علي الجابري صديق المواد بهوية معاصرة

الرسام العراقي الراحل كان ينتمي إلى ما يمكن أن نسميه بالجيل الضائع، ذلك الجيل من الرسامين والنحاتين في سبعينات القرن الماضي، وهي سنوات احتل مسرحها كاملا الجيل القادم من الستينات. 
الأحد 2018/09/23
الجابري عاش حياته كما يُحب

أخيرا استسلم علي الجابري للموت بعد صراع طويل مع المرض. الرسام والنحات العراقي غادرنا في روما التي عاش فيها الجزء الأكبر من حياته. وله فيها زوجة وابن وذكريات حب وصداقة وإلهام وعمل ومغامرات ضياع وتيه وشغب قادته إلى فهم العالم والحياة بأسلوب متمرد ومشاكس لا يخلو من السخرية الحزينة التي هي جزء من إرث عائلي قديم.

غموض الجنوب وإيقاعاته

خمسون سنة عاشها الجابري في روما بعمق ومتعة واستغراق في العمل، نحاتا ورساما غزير الإنتاج وناشطا ومنظم مشاريع فنية، صنعت منه نجما في الأوساط الفنية الإيطالية، غير أنها لم تنسه الجنوب العراقي، هناك حيث وُلد وترعرع وحفظ الأغاني الحزينة والأدعية والحكايات. فكان يستحضره في رسومه كما لو أنه يستعيد جزءا من المرويات التي أضفى عليها الزمن شيئا من غموضه. كانت رسومه التجريدية تشف عن تلك القوارب التي ذهبت بالسومريين إلى العدم وعن النساء المتشحات بالسواد.

في منحوتاته وأنصابه كان الجابري ميالا إلى التجريب، لا على صعيد الشكل والأسلوب وحدهما بل وأيضا على صعيد المواد المستعملة والتقنيات التي يعالج من خلالها تلك المواد. فلم يكتف بالرخام والخشب والبرونز بل امتدت يده إلى الألمنيوم والزجاج ومواد حديثة، لم يسبق للنحاتين في العالم العربي أن استعملوها.

لم تشغله فكرة الهوية إلا من جهة تعبيرها عن انتمائه إلى العصر. فكان عراقيا بالقدر الذي يسمح لإيطاليته بتهذيب حواسه الفالتة وكان إيطالياً بالقدر الذي يسمح لعراقيته بالبقاء دافئة مثل حضن أم. لذلك لم يكن وسيطا بين ثقافتين بل كان وفيا لعصره الذي كان يتعامل معه باعتباره مزيجا من كل العصور وكل الثقافات.

“أبو هاشم” كما كان يحب أن نناديه كان يتمتع بسماع تلك الكنية لأنها تعيده إلى خرافة أن يكون سيدا في قومه انطلاقا من اعتبارات دينية. ولأن كل شيء في روما يذكر بقوة الخرافة التي صنعت واقعا جماليا قويا في تماسكه فإن ثقته بخرافات أهله لم تتزحزح. كانت آلهة الرومان تحيط به من كل جهة. وهو ما جعله يثق بقيمة الحكاية الريفية التي لم تجد الطرق أمامها سالكة لكي تتحول إلى منحوتات عملاقة. وكان ذلك حلم حياته.

ابن الخرافة المعاصر

الجنوب العراقي، هناك حيث وُلد وترعرع وحفظ الأغاني الحزينة والأدعية والحكايات. يستحضره علي الجابري في رسومه وأعماله، كما لو أنه يستعيد جزءا من المرويات الشفهية الشعبية التي أضفى عليها الزمن شيئا من غموضه وأسطوريته
الجنوب العراقي، هناك حيث وُلد وترعرع وحفظ الأغاني الحزينة والأدعية والحكايات. يستحضره علي الجابري في رسومه وأعماله، كما لو أنه يستعيد جزءا من المرويات الشفهية الشعبية التي أضفى عليها الزمن شيئا من غموضه وأسطوريته

جمع الجابري في شخصيته وبطريقة مرحة الريفي والمديني، العراقي والأوروبي، القديم والمعاصر، الأثر الراسخ الذي لا يُمحى وكلمة عابرة علقت بلسان لم يقلها بعد، ليكون ذلك الفنان الذي تمكن من أن يفر من الصفات والوصفات الجاهزة. فكان فنه مرآة لحياة، عاشها بضراوة فصنعت منه نموذجا لإنسان كان يلتهم تفاصيل يومه بشراهة كما لو أنه مغادر غدا.

ولد الجابري في قلعة صالح بميسان، جنوب العراق عام 1948. انتقلت عائلته إلى بغداد عام 1957. ما إن أكمل دراسته الفنية في معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1971 حتى غادر العراق متجها إلى روما. هناك درس النحت على يد النحات الإيطالي بيرجيلي فاتسيني في أكاديمية روما. كان في الوقت نفسه يمارس الرسم في الساحات من أجل أن يغطي تكاليف دراسته بعد أن رفض منحة تشترط عليه العودة إلى العراق.

خارج الأكاديمية أُتيح للجابري أن يتعرف على الأوساط الفنية الإيطالية وصنع له مكانة مرموقة، أهلته لكي يقيم معارض وأنصابا عديدة في مختلف المدن الإيطالية. لقد سبقت إيطاليا بلده الأصلي في منحه فرصة، لم ينلها سواه من الفنانين الأجانب.

كان ذلك سببا مضافا لوفائه للبلد الذي احتضنه بحنان.

