علي الشوك ساحر الرياضيات الذي مَوْسق حياتنا

الأحد 2016/05/29
عراقي يقيم دوما في الأعالي

لندن - هل تصلح الرياضيات لغة للحب؟ هناك رجل ذهب إلى اقصى التجريد من غير أن يفقد ذرّة واحدة من العاطفة هو علي الشوك. لقد أعانته الموسيقى على البقاء كلّ حياته محلقا، ينظر إلى أحوال العالم بعيني نسر، قوته المعلومات.

كتب اللامكتوب ليبرأ من المكتوب

الرجل الموسوعي الذي عرف كيف ينوّع الفاكهة في صحنه، فكان عالما في الفن وفنانا في العلم وما بين العلم والفن استلقت امرأة على العشب كما فعلت امرأة إدوارد مانيه في غدائها لتلهمه كتابة الرواية.

لم يهبه العمل السياسي إلا الشقاء. “كانت مفردات سعادتي. الرياضيات والموسيقى والقراءة والمرأة” وكان تعلقه بكيمياء الكلمات مدخله إلى فهم الأسطورة التي جعل منها هي الأخرى مصدرا لفهم العالم من حوله.

عاش حياته ليفهم وليُفهم في الوقت نفسه. وهو العاطفي الصعب.

لم تبدأ مغامرته في الكتابة بـ”الأطروحة الفنتازية” الذي صدر عام 1970، غير أن ذلك الكتاب الفريد من نوعه في عالم التأليف العربي أضفى الكثير من الغموض على شخصية صاحب “الدادائية بين الأمس واليوم” الكتاب الذي لا يزال يقف في صدارة المحاولات العربية لمعرفة واستيعاب واحدة من أكثر التيارات الفنية تأثيرا في القرن العشرين وما بعده. ألم يكن الشوك كائنا دادائيا حين فكر في كتابة اللامكتوب؟

ففي الوقت الذي كان شعراء ستينات القرن الماضي العراقيون يتخبطون فيه في متاهات اللغة عرف الشوك طريقه في اتجاه الأعراف والتقاليد الدادائية في التراث الأدبي العربي.

الكاتب الذي يصف نفسه بالكائن النثري لأنه لا يجد في نفسه ميلا إلى الشعر تفوّق على الشعراء في إطلالته على ما لا يُرى وما لا يُقال فاخترع مكانا متخيلا، تقيم فيه لغته الهندسية التي تنزلق على السلالم مثلما تفعل الجمل الموسيقية. شيء عميق منه يذكّر بعصر الباروك. ربما كان واحدا من إخوان الصفا. ربما يكون هو الأخ المنسيّ الذي قاوم الزمن ليكون المرشد المتواضع، خفيض الصوت، قويّ الحيلة لزماننا.

ولد علي الشوك في جانب الكرخ من بغداد عام 1930. عام 1947 حصل على بعثة لدراسة الهندسة المعمارية في الولايات المتحدة. قضى سنتين في الجامعة الأميركية ببيروت هي الجزء التمهيدي للبعثة. في الولايات المتحدة قرر أن يدرس الرياضيات بدلا من الهندسة المعمارية، وهو القرار الذي غيّر مصيره الروحي كله. حين عاد إلى العراق قضى عشرين سنة في تدريس الرياضيات، بروح مَن يدرّس الموسيقى. قاده شغفه بقراءة كتب التراث والتاريخ والفلــك واهتمامه بها إلى الكتابة.

تجاربه الأولى في الكتابة قريبة من الشعر أو على هامشه، إلا أن الشوك لا يعتد بتلك النصوص التي كتبها بدءا من عام 1958. إذ يعتبر رده الطويل على كتاب (وعاظ السلاطين) لعالم الاجتماع العراقي علي الوردي هو أول عمل أدبي جاد له

من الغريب أن تكون تجاربه الأولى في الكتابة قريبة من الشعر أو على هامشه، إلا أنه لا يعتد بتلك النصوص التي كتبها بدءا من عام 1958. يعتبر الشوك رده الطويل على كتاب “وعاظ السلاطين” لعالم الاجتماع العراقي علي الوردي هو أول عمل أدبي جاد له. حين صدرت مجلة المثقف عام 1959 كان الشوك أحد أعضاء تحريرها وفيها نشر الكثير من مقالاته.

