علي المصيلحي رجل مبارك يعود إلى كوابيس الفقراء من جديد

السبت 2017/02/25
علي المصيلحي عسكري يضبط إيقاع التموين المصري

القاهرة- إذا كان اختيار وزير التموين المصري الجديد علي المصيلحي، ضمن التشكيل الوزاري الأخير في مصر، أغضب الرافضين لعودة رجال نظام حسني مبارك إلى تولي المناصب الكبرى، فإن لدى الرجل من المزايا ما قد يخفف حدة الغضب، ويساعده على النجاح، من ذلك، أن أغلبية البرلمان تسانده، لأنه واحد منهم، كما أنه صاحب خبرات سابقة في منظومة التموين يصعب أن يشكك فيها أحد، علاوة على أنه لا ينتمي إلى المؤسسة العسكرية.

لم يكن ممكنًا لأيّ حكومة مصرية، تولت المسؤولية بعد ثورة 25 يناير 2011، التي أطاحت بنظام حسني مبارك، أن تستبعد الاستعانة بالبعض ممّن عملوا لسنوات مع النظام القديم الذي حكم البلاد لأكثر من 30 عامًا، وسيطر على مفاصل الدولة وكوادرها، وانحصرت سبل العمل العام والحكومي من خلاله، وبالتالي كان من غير الطبيعي الاستغناء عن كل من عملوا مع مبارك.

في المقابل، لم يكن من السهل على رجل الشارع في مصر، أن يتقبّل بسهولة ودون سخط، مجرد تفكير النظام الجديد وحكومته، في الاستعانة بأيّ من رجالات مبارك لتولي المسؤولية في جهة بعينها، حيث يرى المواطن أنه لا يمكن أن يشارك أحدهم في صناعة القرار، بينما كان من الذين ثار الشعب ضدهم، وأرغم الكثيرين منهم على ترك مناصبهم، لاتهامهم في قضايا تراوحت بين الفساد وإهدار المال العام وسرقة قوت الناس، وزيادة أعداد الفقراء، وتوسيع دائرة الأغنياء.

غير أن الرئيس المصري، عبدالفتاح السيسي، سار على عكس النهج الإقصائي لرموز نظام مبارك، ولم يتعامل بذات الحذر الذي كان يتعامل به الرئيس الإخواني محمد مرسي، ومن بعده الرئيس المؤقت عدلي منصور، لأنه وجد أن الإقصاء الكلي لرجال مبارك، يفرّغ المناصب من الكوادر والكفاءات والخبرات، خاصة إذا لم تكن هناك اتهامات محددة، سابقة أو حالية لهم، وتهمتهم الوحيدة أنهم عملوا مع الرئيس الأسبق.

ويقول مؤيدو هذا الرأي، إن تعميم فكرة الإقصاء أو الإبعاد لكلّ من شاركوا بشكل أو بآخر في العمل تحت مظلّة مبارك، يعني الإطاحة بغالبية الموظفين والمسؤولين بالدولة، وعلى رأسهم شريف إسماعيل رئيس الحكومة، الذي كان يشغل منصب رئيس إحدى شركات البترول، بل والسيسي نفسه، الذي كان رئيسًا لجهاز المخابرات الحربية إبان نظام مبارك.

في مقابل هذا الرأي، اعتادت أن تخرج أصوات معارضة بشدة للتوجه الرامي إلى تنصيب شخصية كانت بارزة في عهد مبارك، في منصب بارز خلال العهد الحالي، حيث يرى هؤلاء أن هذا النهج يمثّل إعادة تشكيل لنظام مبارك، “وكأن ثورة لم تقم”، لكن حُسن اختيار السيسي ومؤسساته لمن يجري الاعتماد عليهم من النظام السابق، حال دون تصعيد نبرة الغضب.

اختيار جريء

اختيار المصيلحي يمر بسلام دون تصعيد للغضب ضد الحكومة والبرلمان، إن الوزير السابق الجنرال "المصيلحي"، اتخذ قرارات مثيرة للجدل، أشعلت غضب الشارع

كان اختيار علي المصيلحي رئيس اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب، وزيرًا للتموين في التشكيل الوزاري الأخير -وهو الذي كان وزيرا للتموين خلال عهد مبارك- الاختبار “الأجرأ” من جانب السيسي، لقياس ردة فعل الشارع، على فكرة إعادة الاعتماد على البعض من الرموز والكوادر، التي كانت شريكة بشكل أساسي في صناعة القرار المصري قبيل اندلاع ثورة يناير.

