علي الحازمي: التغيير في السعودية حقيقي وهو انتصار لقوى الشباب

الشاعر السعودي يؤكد أن قصائده معنية بالإنسان وهمومه وأحلامه البسيطة، وأن القطيعة التي يمارسها النقد تجاه الإصدارات الشعرية الجديدة سوف تسهم في تهميش جيل شعري حالي.
الخميس 2018/09/06
الأجيال الشعرية تحرض بعضها البعض

يعدّ علي الحازمي من أهم الأصوات الشعرية السعودية، فمن خلال تجربته الممتدة لربع قرن يستطيع المتابع الوقوف على أهم الملامح في تطور النص الشعري من ثمانينات القرن الماضي حتى زمننا الراهن، إذ يشكّل الحازمي مع مجايليه المرحلة الوسطية الرابطة بين جيل الثمانينات من القرن الماضي وما قبله والجيل الجديد. “العرب” كان لها معه هذا الحوار.

صدرت مؤخرا عن الدار العربية للعلوم ناشرون بالشراكة مع نادي جازان الأدبي المجموعة الشعرية الجديدة للشاعر السعودي علي الحازمي حاملة عنوان “الآن في الماضي”، وتأتي هذه المجموعة بعد عدة إصدارات شعرية عربية ومترجمة.

ويرى الحازمي أن كتابة الشعر قد لا تحدث بالضرورة الكثير من التغيير في الواقع، لكنه يؤكد على أنها تضاعف من تعلق الأرواح بالأمل، فهو، وعلى المستوى الشخصي، كان ولا يزال يكتب الشعر لحاجة ذاتية محضة، تمدّه بذلك القدر من الشعور بالاتزان الداخلي، لذلك لا ينتظر من الشعر أكثر مما أعطاه، ولم يكن متطلبا في ما يتعلق بالجدوى من كتابته.

الشعر والترجمة

في بداية حديثه لـ”العرب” يقول الحازمي “من مصلحة القصيدة أن يكون الشاعر متصالحا مع ذاته ومحيطه بغية تحقيق ذلك القدر من السلام الداخلي، السلام الذي يفترض أن تحققه الكتابة، الفنون الإنسانية معنية على الدوام بإمداد الروح بالكثير من الحياة والجمال والأمل”.

خلال خمسة وعشرين عاما في الاشتغال الشعري، قدّم الحازمي تجارب شعرية كثيرة، ووقف عبرها على تحولات عميقة في نصه على مستوى الأسئلة والقضايا التي تسكنه منذ 1993، حيث أصدر مجموعته الأولى، وحتى الآن. فهو مؤمن بأن لكل مرحلة من مراحل التجربة يمتلك الشاعر أسئلتها الخاصة، لكن الشعر -بحسب رؤيته- يظل هو الشعر، خارج عن كل الأطر، وعَصيّ على الترويض.

من مصلحة القصيدة أن يكون الشاعر متصالحا مع ذاته ومحيطه بغية تحقيق ذلك القدر من السلام الداخلي

ويقول في هذا الشأن “دائما ما كنت أجد قصائدي معنية بالإنسان وهمومه وأحلامه البسيطة، لعلّي سعيت بشكل شخصي من خلال ما أكتب إلى الانتصار لتلك الآلام والخيبات التي تطوّق أجنحة الفؤاد، الشعر عادة يستجيب للحياة، بكل متغيراتها، لذلك هو في تجدد مستمر، إنه يشبه النهر لدرجة بعيدة، بمياهه المتدفقة والمتجددة، ومع ذلك وبرغم مرور كل هذه السنوات إلا أنني مازلت أشعر بنفس حيرتي الأولى أمام الورقة البيضاء عندما أجلس لكتابة قصيدة جديدة”.

ترجمت للحازمي مجموعة نصوص لعدة لغات من بينها الإسبانية والفرنسية والإنكليزية والتركية والرومانية، هذه الترجمات المتعددة دفعتني للتساؤل معه حول مدى قلقه حيال تحوّل سؤاله الشعري الخاص جرّاء الترجمة؟ وهل من الممكن -فعلا- أن يذهب الشعراء بهمومهم وأسئلتهم إلى القارئ الآخر دون المساس بها.

