علي الشهابي كاتب فلسطيني في سجون المقاومة والممانعة

السبت 2014/12/06
الشهابي كاتب شهد تضاريس المعارضة السورية ورأى الإخوان حزبا طائفيا

يصف الكاتب والطبيب راتب شعبو بيت صديقه علي الشهابي بالقول: ”كان بيت الصديق علي الشهابي هو مقصدي الأول، كانت تبدو لي معالم شارع فلسطين المفضي إلى بيته أليفة ومحببة من مدخل الشارع إلى معهد الخيام مرورا بأشجار الكينا الضخمة أمام مبنى البلدية وبعربات بيع الخضار والألبسة وألعاب الأطفال، ووجوه أهل المخيم المتعبة، حتى الزحمة كانت محببة وأليفة في الطريق إلى ذلك البيت العريق الذي يختصر المخيم في رحابة الصدر واحتضان من ضاقت بهم البلاد جراء الملاحقات الأمنية ومحاربة من شقوا عصا الطاعة من أصحاب الرأي والموقف المستقل. حتى أمّه كانت أمّا لكل أصدقاء علي، كانت تحتفظ في قلبها بمعاناة كل منهم، ذلك أنهم جميعا أصحاب معاناة”.


تحت سماء المخيم


تعرض بيت أمّ علي، كما غيره من بيوت المخيم، إلى آثار النيران وهجره أهله ليبقى مجرد ذكرى حية. نقصت سماء المخيم نجمة حين توفيت أمّ علي، واعتقل علي، وصار البيت العربي مهجورا. وتشتت من احتضنهم هذا البيت، منهم من ابتلعته الأقبية مع علي، ومنهم من ابتلعته الأرض، ومنهم من ابتلعته الغربة في أصقاع الأرض، غير أن أسماء المخيم لا تخسر نجمة حتى تلد أخرى وأخريات، نجوم لا تضن بنورها على طالبي النور.


سوريا إلى أين؟


علي الشهابي ناشط سياسي فلسطيني ولد في العام 1955، مدرس لغة إنكليزية متقاعد، عمل بالتدريس لصالح منظمة الأونروا، وكان له معهد خاص بالتدريس في مخيم فلسطين باسم معهد الخيام، اعتقل أواسط شهر ديسمبرمن العام 2012، من قبل فرع فلسطين العسكري، ولا يعرف عنه شيء منذ اعتقاله، ما يثير المخاوف على حياته، وكان الشهابي قد اعتقل في العام 1975، وأمضى في المعتقل حوالي العام، ثم اعتقل مرة ثانية في العام 1982، بتهمة الانتماء لحزب العمل الشيوعي، رغم أنه كان قد ترك الحزب، بعد خروجه من السجن في العام 1991، أصدر كتابه الأول في العام 1992، بعنوان”البنية الجديدة للعالم”. وكتابه الثاني”سوريا إلى أين؟” في العام 2005، كما نشر عشرات المقالات والدراسات.

واعتقل للمرة الثالثة حين تم استدعاؤه من قبل أمن الدولة في دمشق في العام 2006، حينها تعرض للضرب والإهانة والتعذيب بكافة أشكاله وبعد شهرين تم تحويله إلى القضاء، بتهمة تأسيس حزب مناهض للدولة، والتوقيع على إعلان بيروت – دمشق.

يصف الشهابي الأمركة بالقول إنها 'محاولة الولايات المتحدة السيطرة على العالم لا لترسمه على صورتها بل لتصوغه بالشكل الذي يحقق مصالحها'


العولمة


يعرّف الشهابي العولمة بأنها “عبارة عن حرية حركة الأفراد والبضائع في كافة أرجاء المعمورة. ويتجلى هذا في مسار طويل الأمد عبر سلسلة عمليات دمج واندماج للأمم والشعوب بغض النظر عن اختلافاتها القومية والثقافية وطموحاتها ونفسيتها الجمعية في وحدة مجتمعية واحدة، أي في كلية سياسية اقتصادية ثقافية واحدة”.

ويرى أن الجميع يخرج من العولمة كلا واحدا دونما اختلافات، بل بفوارق فردية. فالجنس البشري الذي ابتدأ واحدا فرضت عليه بدائيته التجمع في وحدات اجتماعية ضيقة أخذ يوسعها كلما تطور، والأدق فرض عليه تطوره توسيعها.

