علي الجابري لـ"العرب": أحلم أن نحتفي بفيلم إماراتي كل عام في مهرجان أبوظبي

الاثنين 2014/10/27
الجابري: نعتمد على منظومة متنوعة من الأفلام التي تشبع فضول الجمهور

أبوظبي - علي الجابري فنان إماراتي، عمل في مجال التمثيل والإخراج في المسرح والسينما، وله إسهامات في مجال الأفلام القصيرة. وقد تولى لسنوات منصب مدير مسابقة أفلام من الإمارات التي تنظم ضمن فعاليات مهرجان أبوظبي، كما عمل بالقرب من المدير السابق للمهرجان، الأميركي بيتر سكارليت، وتولى إدارة المهرجان الذي تنظمه مؤسسة “تو فور 54” منذ ثلاث سنوات ونجح في دفع المهرجان إلى الأمام، وتطوير صندوق “سند”.

“العرب” التقت علي الجابري على هامش الدورة الثامنة من مهرجان أبوظبي السينمائي المقامة حاليا لكي أحاوره وأستمع إليه، وأطرح عليه أيضا بعض ملاحظاتي، ووجدت أنني أمام رجل يمتلك الكثير من التواضع، لا يعترف بالعمل الفردي بل يفخر بأنه يعمل مع فريق متجانس ويعتمد مبدأ تقسيم العمل والاستماع لكل وجهات النظر سواء في ما يتعلق باختيار الأفلام، أو البرمجة وتنسيق الفعاليات الأخرى.

أردت في البداية أن أبدأ من الحدث الأكثر إثارة للاهتمام، أي من القرار بافتتاح دورة هذا العام للمرة الأولى بفيلم روائي طويل من الإمارات هو فيلم “من ألف إلى باء” للمخرج الإماراتي علي مصطفى.

عن هذه “المغامرة” يقول علي الجابري إنه يتمنى أن يكون هناك كل سنة فيلم إماراتي، ولكنه يستدرك فيضيف أن الأمر لم يخضع لـ”قرار”، ويوضح أكثر فيقول: «نحن لم نقرر أن تفتتح هذه الدورة بفيلم إماراتي، لكننا كنا نتابع أعمال المخرجين المتميزين في الإمارات الذين نعرفهم ونعرف أعمالهم ونحاول أن نرصد ما إذا كان لديهم عمل جديد يمكن أن نبرزه ونحتفي به في مهرجان أبوظبي السينمائي. وكنا بالطبع من خلال فتح صندوق “سند” لدعم الأفلام ننتظر منهم أن يقدموا شيئا مميزا.

ومنذ سنوات كنا نتابع تجربة المخرج علي مصطفى وهو يدفع مشروع فيلمه “من ألف إلى باء” من مرحلة السيناريو الأول، وهو بلا شك مخرج موهوب يمتلك أدوات العمل السينمائي، ولكنه اضطر للتوقف أربع سنوات بعد أن قدم فيلمه الأول، وأتمنى ألا يتوقف طويلا بعد فيلمه الجديد بل وأن يواصل العمل في أفلام أخرى.

لقد جاء اختيار الفيلم أولا لأنه عمل متميز فنيا وثانيا لأنه ليس مجرد عمل محلي بل ينتقل في المحيط ويمكن أن يستوعبه ويفهمه المشاهدون العرب في كل مكان، وأتمنى أن يشجع عرض فيلم إماراتي في افتتاح مهرجاننا المخرجين الإماراتيين على الإقدام على تنفيذ مشاريع أفلامهم والسعي لعمل أفلام متميزة وقد رأيت بالفعل كيف أثار الفيلم حماس البعض منهم. لا شك أن فيلم “من ألف إلى باء” يعتبر دفعة معنوية سواء لمخرجه علي مصطفى أو لغيره من المخرجين في الإمارات».