وما خفف من وطأة الهجوم على المصيلحي، والسيسي نفسه، أن الوزير الجديد، الذي صوّت نواب البرلمان بالأغلبية على ترشحه للمنصب ضمن 9 وزراء جدد في الحكومة، لم يسبق اتهامه في قضية واحدة، بعد سقوط نظام حسني مبارك مثل ما حدث مع الكثير من رموز النظام الساقط بقوة المظاهرات، رغم أنه عمل وزيرًا للتموين والتضامن الاجتماعي لمدة 6 سنوات، بدأت في 2005، وانتهت مع تنحي مبارك في فبراير 2011.

وربما ساعد على أن يمرّ اختيار المصيلحي بسلام دون تصعيد الغضب ضد الحكومة والبرلمان، أن الوزير السابق للتموين، الجنرال محمد المصيلحي، الذي لم يمر على تكليفه بالمنصب إلا 3 أشهر فقط بعد إطاحة البرلمان بالوزير الأسبق خالد حنفي، اتخذ قرارات مثيرة للجدل، أشعلت غضب الشارع، وتحديدًا محدودي الدخل، بعدما رفع أسعار السلع التموينية الأساسية لمستويات قياسية، وحدثت خلال فترة توليه المنصب عدة أزمات لم تحدث من قبل، أبرزها اختفاء السكر من الأسواق.

صحيح أن المصيلحي “رجل مبارك”، له جذور عسكرية مثل، المصيلحي “رجل السيسي”، حيث كان من خريجي الكلية الفنية العسكرية في العام 1971، وعمل بها أستاذًا حتى اختار العمل المدني بعد 20 عامًا، وشغل العديد من المناصب الحكومية، لكن الإخفاق السريع لرجل الجيش سرّع من وتيرة اللجوء إلى الوزير “الخبرة” في مجال التموين، لأنه هو الذي وضع أسس العمل داخل الوزارة، وقت وجوده في المنصب، وهي الأسس التي ما زال يجري العمل بها إلى الآن.

بينما كان مبرر الحكومة والبرلمان لاختيار شخصية عسكرية بارزة في وزارة التموين، وهو “المصيلحي”، راجعًا لكون المرحلة الراهنة تقتضي الضبط والربط والحزم، وهذه صفات قد تكون قاصرة حاليا على المنخرطين في العمل العسكري، فإن اختيار “المصيلحي” في التشكيل الجديد للحكومة، يرجع لكونه يجمع بين خبرة تأسيس منظومة التموين وخلفيته العسكرية، ما يعني أن الخبرة والضبط والحزم صفات مشتركة في شخصيته.

مهمات ثقيلة

مبرر الحكومة والبرلمان لاختيار شخصية عسكرية بارزة في وزارة التموين يعود لكون المرحلة الراهنة تقتضي الضبط

يحمل المصيلحي على عاتقه مهمات ثقيلة، لأنه سيظل تحت المجهر طوال الوقت من قبل المعارضين لوجوده في المنصب، باعتباره أحد رجال مبارك، ما يزيد من الضغوط الواقعة عليه، على خلفية أنه اختير عقب سلسلة من الأزمات والفضائح المدويّة داخل وزارة التموين، كانت محل اهتمام الرأي العام المصري، بسبب فساد منظومة إنتاج واستيراد القمح، والتربح بالمئات من الملايين من ورائها، بالمخالفة والتلاعب في السلع التموينية، التي تقدم بالأساس إلى الطبقة الفقيرة ومحدودي الدخل.

وتعاني منظومة التموين بقطاعاتها المختلفة، وباعتراف الرئيس والحكومة، من عدم وصول الدعم إلى مستحقيه من الفئات المستهدفة، فضلا عن الأزمات المتكرّرة كل فترة، ودون مبرّر، سواء باختفاء أسطوانات الغاز من الأسواق وظهور طوابير المواطنين أمام منافذ البيع، ما يؤدي إلى ارتفاع أسعارها، أو بنقص المواد البترولية في محطات التموين، وعدم تطوير منظومة الدعم والتموين منذ سنوات.

وبالتالي، يدرك المصيلحي جيدًا أنه في مهمة قتالية، وقد يكون مضطرًا للتعامل مع هذه الأجواء والتحديات بشخصية وعقلية “العسكري” السابق و”المدني” الحالي، حيث أصبح مسؤولًا عن تحسين صورة رجال النظام السابق، وترسيخ فكرة أحقيته بالمنصب، ومواجهة الأزمات التي تعجّ بها وزارة التموين، المسؤولة عن 67 مليون مواطن، لهم علاقة مباشرة مع التموين.

ولأنّه سوف يتعامل مع الطبقة الفقيرة، التي يعوّل عليها السيسي لتقوية شعبيته وتمثل القوة الأساسية للمجتمع، فهو مسؤول عن التصدي لرفع أسعار السلع الأساسية، حتى لا ينقم الناس على الرئيس، ومسؤول أيضا عن محاربة جشع التجار، ومساندة محدودي الدخل ضد موجات الغلاء، التي فشلت الحكومة في التصدي لها، جراء القرارات الاقتصادية التي اتخذتها بالتزامن مع تطبيق شروط صندوق النقد الدولي بخفض الدعم وتحريك الأسعار.