هذه الأشكال بلغت أوجها في الدولة ـ الأمة التي صهرت وانصهرت في بوتقتها شعوب وقبائل وملل وطوائف، والعالم الآن يسير على طريق مشابه شكليا، على طريق دمج الأمم والشعوب في بوتقة أو صهرهم في محرقة لا فرق، لينتج عنهم ومنهم شكل جديد لمجتمعاتهم هو بالضرورة أرقى.

ويوضح الشهابي أن ما يهم الإنسان السوري من العولمة بالقول” نحن في سوريا يعنينا هذا الموضوع كغيرنا طالما أنه يحدد شكل وطبيعة حياتنا حاضرا ومستقبلا. وبنفس الوقت نعلم أكثر من غيرنا أننا لسنا في مطعم، نطلب ما نريد ونشكل العالم كطاولة بالشكل الذي نشتهي، بل نحن محكومون بشبكة من العلاقات والمصالح الرأسمالية الدولية التي يحاول كل طرق منها أن يصوغها بالشكل الذي يخدم مصلحته ولأننا في منتهى التخلف، الاقتصادي، لا الاجتماعي، لا نجد أنفسنا محكومين بهذه الشبكة فقط، بل وحدود فاعليتنا فيها تقتصر على التجاوب مع الطرف الذي تتلاقى مصلحتنا ومصلحته بهذه الحدود، وبهذه الحدود فقط. نكون نفعل فعلنا في تقوية أو إضعاف هذا أو ذاك من اتجاهات العولمة”.


الأمركة


يتردد الكاتب علي الشهابي في تأكيد ماهية الأمركة بالقول: “لا أستطيع الجزم في ماهية الأمركة، ولكن يبدو أنها محاولة الولايات المتحدة السيطرة على العالم لا لترسمه على صورتها بل لتصوغه بالشكل الذي يحقق مصالحها.

وهذا يعني أنها من موقعها الممتاز تسعى لجعل العالم ساحة اقتصادية واحدة تظل فيها الدول هياكل سياسية للأمم، هذا الذي أطلق عليه بعض مفكريها ( الحدود الشفافة) فهي تحاول جعل الكرة الأرضية مسرحا لحركة رأس المال، حرا بأقصى حد ممكن”.

يصف الشهابي ذهنية الإخوان بالقول إن 'ديكتاتورية الإخوان المسلمين، التي ستسمح لأهل الذمة المتدينين بحرية ممارسة طقوسهم، لن تسمح بمثل هذه الحرية للمتدينين المسلمين من غير السنة، وهذا ألطف قمع ممكن'

ويعمق الشهابي هذا المفهوم من خلال إدراكه أن الأمركة تسعى “لتكريس الوضع القائم بعلاقته المزدوجة: تكريس علاقة سيطرة – تبعية بين العالم المتطور والعالم المتخلف وشبه المتخلف، وتكريس العلاقة الحالية للتنافس الرأسمالي مع البلدان المتطورة وشبه المتطورة التي تفعل فعلها لصالحها طالما أنها الأكثر تطورا، بهذا الشكل يظل العالم يسير على إيقاعها وتظل باقي القوى الاقتصادية فيه تحقق مصالحها عبر كونها شريكا لها. بحسب أهميتها وموقعها ودرجة تطورها”.


ذهنية الإخوان


ويجادل الشهابي باحثا في موضوعات سورية عديدة سياسية واقتصادية، لكنه يبرز المفصلي والأساسي من خلال نقاش الديمقراطية والديمقراطية السياسية، والديمقراطية وديمقراطية الحزب الديني “نموذج الإخوان المسلمين” من خلال نشره لمقالات سعت لمناقشة الدعوة لفتح حوار جدي مع الإخوان المسلمين وغيرهم إذ يقول: “إن ديكتاتورية الإخوان المسلمين، التي ستسمح لأهل الذمة المتدينين بحرية ممارسة طقوسهم، لن تسمح بمثل هذه الحرية للمتدينين المسلمين من غير السنّة، وهذا ألطف قمع ممكن، ولو توقف الأمر عند هذا الحد لهانت المشكلة لأننا عشنا حياتنا ممنوعين من ألف حرية وحرية، ولم تخرب الدنيا.