رؤية المهرجان


كان لا بدّ أيضا أن أعود معه إلى بداية توليه إدارة مهرجان كبير بهذا الحجم وكيف كان تصوره أو المنهج الذي بنى عليه بعد أن كان المهرجان قد قطع شوطا بلغ خمس سنوات تحت مديرين مختلفين. حول هذه النقطة قال الجابري إنه ليس من الممكن نسيان أو تجاهل جهود المديرين الذين سبقوه، ولم يحدث أي تغييرات جوهرية على أقسام وبرامج المهرجان بل أبقى عليها كما كانت، وأما الشيء الذي يعتبره أساسيا في طريقة عمله فهو يتعلق بمفهوم في الإدارة يعتمد على الاهتمام بما يمكن تقديمه للجمهور من الأعمال السينمائية المتميزة فنيا، وغير ذلك من الاعتبارات تتشكل وحدها فيما بعد لكن ليس هناك التزام بأي معايير أو حسابات سوى المستوى الفني للأفلام نفسها.

نجحنا في جلب الأفلام المهمة التي خرجت للنور في النصف الثاني من عام 2014 مثلا، لكي يشاهدها جمهور الإمارات

فإذا نجحنا في جلب الأفلام المهمة التي خرجت للنور في النصف الثاني من عام 2014 مثلا، لكي يشاهدها جمهور الإمارات في أبوظبي، فهذا هو الهدف الأول، أي خلق جسر بيننا وبين الجمهور الذي يبدي تعطشا لمشاهدة نوعية مختلفة من الأفلام التي لا تشاهد عادة سوى من خلال المهرجانات العالمية، بعيدا عن أفلام الإنتاج الضخم الأميركي والمبهر والتي تعرض بالدور التجارية في العالم. التركيز الأساسي إذن حسبما يرى الجابري على أن المعيار الأول هو الفيلم، والفيلم الفني تحديدا.

ربما يكون من حسن طالع مهرجان أبوظبي أنه يقام بعد أن تكون صورة الإنتاج الجديد في العالم قد اتضحت من خلال المهرجانات الكبيرة الرئيسية التي تكون قد انتهت قبل أن يبدأ مهرجان أبوظبي، وربما أيضا أن هذا يعكس تحديا ما أمام المبرمجين.

علي الجابري يرى أن اختيار الأفلام يخضع لنظرتين كما يقول: «الأولى نظرتنا نحن للأفلام كمبرمجين للمهرجان، والنظرة الثانية هي نظرة الجمهور المحتملة لهذا الفيلم أو ذاك، وخصوصا أننا لا نفرض ثيمة معينة لكل دورة تحدد اختياراتنا بل نعتمد على منظومة متكاملة متنوعة من الأفلام التي ترضينا نحن كمتخصصين وتشبع فضول الجمهور في أبوظبي. أما آلية الاختيار نفسها فتعتمد على تقسيم فريق العمل وتوزيعه على الأقسام والفروع المختلفة في كبرى المهرجانات الدولية لاختيار أفضل ما نشاهده فيها ونتوصل إلى القرار من خلال المناقشات اليومية بيننا، كما أن الكثير من الأفلام تصل إلينا ونقوم بتوزيع نسخ منها على أعضاء فريق الاختيار ثم نجتمع لنناقش الفيلم ونتخذ قرارا مشتركا بشأنه».


الدور الثقافي


الجابري ينتقل إلى نقطة أخرى مهمة طرحتها عليه تتعلق برؤيته لمهرجان أبوظبي ودوره الثقافي في إطار محيطه العربي، فأكد لي أولا أن الدور الثقافي للمهرجان لا ينفصل عن الاهتمام الكبير الذي توليه دولة الإمارات عموما للثقافة، وللقيام بدور فاعل في محيطها الإقليمي العربي، من خلال الاهتمام بالفنون عموما من الفن التشكيلي إلى الإبداع الأدبي.

