علي الحديثي شاهد على كرامات مهدورة وإنسانية منتهكة

أسماء المعتقلات في البلدان العربية تظلّ محفورة في وجدان صانعي قصص التعذيب ومتلقّيها من الجمهور القارئ، تلك القصص التي تتناول تفاصيل ما يحدث في الزنازين المظلمة، إنّها الذاكرة التي أفرغها أصحابها دفعة واحدة مع لحظة الإشراق في الكتابة، علي الحديثي كاتب وروائي عراقي استضافته “العرب” بمناسبة صدور روايته “ذكريات معتّقة باليوريا”، تلك الفصول التي كان شاهدا عليها في المعتقلات الأميركية بالعراق؛ أبوغريب، الناصرية، بوكا في الجنوب، مخزون لقصص لم ترو بعد عن حاضر قريب.
الثلاثاء 2015/10/13
المعتقل ليس تجربة شخصية أردتها، ولكنه حدث مر بي مرغما

علي الحديثي قاصّ وروائيّ عراقي، يحمل إجازة في الآداب والعلوم الإنسانية، في تخصص اللغة العربية وآدابها، عضو في اتحاد الأدباء العراقيين ونقابة الصحفيين، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان “المعبث” ورواية “ذكريات معتّقة باليوريا” وله رواية قيد الطباعة.

وقع الكاتب العراقي علي الحديثي أسيرا مدنيّا لحرب كان على ضفّتها شاهدا على ما حدث، في عام 2005، اقتيد مع آخرين إلى أبوغريب حيث قضى شهورا، قبل أن يتم ترحيله إلى بوكا على الحدود العراقية الكويتية، هو اليوم لا يذكر الطريق فالطائرة العسكريّة التي أقلّته إلى الجنوب، لم تتح له متعة النظر من نافذتها ليرى العراق السليب لحظتها، كان المساء قد حلّ قبل أن يرى “بوكا” الذي يقول عنه اليوم “إنّه لم يكن معتقلا بقدر ما كان عراقا مصغرا”.

الكاتب الأسير

تفاصيل المعتقل في خيامه المنتشرة وانفراداته البعيدة، علاقة الحارس مع المعتقلين، طوابير الطعام خلال الوجبات الثلاث، يتذكّرها الحديثي اليوم بكل تلك التفاصيل التي من الممكن لكاتب أن يختزنها في فصل من روايته، التي وثّقت معاناته خلال الاعتقال “ذكريات معتّقة باليوريا”، ذلك الفصل حمل اسم “يوم من هناك”، فالأيام متشابهة كما يعترف ضيفنا، هي لا تختلف إلا بأسمائها، عندما يستذكرها يشعر أنها أيام تشبه جثثا ممددة في قبور الزمن.

تفاصيل من خلف القضبان، على امتداد الرمال يرويها مؤرّخا للحظات التي عاشها، معتمدا على لغة شاعرية استند من خلالها على المونولوج الداخلي للأشخاص العابرين في رحلة الاعتقال، يدرك علي الحديثي أنّ الوصف النفسي لما يحدث لا يقلّ أهمية عن توثيق الزمان والمكان والحدث معا، فالعامل النفسي هنا جزء من الحدث الذي امتدّ على طول فصول الرواية، لذا نراه في أماكن عدّة تختلط عنده الحواس، فالمعتقل مجرّد حتى يستردّ الحرية التي تقوده إلى الحياة من جديد.

الكتابة والتوثيق

نسأله عن خطوته الأولى على رمال أم قصر في معتقل “بوكا”، هل أراد أن يعيش التجربة كشخصيّة روائيّة أم أنّه ترك للقدر القرار قبل أن يقوم هو بالتأريخ والتوثيق وإعادة إنتاج الأحداث، ليقول إنّ المعتقل ليس تجربة شخصية أرادها، ولكنه حدث مرّ به مرغما، كما مرّ به كثير من العراقيين بتهم لا صحة لها، الفرق هنا يكمن أنّ ضيفنا كتب الحدث بأسلوب الرواية، فضلا عن التوثيق التفصيلي لمرحلة مهمة مرت بالعراق، تلك الأيام التي تسرّب جزء منها عبر الإعلام في إطارها العام وبقيت التفاصيل رهينة ذاكرة من عاش التجربة حتّى النهاية.