لكن المشكلة لن تتوقف عند هذا الحد، وستبدأ الحرب الطائفية عندما تشرع سلطة الإخوان بإجبارهم على ممارسة الدين بطريقة أهل السنّة، وهي ستشرع، لأنها ما لم تشرع لن تكون سلطة إسلامية لأن السلطة الإسلامية التي لا تطبق الشريعة الإسلامية ليست إسلامية. لماذا؟ لأن إسلام الحزب الديني ليس بالقلب بل بالفعل، وهذا الفعل هو ضرورة تسيير المجتمع بحسب مقتضيات الشريعة، وإلا ما الداعي أصلا لتشكيل حزب للإسلام إن لم تقم سلطته بتطبيق شريعة الإسلام؟، فالحرب الطائفية كامنة في صلب ديمقراطية الإخوان المسلمين، إضافة إلى حرب أخرى أكثر شراسة تقبع في صلبها و تستعر فيها، إنها الحرب على الديمقراطية نفسها، وقبلها ومعها وعبرها على الديمقراطيين، عبر محاربتهم للحرية الفردية وحرية الرأي والتفكير والتعبير. فالإخوان المسلمون لا يمكن أن يسمحوا لحرية التفكير إن استطاعوا فكيف بالتعبير؟ إن أقصى ما تسمح به سلطتهم هو حرية الرأي السياسي، بشرط ألا ترى فيه ما يؤدي إلى خدمة أعداء الإسلام”.

كان الشهابي قد اعتقل أواسط السبعينات، وأمضى في المعتقل حوالي العام، ثم اعتقل مرة ثانية في العام 1982، بتهمة الانتماء لحزب العمل وبقي حتى العام 1991، ثم أصدر كتابه الأول (البنية الجديدة للعالم) وكتابه الثاني(سوريا إلى أين؟)


تسييس الدين طائفية سياسية


يعتقد الشهابي أنه لا إسلام سياسيا في سوريا إلا ضمن الوسط السنّي. وأحد أهم أسباب ذلك محاولة السياسيين الإفادة من الشعور الديني لتحقيق نفوذ سياسي داخل الأغلبية العددية، البالغة حوالي 80 ٪ من السكان.

لكن إفادتهم هذه لا تتم إلا على حساب المجتمع، لأنها تدفع به نحو الانقسام الطائفي. وبديهي أنه بهذا الانقسام لا ينتصر أحد، بل ينهزم الجميع، والأدق المجتمع. فالإخوان المسلمون ليسوا مجرد حزب سياسي ذي عقيدة دينية، بل أيضا حزب طائفي. ولولا طائفيته لوجب التعامل معه بحسب مدى انفتاح رؤياه الدينية، لكن طائفيته تنفي إيجابية فعله في المجتمع.

ويؤكد الشهابي أن تعدد الطوائف والديانات في المجتمع لا يؤدي بالضرورة إلى قيام دولة طائفية، بل إن الدولة الطائفية تقيمها فقط الأحزاب الطائفية.

هذا بديهي لأن العلاقة المتبادلة بين الدولة والأحزاب في منتهى البساطة، فالأحزاب المدنية تقيم دولة مدنية، والأحزاب الطائفية تقيم دولة طائفية، والعكس، لذا فإن الحزب الطائفي لا يمكن أن يقيم دولة مدنية مهما ادعى،هذا بديهي لمن يريد أن يرى، أما من لا يريد، فسيظل يردد قول الإخوان إنهم يريدون دولة مدنية، وهذه الدولة يكفلها الدستور.

منذ اعتقال علي الشهابي كتبت عشرات المقالات والمطالبات بحريته عبر الصحف الورقية وعبر المواقع الإلكترونية، كتب سماح إدريس عنه: “علي الشهابي صديقي، وكتب في ( الآداب) مرات عديدة. دمث الأخلاق، طيب المعشر. روح نقدية متوثبة لا تهادن أحدا. فلسطيني سوري، سوري فلسطيني. الحرية لعلي. السلامة والكرامة لعلي الكاتب والمثقف”.

تتعدد كتابات وشهادات الذين عرفوا علي الشهابي، خصيصا من زاوية التزامه، واهتمامه بالواقع السوري، والواقع الفلسطيني الخاص بفلسطينيي سوريا، وخير دليل على ذلك اعتقاله الأخير على أبواب مخيم اليرموك بدمشق أثناء النزوح الكبير لأهالي المخيم في نهاية العام 2012، فالمخيم وأبناؤه المحاصرون المطاردون المعتقلون، وفي مقدمتهم علي الشهابي، يستحقون الحرية التي قاتل من أجلها أبناء الشعب السوري وفلسطينيو سوريا.

13