ينتمي الجابري إلى ما يمكن أن أسميه بالجيل الضائع. لقد ظهر ذلك الجيل من الرسامين والنحاتين في سبعينات القرن الماضي، وهي سنوات احتل مسرحها كاملا الجيل القادم من الستينات. كانت السبعينات سنوات النضج والتبلور والظهور والسلطة بالنسبة للستينيين الذين أظهروا شراهة في الاستيلاء على كل شيء؛ المؤسسة الفنية الرسمية، قاعات العرض، منح الدراسة في الخارج والمشاركة في اللقاءات الفنية الدولية لتمثيل العراق.

أرواح الأطفال الهائمة

"بلاط الشهداء" النصب الذي أقامه الجابري في بغداد يلتحق بمدرسة الأعمال الفنية العراقية المنكوبة التي أزيلت من قبل الحكومة الموالية لإيران
"بلاط الشهداء" النصب الذي أقامه الجابري في بغداد يلتحق بمدرسة الأعمال الفنية العراقية المنكوبة التي أزيلت من قبل الحكومة الموالية لإيران

لم يجد الجابري ورفاق جيله أمامهم سوى الهجرة حلا لإنهاء غربتهم المحلية والاستفادة مما تتحيه الغربة خارج أوطانهم من إمكانية الانفتاح على العالم والتعلم بطريقة صحيحة.

كان الجابري محظوظا أكثر من الآخرين بسبب عدم تعصبه السياسي ونزعته الإنسانية التي جعلته قادرا على التمييز بين ما هو عقائدي وما هو فني خالص.

نصب بلاط الشهداء كان واحدا من أهم أعماله النحتية. استلهم الجابري ذلك النصب الذي يبدو تجريديا لأول وهلة من واقعة قصف الإيرانيين بصاروخ أرض ــ أرض منتصف ثمانينات القرن الماضي لمدرسة ابتدائية اسمها “بلاط الشهداء” تقع في جانب الكرخ من بغداد. يومها قُتل عشرات الأطفال ومحيت بناية المدرسة كما لو أنها لم تكن.

وكان نصيب النصب الذي أقامه الجابري أن يلتحق بتلك المدرسة المنكوبة حيث تمت إزالته من قبل الحكومة الموالية لإيران بعد الاحتلال الأميركي عام 2003.

كان بلاط الشهداء نصبا استثنائيا في العاصمة العراقية التي كانت تعج بالأنصاب التي تليق بمدينة استثنائية مثل بغداد.

استعمل النحات مادة “فايبر كلاس” لإنجاز عمله. وهي مادة لم يستعملها النحاتون العراقيون من قبل في إنجاز نصب كبير لأنهم لم يتعرفوا عليها. كان النصب عبارة عن مكعب زجاجي كبير وُضع بشكل مائل على إحدى زواياه كما لو أن النحات أراد أن يستعرض خفة العالم الذي تسبح فيه أرواح الأطفال التي اختطفتها يد غادرة وإرادة شريرة.

تشف جدران ذلك المكعب عن الأرواح الهائمة التي لا تزال تلهو ببراءة من غير أن تدرك أن العالم من حولها قد أفرط في حماقته الشريرة. هناك وضع الجابري ما تبقى من حقائبهم وأقلامهم وكراساتهم وثيابهم وأحذيتهم وكراسيهم وألواح الكتابة التي تحمل آخر ما تعلموه من حروف وأرقام. 

ما أنجزه الجابري في نصبه بلاط الشهداء يمكن أن يقف إلى جانب ما أنجزه جواد سليم في نصب الحرية من جهة ما أنطوى عليه النصبان من قيم إنسانية وجمالية. ومثلما تفوق سليم بحداثته على المرحلة التي نحت فيها نصبه فإن الجابري استطاع أن ينقل النحت من خلال بلاط الشهداء إلى مرحلة جديدة، يغلب عليها التجريب في الأشكال والتقنيات والمواد.

كدح ألهمه الرقي

رسوم الجابري التجريدية تشف عن تلك القوارب التي ذهبت بالسومريين إلى العدم وعن النساء المتشحات بالسواد
رسوم الجابري التجريدية تشف عن تلك القوارب التي ذهبت بالسومريين إلى العدم وعن النساء المتشحات بالسواد

لطالما استقبلني الجابري في مطار روما لأقضي اليوم الأول من زيارتي معه. يأخذني إلى مطعم ساحلي مترف يقع قريبا من بيته الذي يقع وسط غابة صنوبر. كان يحدثني عن ذلك الصبي الذي كان يلتقط الصور الفوتوغرافية للمارة في حديقة الأمة تحت نصب الحرية. لم يكن يومها يتوقع أنه سيفعل ما فعله جواد سليم ويمشي على الطريق نفسها التي مشى عليها رائد النحت العراقي الحديث، حاملا نصبه الذي يكاد ينافس من حيث القيمة الفنية والتأثير الإنساني ذلك النصب الذي وقف سنوات طويلة في ظلاله، باحثا عن زبون يصوره.

الحياة التي عاشها الجابري وهو يرتقي السلم صعودا إلى الشهرة والتكريس هي تجسيد للكدح الملهم في أرقى وأبهى صوره. وهو ما استلهمه في نصب الحمام الذي أنجزه لحساب فندق “فورسيزنس” بالدوحة. انطوى ذلك النصب الرمزي على تعبير عميق عن امتزاج الحرية ببحث الإنسان عن معنى لحياته، خارج ما تمليه عليه الظروف التي نشأ فيها.

نجح الجابري في أن يوازن بين طموحه الفني وبين رخاء إنسانيته التي حارب من خلالها الظلم والتمييز والقبح فعاش حياته كما يحب ومات سعيداً. 

9