علي الزنايدي رسّام كل التونسيين في معرض استعادي

"رؤى الحاضر والذاكرة" تتجسّد ألوانا وأشكالا لتؤلف بين مدارس فنية مختلفة.
الخميس 2020/11/26
تشابك فريد بين الظلال والأضواء

يفتتح، الجمعة، “رواق الفنون” بمحافظة بن عروس التونسية، موسمه الثقافي الجديد 2020-2021، عبر معرض استعادي حقبوي للفنان علي الزنايدي تحت عنوان “رؤى الحاضر والذاكرة”، وفيه يستعرض التشكيلي التونسي المخضرم آخر إنتاجاته الفنية في العشرية الأخيرة عبر أربعين لوحة تسرد الشخصية التونسية بريشة جامعة لشتى المدارس الفنية الممكنة.

تونس - ضمن مشهدية بانورامية مفتوحة على تجربة تشكيلية تونسية شديدة الخصوصية، يفتتح «رواق الفنون» بمحافظة بن عروس التونسية، غدا الجمعة، المعرض الاستعادي الحقبوي «رؤى الحاضر والذاكرة» للفنان التشكيلي التونسي المخضرم علي الزنايدي (70 عاما).

معرض قال عنه الزنايدي في تصريح لـ”العرب”، “هو ليس معرضا استعاديا بمفهومه الشامل، بل هو معرض يمكن أن يصطلح على تسميته بالحقبوي، إذ يشمل آخر إنتاجاتي التشكيلية في الفترة الممتدة بين 2012 و2020، أي ما بعد ثورة 14 يناير 2011”.

وهذا التخصيص الزمني مهم، لكل من يروم زيارة معرض الزنايدي الذي يتواصل حتى التاسع من ديسمبر القادم، علّه يرى عن كثب أي تطوّر حاصل في المنجز الفني للفنان الذي عرف بغزارة إنتاجه منذ تخرّجه من معهد الفنون الجميلة بتونس العاصمة في العام 1974، وحتى اليوم.

بانوراما الحنين

نوستالجيا حميمية لزمن أصيل
نوستالجيا حميمية لزمن أصيل

عن جديد أعماله يقول علي الزنايدي “يأتي المعرض ليشمل أربعين لوحة بقياسات وأحجام مختلفة، غالبيتها من الحجم المتوسط، لتسرد جانبا ممّا علق في ذاكرتي من أيام طفولتي البكر وشبابي النظر وأيضا من حاضري الراهن، حيث كنت أعيش بباب الفلة المتاخم للعاصمة تونس، تلك المنطقة التي كانت تقطنها الطوائف اليهودية والمسيحية وطبعا المسلمة في تعايش فريد من نوعه، أّثّثت دون وعي مني، أو بعبارة أدق أسّست لزخرف الألوان والحركات التي احتلت قماشتي البيضاء، فما عادت بيضاء، بل تحوّلت إلى قوس قزح من الضوء المستمدّ من حركة باعة الخضار والغلال وتجار السراميك والزرابي والمفروشات المتناثرين على أرصفة الطريق في سبعينات القرن الماضي”.

وهكذا هي “باليتة” ألوانه لا تقف عند حد فاصل بين المدارس العالمية وحتى التونسية منها، فترى في بعض لوحاته أثرا لـ”مدرسة تونس” المحتفية بالمدينة العتيقة كمفهوم جمالي مطلق، وكمكان ملهم تتشابك فيه الظلال والأضواء على حد سواء، وكذلك بما تكتنزه من ثقل تاريخي وزخم الحياة فيها وتفرّد أهلها بالحركة الجمالية العفوية.ألوان وأشكال وحركات أفرزتها ريشة فنان تونسي نهل من جل المدارس الفنية العالمية فلم يستقر على مدرسة واحدة ولا لون واحد، بل ظل طوال خمسة عقود من الاشتغال الفني الجمالي يتنقل بين المدارس الفنية بحسب طبيعة ومتطلبات كل لوحة وما علق بؤبؤي عينيه من مشاهد مرّت سريعا، لكنّها حفرت عميقا في ذاكرته ووجدانه، فهذه عفوية، وتلك سريالية، وثالثة تجريدية، ورابعة واقعية وخامسة تعبيرية.

من هناك تحضر في لوحات علي الزنايدي الثيمات الثقافية القديمة المشكّلة للهوية التونسية كالرموز البربرية والأمازيغية والفينيقية وأيضا الصحراوية، وإن في شكل رسوم مصغّرة ميكروسكوبية بالكاد تلمحها في رحاب لوحاته الممتدة والمشبعة بالتفاصيل الفلكلورية والتراثية، لكنها تفاصيل منجزة بريشة خبير ألوان وأشكال يزاوج بين الماضي والحاضر دون أن يربك أحدهما الآخر.

علي الزنايدي: كل يوم عندي يمثل إعلانا عن لون جديد وشكل جديد وربما تقنية جديدة

لوحات لا تستثني من جماعة “مدرسة تونس” أحدا فنرى روح عمار فرحات وإبراهيم الضحاك وعبدالعزيز القرجي وعلي بن سالم وزبير التركي حاضرة من خلال شخوصهم التونسية الأصيلة، بستراتهم التقليدية وسراويلهم الفضفاضة و”الشاشية” (طربوش تقليدي) الحمراء التي تحيل إلى لون الدم رمز العلم التونسي المضرّج بدماء الشهداء. نراهم في لوحة المصلين المصطفين وراء إمام خمس أو وهُم في رحاب أحد الأولياء الصالحين ذات سمر رمضاني، في نوع من النوستالجيا الحميمية لزمن رحب سمته التسامح والتآلف المجتمعي.

