علي اللواتي ظاهرة ثقافية تونسية في رجل واحد

التونسيون محظوظون بمؤرخ فن من نوع علي اللواتي الذي تميز بأحكامه المنصفة، بحيث استطاع أن يضع كل شيء في مكانه.
الأحد 2019/09/29
الناقد والمسرحي الذي يتبع شاعرا

الناقد الفني والشاعر والرسام وكاتب المسلسلات والمترجم والمسرحي ومنسق المعارض ومؤسس المنشآت الفنية في شخص واحد. تلك ظاهرة لم يمثّلها في مستواها الرفيع سوى رجل واحد في العالم العربي هو علي اللواتي.

لم يكن في كل ما فعله دون مستوى الاحتراف العالي.

لذلك فقد كان اعتزاله الظهور العلني قد ترك فراغا كبيرا في الحياة الثقافية التونسية بعد أن أدار مركز الفن الحي لسنوات طويلة.

حين النظر إليه فإن كل جهة من جهاته تكفي لتأكيد موقعه الاستثنائي، لا بين أفراد جيله المتمرد حسب بل وأيضا بين مثقفي التنوير التونسيين عبر الأجيال.

وهب الفن التشكيلي التونسي قوة دفع، حين تبنّى تجارب فنية، كان من الممكن أن تقع ضحية لسوء فهم ثقافي.

وفي الشعر سعى أن لا ينخرط في الشعرية التونسية بعد أن ارتقى بلغته إلى مستوى رائعة سان جون بيرس “أناباز”. فكان معجمه الشعري لا يعتمد المفردة لذاتها بل بما هي مشحونة به من صور.

مبتكر أفكار ثورية

[ اعتزال اللواتي الظهور العلني يترك فراغا كبيرا في الحياة الثقافية التونسية، بعد أن أدار مركز الفن الحي سنوات طويلة، وترجم الشعر وكتبه، واشتغل في النقد الفني ورسم وأدار منصات مسرحية، ووضع سيناريوهات للمسلسلات التلفزيونية «الصورة لمركز الموسيقى العربية والمتوسطية الذي أسسه اللواتي».
[ اعتزال اللواتي الظهور العلني يترك فراغا كبيرا في الحياة الثقافية التونسية، بعد أن أدار مركز الفن الحي سنوات طويلة، وترجم الشعر وكتبه، واشتغل في النقد الفني ورسم وأدار منصات مسرحية، ووضع سيناريوهات للمسلسلات التلفزيونية (الصورة لمركز الموسيقى العربية والمتوسطية الذي أسسه اللواتي)

في حياته العملية كان بارعا في تأسيس قواعد ثابتة للعمل الثقافي ولم تغره التظاهرات المؤقتة التي لا تزال تهيمن على الحياة الثقافية في تونس وهي سبب غياب التجارب الأصيلة وسط ضباب الاحتفالات الاستعراضية.

كان في عمله رجل مبادئ لم تتعرض للاهتزاز أو التراجع.

لذلك فقد تعرضت كل المنشآت التي أقامها إلى النسف بعد غيابه بسبب طغيان الروح الشعبوية التي لم تستطع التفاعل مع مبادئه.

حداثوي غير أن شغفه بالشعر العربي القديم لا يُعلى عليه. وفي الفنون، كانت لديه رؤيا خاصة لمعنى الأصالة الفنية وهو الذي ترجم كتاب ألكسندر بابادوبولو الأساسي في المكتبة العالمية “جماليات الفن الإسلامي”. وكتب مقدمة لذلك الكتاب بعنوان “جماليات الرسم الإسلامي”.   

مؤرخ فن تميز بأحكامه المنصفة
مؤرخ فن تميز بأحكامه المنصفة

وكما أرى فإن التونسيين كانوا محظوظين بمؤرخ فن من نوع اللواتي الذي تميز بأحكامه المنصفة، بحيث استطاع أن يضع كل شيء في مكانه في ظل ضجيج الانقلابات وحركات التمرد التي شهدها المشهد الفني في تونس.

لقد تحمس نقديا للفنانين الذين ظهروا أواخر ستينات القرن الماضي وبداية سبعيناته غير أن ذلك لم يمنعه من أن يتعامل باحتراف المؤرخ وحياديته مع تجارب الفنانين المؤسسين “جماعة مدرسة تونس”. وهو ما جعل من كتبه مرجعا لا يمكن الاستغناء عنه حين النظر إلى الماضي.

ولد اللواتي في تونس عام 1947. تخرّج من المدرسة الصادقية وحاز على إجازة في القانون الخاص من كلية الحقوق والعلوم الاقتصادية والسياسية. قبل أن يغادر الجامعة كان قد ترجم قصائد إدغار آلان بو وغيوم أبولينير.

بعد تخرّجه من الجامعة التحق بالعمل في وزارة الثقافة ليدير قسم الفنون التشكيلية ما بين عامي 1974 و1986. لم يكتف بمهماته الوظيفية فقد كان يطمح إلى تحقيق انتقالة في الوعي الثقافي لدى عامة الناس تنسجم مع ما حققه الفنان التونسي الحديث من إنجازات فنية فأسس مركز الفن الحي وأداره. وترأس مهرجان قرطاج لعامي 1985 و1986. بعدها أسس دار الفنون بحديقة البلفدير، وهي منصة لا تزال تعرض التجارب الفنية الحديثة. وإلى جانب اهتمامه بالفنون التشكيلية قام اللواتي بتأسيس مركز الموسيقى العربية والمتوسطية بدار البارون درلنجي بضاحية سيدي بوسعيد.