معاناة داخل المعتقلات الأميركية في العراق

تلك الحياة المسلوبة منها الحريّة، تتضمن في رواية الحديثي حالات تكثيف اللحظات الشعورية لدى الشخوص المتعدّدة، فالشعور هنا هو الحدث الذي يوازي فكرة الاعتقال ضمن لعبة العمل الروائي الذي يقدّم فترة صعبة عقب احتلال العراق.

الروائي عندما يكتب فهو لا يكتب سيرته، وإنما سيرة إنسان، بحسب الحديثي الذي يرى أنّ مهمّة الكاتب هنا تقوم على فكرة خلق إنسان جديد مركب من أحداث ومواقف يستمدها من ذاته ومن العالم المحيط به، فالبشرية تكاد تتشابه في مواقفها ومشاعرها، فكرة الاعتقال التي قدّمها علي الحديثي لم تكن تقتصر على العراق فحسب، بل تخرج إلى عالميتها من خلال تشابه القصص التي يعيشها المعتقلون على امتداد الأرض، تفاصيل يصلح أن يكون بطلها عراقيا في “بوكا” أو في مكان آخر.

تميّز الحديثي أنّه ابتعد في روايته عن السارد العليم فأتت الأحداث بشخصية البطل نهاد كشخصية مركّبة لكنّها أقرب إلى الفيلسوف، أسأل ضيفنا الروائي العراقي عن سرّ اختياره لشخصيّة حكيمة رغم أنّ غالبية المعتقلين في بوكا كانوا أناسا عاديين لا يمكن وضعهم في قالب مركّب، ليقول إنّ المعتقل ضمّ شخصيات ذات شهادات عليا في علوم مختلفة، فكان هناك دكتور في العلوم السياسية، وآخر في الجغرافيا، فبين أرجائه الواسعة الضيّقة تجد في آن كل شيء، فلم تكن شخصية نهاد ذات الطابع الفلسفي غريبة في ذلك المكان، وإن كان يشعر بالغربة بسبب طبيعته المنعزلة، كما يقول ضيفنا.

العراق سيرة ذاتية

في ثنائيّة العزلة والانفتاح قدّم علي الحديثي شخصيّتي نهاد وسعيد، كشاهدين على أحداث الرواية، فكان التناقض المنعكس على الحياة ككل مرتكز السرد، فالتناقض كما يراه ضيفنا هو أحد أسباب استمرار الحياة وجمالها، بشرط ألّا يتحوّل إلى خلاف.

حكاية في قلب حكايات متعدّدة قدّمها الحديثي عن سجن أبوغريب وبوكا معا، بين لحظة الاعتقال والإفراج تتوزّع السرديات التي تتضمّن مونولوجا واسعا يستحضر من خلاله المعتقلون إنسانيّتهم المنتهكة داخل سياج المعتقل، سير ذاتيّة لمعتقلين وسجّانين مدانين كشف وحشيّتهم الراوي ضمن التفاصيل البشعة التي قدّمها بوصفه شاهدا عليها.

يصف العراق اليوم بأنّه بلد ثريّ بكل شيء، بخيراته، بعقوله، بتنوعه الديني والقومي والمذهبي، بتاريخه، بحضارته، هذه الأشياء كما يراها الحديثي تمنح العراق التكامل، ذلك التكامل يجعله مخيفا لمـن يكـرهه ويحقد عليه، فالمظاهرات التي تعمّ المـدن العراقية اليوم ما هي إلا دليل على أن الشعب قلب واحد وصوت واحد كما يراها ضيفنا، فالحرية عنده هي الإنسان، وعندما يفقد إنسان حريته فهذا يعني أنه فقد الإنسان الذي يعيش بداخله، ولم يبق منه إلا جثة تتحرك في قبر كبير اسمه الوجود، وجود بلا حياة.

15