعاجي. وفيها ولد أيضا علي البلهوان الذي سيكتسب عقب أحداث 9 أفريل- نيسان 1938، لقب” زعيم الشباب”. وسوف يظل محتفظا بهذا اللقب حتى وفاته..

وكانت ولادته بتونس العاصمة في 13 أفريل ـ نيسان من السنة المذكورة، وخلال سنوات طفولته الأولى، وعلى عادة أبناء أغلب العائلات التونسية في ذلك الوقت، التحق علي البلهوان بإحدى المدارس القرآنية ليحفظ فيها القرآن الكريم، ويتعلم مبادئ اللغة وقواعد الدين.

وفي عام 1917، وكان آنذاك في الثامنة من عمره، انتقل علي البلهوان إلى مدرسة خير الدين الابتدائية، ومنها أحرز على الشهادة الابتدائية وذلك عام 1924، ويشير كتاب سيرته الى أنه كان تلميذا ذكيا، فطنا، ومتزن العقل، وسريع الحفظ. لذا اكتسب تقدير معلميه وأساتذته.

ومن المؤكد أن علي البلهوان تعرّف على بعض من الأحداث التاريخية الكبيرة التي عرفتها تونس خصوصا منذ احتلالها من قبل فرنسا في عام 1881. فهو ينتمي إلى عائلة عرفت بحبها للعلم، ولا بد أن البعض من أفرادها حدثوا الطفل الفطن الصغير، الذي هو علي البلهوان، عن فظائع الاستعمار، وعن المعمرين الفرنسيين الذين اغتصبوا أفضل الأراضي وأخصبها في مختلف مناطق البلاد، وعن الزعماء الوطنيين الذين تصدوا للاحتلال، وقاوموه بشدة من أمثال علي باش حامبة، والبشير صفر، والشيخ عبد العزيز الثعالبي. ولا بد أن الطفل الصغير علي البلهوان استمع إلى أفراد عائلته وهم يتحدثون عن أحداث “الجلاز″ التي اندلعت عام 1911 بسبب رفض التونسيين دفن المتجنسين بالجنسية الفرنسية في المقابر الإسلامية، وأيضا عن “ثورة بني عسكر” بالجنوب.


البلهوان والطريق الصعب


ومن الأكيد أيضا أن كل هذا سوف يجعله يختار “الطريق الصعب”. وهذا ما سوف يعبّر عنه في إحدى رسائله حيث كتب يقول: “إني أعلم كل ذلك علم اليقين أني اخترت السبيل الصعب الذي تحفه الأخطار، وتمنعه العراقيل، ويكون السير فيه مؤلما معذبا، ولكني أعلم أيضا أن الفرح العميق والسرور الكلي لا يوجد إلا في القيام بالواجب، وأن اللذة الزائلة تتضاءل قيمتها لمن رام النعيم الأبدي، وسعى إلى إرضاء الخالق فتمرّ الشدائد والمصائب فلا يخفت إيمان النفس، ولا ينقضي يقينها، بل تزيدها قوة وصلابة، وتوجد فيها إرادة جبارة، وتصقل صقلا فتصفو النفس كما يصفو الماء الكدر، فيصبح عذبا زلالا كالبلور، ويسهل الصبر والجلد”.

في فترة شبابه المبكر، عاش علي البلهوان أحداثا سوف تذكي فيه نيران الحمية الوطنية، وفي عام 1932، وبعد إحرازه على شهادة البكالوريا، سافر علي البلهوان إلى باريس ليدرس هناك الفلسفة والآداب العربية. غير أن ذلك لم يمنعه من مواصلة اهتمامه بالقضايا الوطنية. فنحن نجده يقف مساندا للشيخ أحمد بيرم، شيخ الإسلام الحنفي الذي نظّم في تونس عام 1932 “مؤتمر اللغة العربية”. وكان هدفه الأساسي من هذا المؤتمر الردّ على مزاعم وليام مرساي الذي كان “يحتقر اللغة العربية معتبرا إياها، “لغة ميتة”. لذا هي “عاجزة” حسب رأيه عن القيام بوظيفتها الاجتماعية كلغة علم وتقنية”.