معادلات تصنع قوس قزح

حدثت الانتقالة الكبيرة في حياة الشوك بصدور كتابيه “الدادائية بين الأمس واليوم” و”الأطروحة الفنتازية”. وهما كتابان غامضان، وبالأخص الثاني، بسبب نخوبية موضوعاتهما وصعوبة اللغة التي كتبا بها. غير أنهما وضعا الشوك بيسر في واجهة المشهد الثقافي، بغض النظر عمّا كان يشهده ذلك المشهد من صراع عقائدي مرير بين المتحزّبين، الذين قُدّر للشوك خطأً أن يكون واحدا منهم. وهو الخطأ الذي سيدفع بالشوك إلى أن ينفتح على العالم حين قرر الهجرة عام 1979 منفيا إلى براغ أولا ثم بودابست، بلاد بيلا بارتوك، هناك حيث عمل سنوات في منظمة التحرير الفلسطينية وأنجز عددا من كتبه المخملية التي ساعده انتقاله إلى لندن عام 1995 في الاستمرار في كتابتها.

لقد فتحت لندن ذراعيها لصاحب “الأوبرا والكلب” الذي يميل إلى تغليب صفة الراحة على صفة السعادة، فكانت مستقرا مريحا لكائناته الروائية التي تمنّى لو أنها تعبّر عن الغبطة التي كانت تغمره وهو يقرأ روائع تورغينيف وستيفان زفايغ وأنطوان تشيخوف وستندال وتولستوي وديستويفسكي.

مَن يقرأ أعمال علي الشوك الروائية لا بد أن يجد خيطا يصل بين بطلاتها وبين نساء أولئك الروائيين العظام. كان سحر المرأة يمارس تأثيره على عقله الرياضي بطريقة تشفّ عن مراس روحي في انتظار الكائنات الجميلة. لقد صنعت الموسيقى وهي سلّمه إلى الأبدية من علي الشوك كاتب مرويات أخروية.

الموسيقى سلّم علي الشوك إلى الأبدية

“كنت في حال غير منقطعة من الضحك” يصف الشوك نفسه حين كتابة كتابه “الأطروحة الفنتازية”. لقد خطر للرجل الذي لا يحب الشعر أن يكتب يومها قصيدة حلزونية. لا يتذكر اليوم هل نشرت تلك القصيدة في مجلتي “الأقلام” أو “ألف باء” أم لا؟ تلك القصيدة كانت القاعدة التي بني عليها كتاب الأطروحة الفنتازية الذي نشر في بغداد عام 1971. بعد سبع سنوات سيصدر الشوك كتابه الأخير في بغداد وهو “الموسيقى الإلكترونية” وهو كتاب رائد في مجاله.

وإذا ما عدنا إلى الأطروحة الفنتازية فإن ذلك الكتاب الذي ألّفه علي الشوك وهو في سن الأربعين هو كتاب العمر. “كنت أريد أن أؤلف كتابا عن الضحك بلغة المعادلات”. سنتذكر كتاب هنري برغسون في كتابه الفلسفي “الضحك”. كانت المحاولة دادائية لما تنطوي عليه من تخريب متعمد للبداهات التي تطرحها اللغة في سياقها العام ومفاجآتها السارة. يتساءل الشوك “هل أستطيع أن أحدث مثلا انطباعا منحنيا من خطوط مستقيمة فقط؟ نعم في وسعي ذلك. ورسمت عينين وأنفا وشفتين من خطوط مستقيمة فقط. سأكتب كتابا من مثل تلك المغامرة” حملته لغة الرياضيات إلى الحلم. فكان يتنقل بين شطحة وأخرى ليرى الحياة في صورتها الشعرية وهي تجدد خيالها البض. كانت الحياة تتعدد وسط المعادلات الرياضية بما يجعلها أشبه بقوس قزح.

