علي الجليطي ينفض الغبار عن علم من أعلام تونس خلال القرن العشرين

الثلاثاء 2015/02/17
علي الجليطي: حياة بن محمود تعكس جوانب مهمة من التاريخ التونسي

كان لا بدّ من كتاب "نور الدين بن محمود علم من رواد الإعلام (1914-1990) "الذي ألّفه علي الجليطي، وحقّق الوثائق التي تضمنته، لكي نتعرف على المسيرة النضاليّة لرائد الصحافة التونسيّة، أعني بذلك الراحل نورالدين بن محمود، الذي تعكس حياته جوانب مهمّة من التاريخ التونسيّ المعاصر سواء خلال الاستعمار، أو التي أعقبت الاستقلال.

كان علي الجليطي محقّا عندما أشار في مقدمة كتابه عن الراحل نور الدين بن محمود إلى أن الهدف من مؤلفه هو “نفض الغبار عن شخصيّة وطنيّة فذّة، وعن علم من أعلام تونس خلال القرن العشرين ملأ البلاد، وشغل الناس مشرقا ومغربا”.

وبالفعل، كان نورالدين بن محمود متعدّد المواهب، واسع الثقافة، متقنا للغة الفرنسيّة، انشغل بالسياسة وبالأدب والفن، ولعب دورا أساسيا في بعث صحافة حرة أزعجت السلطات الاستعماريّة، والعديد من الشخصيات في الحركة الوطنيّة خصوصا خلال الصراع المرير بين الزعيمين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف أواسط الخمسينات من القرن الماضي. إلى جانب كلّ هذا، حرص نورالدين بن محمود على ربط علاقات ثقافية وفنية وسياسية وثيقة بين تونس ومصر، وبقية بلدان المغرب العربي.


شغف القراءة


ينتمي نورالدين بن محمود، المولود بالعاصمة عام 1914 إلى عائلة مترفهة، عرفت بحبها للعلم والمعرفة، وتشبّثها بالتقاليد التونسية العريقة والأصيلة. ومنذ الطفولة انجذب إلى الفن، وإلى الأدب.

وكان يمضي جلّ أوقاته في قراءة المجلات والكتب. وبين وقت وآخر، كان يرافق والده لحضور مجلس الأعيان من السياسيين، والمحامين، ورجال القضاء ليستمع إليهم وهم يخوضون في قضايا مختلفة.

وبعد أن أكمل دراسته في”المدرسة الصادقيّة”، انتقل إلى مدينة بوردو الفرنسية ليحصل من جامعتها على شهادة الليسانس في الآداب العربية، معدّا أطروحة عن ابن رشيق شاعرا وناقدا.

وبعد عودته إلى تونس في أواسط الثلاثينات من القرن الماضي، أصبح نورالدين بن محمود فاعلا في الحياة السياسية والثقافية، ورمزا من رموز النخبة التونسية المتطلعة إلى الرقي والتقدم، إلى جانب الأستاذ عثمان الكعاك.
كان يستغل رحلاته للتعرف على أحوال الشعوب العربية الإسلامية وهمومها ومشاغلها


صراع ومنفى


كان نورالدين بن محمود من أوائل المساهمين في بعث الإذاعة الوطنية، مقدّما برامج ثقافية وفنيّة، مشجعا من خلالها المرأة التونسية على اقتحام مختلف مجالات العمل، ومدافعا بقوة عن اللغة العربية التي كانت مهانة، ومهدّدة بالانقراض بسبب سياسة الفرنسة التي كانت تنتهجها السلطات الاستعمارية. كما أنه كان مولعا بالمسرح، متابعا لنشاطات وعروض الفرق المسرحيّة الصغيرة والكبيرة على حدّ السّواء، ومنوّها بالمواهب الشابة.

وفي الصحف والمجلات التي كان يساهم بالكتابة فيها، كان يعرّف بالكتاب والشعراء الجدد بطريقة طريفة لم يسبق لها مثيل. وعلى المستوى السياسي، كان نورالدين بن محمود عنصرا بارزا في الحركة الوطنيّة، متمتعا بثقة وتقدير زعمائها الكبار من أمثال الحبيب بورقيبة، وصالح بن يوسف، والمنجي سليم وغيرهم.

وكانت مقالاته الساخنة تثير حفيظة السلطات الاستعمارية. لذا قامت في أكثر من مرة بعرقلة نشاطاته، معطلة الصحف والمجلات التي كان يكتب فيها. ولم يغفل نورالدين بن محمود عن ربط تونس بمحيطها الحضاري العربي- الإسلامي.

كان يستغل رحلاته للتعرف على أحوال الشعوب وهمومها

وهذا ما يفسر كثرة تنقلاته بين العديد من البلدان العربية. وكان يستغلّ رحلاته إلى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج للتعرف على أحوال الشعوب العربية الإسلاميّة وهمومها ومشاغلها.

كانت القاهرة أحب العواصم العربية إلى قلب الر احل نورالدين بن محمود وروحه، وأكثر استجابة لتطلعاته الثقافية والفنية والفكرية. فيها تعرّف على كبار أدباء مصر من أمثال طه حسين وعباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم وغيرهم.

رافق في العديد من المرات فنانين تونسيين كبارا من أمثال علي الرياحي إلى العاصمة المصرية. وفي صور نشرت في كتاب الأستاذ علي الجليطي نراه يحضر حفلات خاصة في بيوت عمالقة الموسيقى المصرية من أمثال محمد عبدالوهاب وفريد الأطرش وغيرهما.

وفي أواسط الخمسينات من القرن الماضي، بدأ نورالدين بن محمود يواجه متاعب خطيرة بسبب احتدام الصراع بين الزعيمين صالح بن يوسف والحبيب بورقيبة، وقد اتهمه أنصار هذا الأخير بالانتصار للأول. وبعد فرار صالح بن يوسف إلى مصر، وتفاقم حملات قمع المساندين له، ازدادت أوضاع نورالدين بن محمود سوءا.

لذا عجل بالسفر إلى فرنسا، وكان عليه أن يمضي 17 عاما في منفاه الباريسي قبل أن يتمكن من العودة إلى تونس عام 1973، وقد أمضى السنوات الأخيرة من حياته منكبا على كتابة مذكراته.

وبعد وفاته عام 1990، رثاه الشاعر والأكاديمي عبدالعزيز قاسم قائلا “كان نورالدين بن محمود نموذجا للمثقف التونسي الأمثل (…) ولقد جعلت منه ثقافته وسعة اطلاعه على فتوحات وسائل الاتصال من أكثر صحفيي تونس فهما لمستلزمات الصحافة الحديثة؛ من تنوع للخبر وخفة الأسلوب والإحاطة بالموضوع لضمان وجاهة التحليل والتعليق”.

14