وعندما شن المحافظون والسلفيون هجومات عنيفة ضد الطاهر الحداد بسبب كتابه: ” امرأتنا في الشريعة والمجتمع″، لم يتردد علي البلهوان في مناصرته. وما أظن أنه كان رافضا لثورة الشابي الشعرية، بل كان من أكثر المتحمسين لها..

وعلى المستوى السياسي، عاضد علي البلهوان بقوة جماعة الحزب الحر الدستوري الجديد بقيادة الحبيب بورقيبة.

وفي العاصمة الفرنسية، كان دائم التردّد على مقر طلبة شمال أفريقيا بجادة سان ميشال حيث كان يلتقي المناضلين الوطنيين المغاربة والجزائريين والتونسيين ليناقشوا قضايا بلدانهم في حاضرها ومستقبلها. ومن الأكيد أن علي البلهوان كان يساهم بحماسه المعهود في النقاشات، ويدوّن في دفاتره ما كان يسمع من أفكار، ويدلي بآرائه في هذه القضية أو تلك بكامل الصراحة والوضوح. وفي الاجتماعات العامة يقف خطيبا مهاب الجانب، ليقدم الدليل القاطع على أنه سوف يكون زعيم الشباب بلا منازع. ومن المؤكد أن السنوات التي قضاها علي البلهوان في فرنسا سمحت له، بالتعمق في فهم الحضارة الغربية.

خرج علي البلهوان على أكتاف المتظاهرين وقال «جئنا لإظهار قوانا، قوة الشباب الجبارة.. سنبني البرلمان التونسي بسواعد الشباب»


بعد باريس


بعد عودته إلى تونس، عين علي البلهوان أستاذا في “المدرسة الصادقية، وسرعان ما أصبح واحدا من ألمع وأشهر أساتذة هذه المدرسة العريقة وذلك بسبب سعة معارفه، وفصاحة لسانه، وجرأته في التطرق إلى المواضيع المحرمة، وأسلوبه البارع في مواجهة خصومه المفكرين والسياسيين.

لذلك كانت دروسه ومحاضراته تستقطب أعدادا وفيرة من التلاميذ. وقد أشاعت الحيوية الكبيرة للأستاذ الشاب الذي هو علي البلهوان الخوف لدى السلطات الاستعمارية، فشرعت تراقب حركاته وسكناته وأقواله، وقد ازداد خوفها منه لما انضم إلى صفوف الحزب الحر الدستوري الجديد عام 1936 ليصبح من أكثر مناضليه حيوية ونشاطا وإقداما على خوض المعارك. وظانّة أنها ستكبح جماحه، وتثبت عزيمته، قامت السلطات الاستعمارية بطرد علي البلهوان من وظيفته كأستاذ.

غير أن هذا القرار الجائر لم يزده إلا تعلقا بالقضية الوطنية وتمسكا بمبادئها السامية. إلاّ أن الولادة السياسية الحقيقية لعلي البلهوان تمت خلال أحداث 9 أبريل 1938، وقد سبقت هذه الأحداث أحداث أخرى كانت لها تأثيرات حاسمة على مسيرة النضال الوطني. ففي شهر مايو-أيار 1933، نظم الحزب الدستوري التونسي مؤتمرا بالعاصمة أفضى الى ضبط برنامج يقوم على العديد من النقاط الأساسية منها استرجاع سيادة الشعب التي يحاول الاستعمار دوسها وتقويضها باستعمال سياسة القوة وإقامة برلمان تونسي منتخب بالاقتراع العام، وتفريق السلط، وإعادة الحريات العمومية، وإجبارية التعليم.

وفي فاتح شهر جوان- حزيران من السنة المذكورة شنّ عمال الرصيف إضرابا عطّل الحركة بميناء العاصمة. وفي نفس اليوم، أضرب جميع التجار التونسيين في المدن الكبيرة. ولمواجهة هذه الموجة من الاضطرابات، قامت السلطات الاستعمارية بتعيين مقيم عام جديد معروف بميله إلى “سياسة الحزم والقوة” وهو مارسال بيروطون وكان ذلك في 29 يوليو 1933.