كما نرى استلهامه من “مجموعة الستة” الطلائعية التي أتت نقيضا لـ”مدرسة تونس” التراثية في نبذ للتقليد الأعمى لبعض الرسامين الفرنسيين الذين كانوا يقيمون بتونس في زمن الاستعمار وغداته، والذين أثّروا في رواد “مدرسة تونس” فأتت “مجموعة الستة”، وعلى رأسهم الفنان الراحل نجيب بلخوجة، متصّدين بالنقد والرسم لتوظيفهم الساذج للتراث والفولكلور المحليين في شكله السطحي دون إضافة أو ابتكار.

وإن كان بلخوجة ابتكر قبابه الممتدة في شكلها الأفقي مجسّدا من خلالها مدينته الطائرة أو العائمة في رحاب فضاء الحرف العربي ومعمار مدينة تونس العتيقة، لتتشكّل في تكرار تناغمي يحيل إلى التجريد المُنضبط، فغير بعيد عنه تأتينا بعض لوحات الزنايدي في شكلها التشخيصي المبعثر على امتداد أفقي، فترى مشاهد لأناس فرادى وجماعات بين ساكن ومتحرّك تلتحم أجسادهم ببنيان عتيق في تدرّج أفقي يختلط بامتداده العمودي، لتغدو اللوحة أدراجا مُتراصة فوق بعضها البعض كل دُرج فيها يروي حكاية ناسه وجلاّسه.

ومتى أردت استراق السمع لأسرارهم ما عليك سوى الصعود بعينيك إلى الطابق الذي يليه، إن صحّ التوصيف، فتسمع ثرثرة الألوان المُنسابة على فضاء لوحة جامعة لكل المتناقضات في أناقة باذخة التفاصيل، لا يُتقن أبجدياتها سوى فنان اسمه علي الزنايدي.

حميمية الخلود

يقول علي الزنايدي في معرض حديثه مع “العرب”، “كل فصل، بل كل يوم عندي، هو إعلان عن لون جديد وشكل جديد وربما تقنية جديدة، حيث تمتزج في اللوحة الألوان كما الأشكال والتقنيات، فأعتمد الكولاج حينا والأكريلك أو الباستال في أخرى والألوان الزيتية في ثالثة بطريقة المسح أو الانسياب الطلائي، وقد أمزج بينها جميعا في رابعة لتتشكّل اللوحة في كل مرة بمفردات مغايرة عن التي سبقتها، لكن الشيء الجامع بينها جميعا هي أصالة البيئة التونسية بحكاياتها وأشجانها وبمختلف رموزها وعلاماتها”.

في لوحات الزنايدي تحضر الثيمات الثقافية القديمة المشكّلة للهوية التونسية، وإن في شكل رسوم ميكروسكوبية

وللكولاج في لوحات الزنايدي مسار خاص يروي عبر أوراق الصحف، أو ربما يوثّق من خلالها يوميات التونسي، كل التونسيين دون استثناء، شيبا وشبابا، ذكورا وإناثا، في انشغالاتهم الحياتية البسيطة، وهم متجهون إلى السوق، أو وهم عائدون من أعمالهم، والصغار في لهوهم الفطريّ، والمرأة/ ربة البيت، وهي تتبضّع ما تيسّر من خضر وغلال كي تعدّ طبقا مشتهى لزوجها وأبنائها.. وفي كل هذا تظهر أوراق الصحف معبّدة لهم طريق الاستمرار في السير على قيد الحياة، كأنها الرصيف، أو المسلك الآمن المفضي إلى خلود الحركة في بساطتها وسذاجتها وتلقائيتها، هو توثيق للآني في الزمن المستقلبي.

ذاك هو علي الزنايدي رسّام كل التونسيين في كل حالاتهم وحيواتهم، ظل وفيا لبستان ألوانه الذي يقطف من كل تونسيّ أفضل ما لديه من أزهار وعطور، لينفثها في لوحاته العابقة بالحنين إلى الأصيل والمستشرفة لما هو حديث، مع تعمّد صارخ باتجاه إقصاء كل منغّص طارئ على الشخصية التونسية التي شكّلها ولا يزال يشكّلها الفنان وفق ذاكرته البصرية المُشبعة بالبهجة والأمل، حتى في أحلك الفترات التي يمرّ بها وطنه وأهله من حيث الانتكاسات الاقتصادية والتشرذم المجتمعي والمخاطر الصحية العاصفة.في أعمال الزنايدي الأخيرة، خاصة المنجزة في العام 2020، يغيب كوفيد – 19 بكل مخاطره وفواجعه، فلا كمامات ولا منغّصات ولا تباعد جسدي، بل على العكس تماما، تعانق حميمي بين كل الطبقات والأعمار، تعانق وتلامس شمل الإنساني والحيواني على السواء، فلا فرق في لوحات الفنان بين فقير وغنيّ إلاّ بمدى عمق اللقطة وما تحيله من ثراء في المعنى والمبنى، ولا فرق بين كبير وصغير إلاّ من خلال سحر التواصل الحاصل بينهما وما يُقيمه من أخذ وعطاء، ولا فرق بين إنسان وحيوان عدى عنفوان بهائهما وتكاملهما في الجلبة والحركة على سطح قماشة تجمع الكل بالكل في زمن تخلي الكل عن الكل حيطة وحذرا.

ولا باق في لوحات الزنايدي سوى وطنه المشتهى وأهله الطيبين، كما يودّ لهم أن يكونوا، وعلمه المرفوع دائما وأبدا في خيلاء بالساحات العامة والعامرة ببهرج الألوان وسرمدية الإمكان.

استلهام من “مدرسة تونس” دون تقليد
استلهام من “مدرسة تونس” دون تقليد

 

16