موسيقاه الرفيعة بلغة عربية

حين يُذكر علي الشوك تُذكر الموسيقى في أرقى مستوياتها. لقد صنع الرجل من حياته معبدا للموسيقى الكلاسيكية. قد لا يعبّر كتابه “أسرار الموسيقى” مثله في ذلك مثل كتابه “كيمياء الكلمات” عن درجة ونوع شغفه بالموسيقى كما في اللغات.

لقد ملأت الموسيقى حياته بمعان خالدة، جعلته قريبا من الطبيعة بما يحبّ من هبات آسرة لا علاقة لها بالعقائد. أعتقد أن الدرس الحقيقي لهذا المبدع يكمن في فراقه مع العقائد. وهو الفراق الذي بدأ مع تعرفه بالدادائية وتعريفه بها عربيا.

لقد جمع علي الشوك بين الفلسفة والرياضيات فكتب شعرا على طريقته الخاصة. ولأن الفنون كلها تطمح إلى أن تكون موسيقى حسب نظرية الروسي فاسيلي كاندنسكي فقد كتب الشوك موسيقاه بلغتنا. لقد حوّل مفردات النوتة الموسيقية إلى كلمات عربية.

ما كتبه الشوك في مجال الموسيقى الكلاسيكية يضعه في مصاف خبراء الموسيقى الكبار الذين قُدر لهم أن يخترقوا حجب الغيب. وهي الحجب التي تفصلنا عن عالم مأهول بكائنات تشفّ عن شعر لن تكتبه يد بشرية.

علي الشوك كائن بشري من طراز فريد ونادر من نوعه. بعكس فكرته فإن وجوده سيكون دائما مصدر سعادة وليست الراحة إلا واحدة من درجات الوصول إليه. الرجل الذي يقيم دائما في الأعالي.

حوّل مفردات النوتة الموسيقية إلى كلمات عربية

دوختني "الراقصة الأندلسية"

بدأت أجد لذة في الحياة، منذ دخولي الجامعة، أو ربما قبل ذلك بقليل. كانت مفردات سعادتي: الرياضيات، والموسيقى، والقراءة، والمرأة. الترتيب ليس مهماً هنا. كانت تلك مرحلة الاكتشاف. المرأة كانت بعيدة المنال. كانت نسائي بطلات كتب. من هنا شغفي بالقراءة. دوّختني نساء تورغينيف، لا سيما بطلة «الحب الأول». ودوختني «الراقصة الأندلسية» في قصة أندريه تيرييه، مع أنني كنت أخاف من الراقصات. ومزقتني ليزا بطلة «رسالة من إمرأة مجهولة» لستيفان زفايغ. وحيرتني زينايدا بطلة «قصة رجل مجهول» لأنطوان تشيخوف، بسبب ترددها في اتخاذ موقف حاسم من الرجل الذي نذر نفسه لها.

ولم أكن قد قرأت بعد رواية «الأحمر والأسود» التي ستصبح روايتي المفضلة على الإطلاق بعد أن تأسرني شخصية بطلتها ماتيلد بسحرها الهائل. وسأنحني أمام براعة ستندال في رسم شخصية أروع بطلة رومانسية. أنا الآن في العام 1947. كانت دراستي تتيح لي الفرصة للقراءة المسعورة.

كنت أريد أن أقرأ كل شيء لئلا يفوتني القطار. فهناك مئات وآلاف الكتب تنتظرني قبل أن أجرب حظي مع الكتابة، فأنا لا أعتقد أنني سأكون جاهزاً للكتابة قبل قراءة «رسالة الغفران»، و «كتاب الأغاني» لأبي الفرج، و»الأخوة كارامازوف»، و «آنا كارانينا»… آه، و «الأحمر والأسود».

مع ذلك كنت متعجلاً على ما يبدو. ففي لحظة ما، عندما كنت أتمشى وحدي في حرم جامعة بيروت الأميركية، في يوم من أيام 1947، اتخذت قراراً في أن أصبح كاتباً! أما الرياضيات التي كنت أدرسها، فستكون وسيلة لحصولي على شهادة. وستكون نزهتي في حياتي، ووسيلة لتفرغي للقراءة، ثم الكتابة.

9