ويجيب الشاعر “على العكس من ذلك، لا أشعر بأي قلق مصاحب حيال مسألة الترجمة، لعلّي كنت محظوظا بأن أغلب من ترجموا قصائدي هم بالأساس شعراء، والحقيقة أنني لمست من خلال قراءاتي الشعرية ببعض مهرجانات الشعر بالعالم إشادات متكررة من الحاضرين حول جودة الترجمة، بالرغم من إشكالات الترجمة وما فيها من خيانة للنص الأصلي إلا أنها قد تصل بشكل رائع للمتلقي في اللغة الأخرى متى ما كان المترجم يمتلك ذلك القدر من الاستعداد الداخلي لنقله للآخر بكل جوارحه، كل هذا يعتمد على المترجم وحده، وعلى حجم تفاعله مع النص الذي يود القيام بترجمته، لذلك يفترض أن تكون هناك ثقة عميقة بين الشاعر والمترجم، ثقة نابعة من إيماننا بأن المترجم هو شريك حقيقي في خلق النص من جديد”.

لا يدين الحازمي لأحد في الشعر، لكنه يشير إلى قراءاته التحريضية لمجموعة تجارب جاءت في السبعينات والثمانينات من القرن الماضي.

يقول متحدثاً عن راهنية الشعر السعودي المعاصر “دائماً ما كنت أرى أن الأجيال الشعرية تلهم بعضها البعض، وتسهم في الوقت ذاته في مسألة التحريض على مواصلة الكتابة، ولعلّي على المستوى الشخصي لم أشعر بأنني كنت مديناً لأحد، لكن هذا لا يمنع بأنني قرأت وأحببت تجارب شعرية رائعة كانت قد سبقتنا زمنياً للمشهد الشعري المحلي أمثال: محمد العلي والدميني والثبيتي والصيخان والحربي وغيرهم. أما في ما يتعلق بالراهن الشعري في السعودية فأظنه لا يختلف بالضرورة عن راهن الشعر في أغلب البلدان العربية، هناك أصوات شعرية شابة لافتة استطاعت بموهبتها وتميزها أن تفرض حضورها الشعري محلياً وعربيا، وأن تترك أثرا مهما في وجدان الناس”.

النقد والحداثة

إمداد الروح بالكثير من الحياة والجمال والأمل
إمداد الروح بالكثير من الحياة والجمال والأمل

عن مواكبة حركة النقد للنص الشعري المعاصر في السعودية، يقول الحازمي “في فترة الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي كان النقد حاضرا بشكل لافت، واستطاع أن يواكب أغلب الأصوات الشعرية في تلك الفترة، حاليا -وبكل أسف- لا أستطيع أن أجزم لك بوجود نقد في السعودية، سواء كان نقدا للشعر أو للرواية، هناك جهود خجولة من اسم أو اسمين، لكنها جهود غير كافية بالمطلق، لعل فداحة المشكلة تكمن في وجود أصوات شعرية شابة مدهشة تستحق أن تحظى بذلك القدر الكافي من العناية والتقدير، إن هذه القطيعة التي يمارسها النقد تجاه الإصدارات الشعرية الجديدة سوف تسهم بطريقة أو بأخرى في تهميش جيل شعري حالي، وتحرم تجربته من أن تنال نصيبها من الضوء والاشتغال النقدي”.

وفي معرض الحديث عن الحداثة وتيار الصحوة يرى الحازمي أن الموقف السعودي الرسمي حيال تيار الصحوة لم يكن بمعزل عن إرادة الناس، بل يكاد يكون انعكاسا طبيعيا لرغبتهم في الانفتاح على العالم واللحاق بالعصر.

ويقول “المواطن السعودي بطبيعته إنسان متسامح، ولديه استعداد لتقبل الأخر مع الحفاظ على قيمه الدينية وروحة العربية الأصيلة، إن هذه الثورة الواسعة على كل مظاهر التشدد والتطرف الديني حتى وإن جاءت متأخرة زمنيا إلا أنها ستكون قادرة على إعادة الحياة السوية المعتدلة في السعودية لأبهى صورها الممكنة”.

ويتفق الحازمي مع بعض الدارسين لتاريخ الصراع بين الحداثة والصحوة في ثمانينات القرن الماضي، في وصفهم للصراع بـ”الصراع النصي”، إذ لم تستطع الحداثة -بحسب قوله- خلاله تشكيل منظومة إنسانية مدنية ضمن مشروع مؤسساتي شامل تكون الثقافة الحرة هي الرافعة الحقيقية لها، بمعنى أن الحداثة في السعودية كانت مجرد صراع بين تيارين اجتماعيين ضمن سقف محافظ واحد.

ويستأنف شاعرنا رأيه بأن ذلك كان مرتبطا بفترة ماضية خلت، على عكس ما يحدث الآن، يقول “الآن نحن أمام جيل شاب وإرادة حقيقية في التغيير للأفضل، جيل متعطش يود أن يعيش ويلمس كل تلك التغييرات التي يستطيع معها أن يحقق ذاته ويسهم في بناء وطنه.

15