وقال إن حضور الشيخ عبدالله بن زايد، وزير الثقافة في الإمارات، عرض الفيلم الإماراتي الذي عرض في الافتتاح، خلال عرضه الجماهيري بدار سينما فوكس وليس في قصر الإمارات، لا شك أنه مؤشر على ذلك الاهتمام الرسمي في الإمارات بالسينما كفن وصناعة. والدولة هي التي أنشأت مؤسسة تو فور 54 التي تقيم المهرجان وتدعم النشاط السينمائي في البلاد، وهذا شيء مهم ليس فقط للإمارات بل لكل العرب. هذا المهرجان يجمع السينمائيين من العالم العربي.

الدولة هي التي أنشأت مؤسسة "تو فور 54" التي تقيم المهرجان وتدعم النشاط السينمائي في البلاد، وهذا شيء مهم ليس فقط للإمارات بل لكل العرب.

وأشار إلى دور صندوق “سند” الذي يعتبره لاعبا أساسيا في مهرجان أبوظبي، وأنه يقوم بدور كبير في دعم الأفلام العربية، وأضاف أن الخبراء الذين يعملون في صندوق سند يجوبون العالم العربي خلال العام، بحثا عن مشاريع جيدة لتقديم الدعم إليها دون انتظار أن يتقدم أصحابها بها.

ويبدي الجابري شعوره بالفخر من وصول عدد كبير من الأفلام التي كان صندوق “سند” وراء دعمها إلى الكثير من المهرجانات العالمية المهمة مثل فينيسيا وكان وتورنتو ومنها على سبيل المثال فيلم “ذيب” للمخرج الأردني ناجي أبو نوار، و”المطلوبون الـ18” لعامر الشوملي. قلت له إن هذا الجانب تحديدا من أكثر النقاط التي أراها فعالة وإيجابية وأنني كنت دائما أكتب وأتكلم وأطالب بألا يقتصر دور مهرجانات السينما العربية على العرض أي على استهلاك الأفلام، بل وأن تلعب دورا في صنعها بحكم أنها مهرجانات تقام وسط مناخ سينمائي هش من حيث الإنتاج، وأنه لولا هذا النوع من الدعم المباشر لما حصل كثير من السينمائيين العرب على فرصة لإخراج أفلامهم الأولى.

حول ما يتردد عن وجود “منافسة” أو تزاحم بين المهرجانات السينمائية العربية استبعد الجابري فكرة أن يكون هذا “التجاور” يمثل مشكلة وأبدى أمنيته بأن يوفق المدير الجديد لمهرجان القاهرة السينمائي، بل إنه يرى أن كثرة المهرجانات ظاهرة صحية وأن ما يعرض فيها يحقق نوعا من التكامل، فما لا يعرض هنا يمكن أن يعرض هناك، وهكذا.

تطرقت معه أيضا إلى موضوع الرقابة التي يمكن أن تفرضها المهرجانات على نفسها. وناقشت مثالا واضحا هو فيلم “الجمال العظيم” وهو الفيلم الإيطالي الجريء، فأكد لي الجابري، بحماس بالغ، أنه أعجب بهذا الفيلم كثيرا وكان يريد عرضه في المهرجان وإن كان فريق العمل تأخر في الاتفاق على عرضه وقد عرض في مهرجان دبي، وهو عمل شعري يتجاوز المألوف. ولكنه أضاف أن هناك بعض الخطوط الحمراء التي لا يجب تجاوزها بحكم طبيعة الثقافة العربية وطبيعة المنطقة عموما.

ختم الجابري حديثه معي بأن هناك ارتياحا عاما بين الجميع بخصوص الدورة الحالية، وأن كل الحاضرين من النقاد والسينمائيين العرب وغيرهم، يشيدون بالاختيارات وبكثرة الأفلام المتميزة فنيا وربما تكون المشكلة هي أنهم يرغبون في مشاهدة كل الأفلام لكن يتعين عليهم الاختيار والمفاضلة في النهاية، وأما إذا طرحت بعض الأمور داخل الإدارة نفسها أو بعض الملاحظات من جانب المؤسسة التي تقيم المهرجان، فإنها تناقش بكل شفافية وصراحة على أن يتحمل هو المسؤولية في النهاية ويحاسب أيضا على اختياراته.

16