أصدر اللواتي عبر مسيرة حياته كتبا في الشعر والمسرح والنقد الفني وتاريخ الفن. كما كتب مقدمات لعشرات الكراسات التي ترافق إقامة المعارض الفنية وكتب سيناريوهات وحوارات العديد من الأفلام التلفزيونية.
يعتبر كتابه “مغامرة الفن الحديث في تونس” واحدا من أهم مراجع الحداثة الفنية في تونس.

نال جائزة الدولة للنقد الفني عام 1997 وجائزة الطاهر حداد عام 2001. وتوزع نشاطه بين الخدمة العامة والتأليف الشخصي. وفي كلا الجانبين كان أثره واضحا في الحياة الثقافية بسبب عمق أفكاره وثبات ثقته المطلقة بالفن. فهو وإن كان متمرّدا على القوالب الجاهزة في العمل الثقافي فإنه انحاز إلى تحصين فكرة المؤسسة القادرة بكفاءة على الحفاظ على الموروث الفني، وتطوير الوعي الجمالي لدى عامة الناس والارتفاع بذائقتهم الجمالية إلى مستوى يليق بهم مثلما لا يحط من قيمة العمل الفني. كان رجل تاريخ متوازن مثلما كان ناقدا شرسا.

لغة الشعر التي يتبعها

الشعر يحضر في كل ما يقوم به من غير أن تكون هناك قصائد مكتوبة
الشعر يحضر في كل ما يقوم به من غير أن تكون هناك قصائد مكتوبة

 “أولا وأخيرا أنا شاعر” يقول اللواتي في جواب على سؤال تقليدي يتكرر ذي علاقة بتعدد انشغالاته الفنية. وفي ذلك تفسير لشغفه بما يقوم به كما لو أنه يكتب الشعر. “إنه الغلالة التي تغلّف كل فعل خلاق بالرقة”. تعريف يُخرج الشعر من نطاقه الكتابي إلى دائرة صفاته. فالشعر يحضر في كل ما يقوم به من غير أن تكون هناك قصائد مكتوبة.

أصدر اللواتي “أخبار البئر المعطلة” تلاه بكتاب “في مجيء المياه”. ربما أصدر كتبا شعرية أخرى لا علم لي بها، غير أن ترجمته المدهشة لقصيدة الشاعر الفرنسي سان جون بيرس الطويلة “أناباز” تعتبر واحدا من أهم إنجازاته الشعرية.
ذلك لأن بيرس كان واحدا من أصعب الشعراء الفرنسيين على مستوى اللغة. وحين يتمكّن المترجم من تفكيك تلك اللغة وإعادة تركيب بنيتها الداخلية عبر لغة أخرى فإن ذلك الإنجاز يشير إلى طاقة شعرية لا يملكها إلا شاعر.

الرسام الهارب من الكتابة

ولأن ذلك العمل قد اُعتبر إعجازيا فقد صار نص “بيرس” بلغة اللواتي بمثابة حاجز صعب على الكثيرين اختراقه في محاولاتهم ترجمة بيرس.

ذلك ما انعكس على تجربة اللواتي الشعرية التي تميزت بقوة اللغة من الداخل، فكانت شعرية المشاعر والأشياء تتبع شعرية اللغة في غموض مقاصدها وتنوع دلالاتها.

أن يكون الرسام ناقدا بحجم علي اللواتي فتلك في حد ذاتها معضلة كبيرة. لقد ألّف اللواتي عن الفن التشكيلي الحديث في تونس، ناقدا ومؤرخا كتبا عديدة، نذكر منها “مغامرة الفن الحديث في تونس” و”التجريد في الرسم التونسي” و”رؤى الرسم السريالي” و”الرسم الأوروبي بتونس” و”علي بن سالم” و”فتحي بن زكور” و”الهادي السلمي” و”أحمد الحجري” و”الفن التشكيلي في تونس”.

كتابات اللواتي موقعا متقدّما في الفكر الفني الحديث بتونس
كتابات اللواتي موقعا متقدّما في الفكر الفني الحديث بتونس

أهمية اللواتي ناقدا تكمن في انفتاحه على التاريخ والعكس صحيح أيضا. ذلك لأن أهميته مؤرخا تكمن في حسه النقدي الرفيع وقدرته على التمييز بين ما هو ضروري وراسخ وعميق وبين ما هو سطحي وزائل ومؤقت.

لذلك احتلّت كتاباته موقعا متقدّما في الفكر الفني الحديث بتونس، وهو ما جعل منه واحدا من أهم نقاد الفن ومؤرخيه في العالم العربي.

غير أن اللواتي حين يمارس الرسم فإنه “يضع نفسه في مأزق”. يقول البعض ممن يرى أن ما قدّمه اللواتي رساما لا يرقى إلى مستوى إنجازه النقدي. يقول اللواتي توضيحا لذلك الالتباس ما معناه إنه يُمارس الرسم ليتسلّى.

وهو في ذلك إنما يضع الرسم في مجال الهواية وليس الاحتراف. فهو يتجه إلى الرسم حين يتعب من الكتابة.

الرسام الهارب من الكتابة هو بالنسبة للواتي ضرورة حياة، كما أن التجربة العملية تجعل الناقد قريبا من مواد وتقنيات الرسم وهو أمر فيه الكثير من الفائدة.

فإذا كان الشاعر يرعى لغته فإن الرسام يقوده في نزهات مفعمة بالحيوية. 

9