قوة الشباب الجبارة


تم الإعلان عن الإضراب العام في 8 نيسان 1938 وفي نفس اليوم المشهود قاد علي البلهوان مظاهرة صاخبة انطلقت من ساحة الحلفاوين، وعند وصول المتظاهرين إلى ”باب البحر”، وقف علي البلهوان على أكتاف بعض الشبان ليرتجل خطابا حماسيا قال فيه: “جئنا في هذا اليوم لإظهار قوانا، قوة الشباب الجبارة التي ستهدم هياكل الاستعمار الغاشم، وتنتصر عليه.. يا أيها الذين آمنوا بالقضية التونسية.. يا أيها الذين آمنوا ببرلمان تونسي إن البرلمان التونسي لا يبنى إلا على جماجم العباد ولا يقام إلا على سواعد الشباب.. ثابروا.. جاهدوا في سبيل الله حق جهاده”، في اليوم التالي اعتقل علي البلهوان فخرج آلاف التونسيين إلى الشوارع والساحات العامة للتعبير عن سخطهم واحتجاجهم مرددين” برلمان تونسي برلمان تونسي…”، وأمام ذلك السّيل الجماهيري العارم، أمرت القوات الاستعمارية جنودها ورجال شرطتها بإطلاق الرصاص على المتظاهرين فسقط عشرات القتلى والجرحى. وكانت دماء الشهداء لا تزال تلطخ الشوارع والساحات، لما قامت السلطات الاستعمارية بإلقاء القبض على الزعيم بورقيبة ورفاقه في الحركة الوطنية. وكانت تلك المجزرة التي ارتكبت في يوم 9 أبريل 1938 واحدة من أفظع المجازر التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي في البلاد التونسية..

وفي المقالات التي كان ينشرها في الجرائد الوطنية مثل “الحرية” و”لواء الحرية”، كان يدافع عن اللغة العربية والمبادئ الوطنية جاعلا من الشباب القوة الفعّالة القادرة على دحض الاستعمار وبناء المجتمع الجديد الذي سيتطلع إليه التونسيون بجميع فئاتهم ومشاربهم. وبعد انتخابه عضوا في الديوان السياسي للحزب إثر المؤتمر الذي انتظم يوم 19 أكتوبر 1948 ازداد نشاط علي البلهوان توسعا. وعندما شعر أنّ السلطات الاستعمارية ترغب من جديد في اسكاته، وشلّ نشاطاته، سافر إلى القاهرة بأمر من الحزب وذلك عام 1951 وهناك كتب وخطب في الأندية حيث كان يجتمع المناضلون الوطنيون القادمون من المغرب والجزائر وتونس. وفي عام 1952 انتقل علي البلهوان إلى العاصمة العراقية بغداد ليقوم بنفس المهمة أي التعريف بالقضية التونسية والدفاع عنها. وهناك أقام سنة كاملة قدّم خلالها العديد من المحاضرات في جامعة بغداد حيث تم انتدابه للتدريس فيها..


البلهوان بعد خروج الاستعمار


وبعد حصول تونس على استقلالها الداخلي وتحديدا يوم 6 فبراير 1955 عاد علي البلهوان إلى تونس لينضم إلى الحكومة الجديدة برئاسة الحبيب بورقيبة. وخلال المؤتمر الذي انعقد في مدينة صفاقس في عام 1955، إثر اندلاع الخلاف بين الزعيمين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف، وقف علي البلهوان مساندا للأول تماما مثلها هو الحال، بالنسبة إلى الطبيب المهيري والمنجي سليم، وآخرين من أبناء العاصمة. وكان ضمن الوفد التونسي الذي حضر دورة الأمم المتحدة السنوية التي انعقدت عام 1956، كما أنه كان ضمن الوفد التونسي الذي ساهم في ” المؤتمر الأفريقي ـ الآسيوي” الذي انعقد في عام 1957. وكان ضمن الذين كلّفوا بإبلاغ قادة المغرب العربي بقرارات مؤتمر طنجة.

فهذا علي البلهوان الذي صنّفه الرئيس المنصف المرزوقي شهيداً قتل على يد الاستعمار الفرنسي الذي عاش المرزوقي في عاصمته باريس طويلاً ولعلّه نسي الكثير من تاريخ رجالات تونس هناك.

7