التموين من الوزارات ذات الطبيعة الخاصة، إذ ترتبط بمختلف فئات المجتمع، وتمسّ حياة المواطن البسيط بشكل مباشر، ومهمتها توفير الخبز للمواطنين، واستيراد السلع التموينية (السكر، الزيت، الأرز، وغيرها)، وتوصيلها للمتاجر، وتسليمها لمستحقّي الدعم، وتوفير أنابيب البوتاجاز من المستودعات (الغاز الطبيعي)، والوزير فيها مسؤول أيضا عن الشركات القابضة للصناعات الغذائية، وحماية المستهلك، وحماية السوق من الإغراق والتعطيش، ومنع الاحتكار.

وما يعزز فرص المصيلحي لمواجهة كل هذه التحديات، والنجاح في المهمة بعيدًا عن الدخول في دوامة الفشل التي لحقت بالوزيرين السابقين، أنه على دراية كافية بدهاليز الأمور داخل الوزارة، ويمكن القول بأنه يحفظها عن ظهر قلب، ويعي آلية التعامل معها والخروج من الأزمات بسهولة، لامتلاكه أدوات ذلك بحكم خبرته السابقة.

الفشل مرفوض

منظومة التموين بقطاعاتها المختلفة، وباعتراف الرئيس والحكومة، تعاني من عدم وصول الدعم إلى مستحقيه من الفئات المستهدفة

إلى جانب الخبرة، فإن الرجل يدرك جيدًا أن النظام نفسه مضطر لأن يسانده في المهمة، حتى لا يكون متّهما أمام الرأي العام بأن اعتماده على أحد رجال مبارك كان خطأ فادحًا، وما كان له أن يقدم على هذه الخطوة، وبالتالي فإن من مصلحة النظام والحكومة هي تجنب إفشاله، لا سيما وأن نجاحه قد يكون مقدمة للاستعانة بأكثر من شخصية عملت مع الرئيس المخلوع في ما بعد.

ليس ذلك فحسب، بل إن المصيلحي لديه قناعة قوية بأن ائتلاف دعم مصر، صاحب الأغلبية البرلمانية، سوف يدعمه بقوة، باعتبار أنه كان أحد رجال الائتلاف، الذي قام بترشيحه في الحكومة الجديدة، وبالتالي فهو يمتلك ظهيرا تشريعيا ورقابيا قويا، وهو الأغلبية البرلمانية، التي لا تريد له أن يفشل لتعزيز رؤية الائتلاف في إمكانية طرح المزيد من رجاله في الحكومة مستقبلًا.

ومن البديهيات، أنه سيكون هناك دعم خفي من المؤسسة العسكرية لأحد رجالها السابقين، حتى لو كانت جرت الإطاحة بجنرالها من الوزارة، نظرًا لوجود خلفية عسكرية للمصيلحي من ناحية، ورغبة الجيش والنظام السياسي في عبور المرحلة الحالية لتخفيف حدة الأزمات من ناحية أخرى.

وبالتالي، فالرجل، حتى وإن تقرر رفع الحصانة البرلمانية عنه، بعد استقالته من رئاسة اللجنة الاقتصادية، ثم الاستقالة من البرلمان، لعدم دستورية الجمع بين المنصب الوزاري وعضوية البرلمان، يؤمن بأن لديه حصانة من نوع آخر، وكيف لا والرئاسة والبرلمان والجيش يقفون وراءه لمساندته في مهمته؟

ما يميز “المصيلحي” على المستوى الشخصي، أنه يجيد لغة الأرقام، حيث يحمل الدكتوراه في مجال الحاسبات الإلكترونية، وكل خبراته العلمية في مجال الهندسة الإلكترونية، ويعد أول من طبق فكرة البطاقة الذكية للتموين بشكل إلكتروني عام 2006، كما أنه صاحب فكرة تطبيق البنية التكنولوجية في قطاعات السياحة والبترول والاتصالات، عندما كان مديرًا لمكتب أحمد نظيف أثناء توليه وزارة الاتصالات، قبل أن يتولى نظيف رئاسة آخر حكومات مبارك.

مسارات مغايرة

علي المصيلحي يجيد لغة الأرقام

يتمتّع الرجل بقدر كبير من الهدوء ومحاولة إثبات الذات طوال الوقت، حيث سلك مسارًا مغايرًا لكلّ المسارات التي سلكها وزراء نظام مبارك، فهو الذي ترشح للانتخابات البرلمانية التي جرت خلال فترة حكم جماعة الإخوان، بينما كان أكثرية رفاقه السابقين قابعين في منازلهم، بعيدًا عن الأضواء والسياسة بعد انهيار النظام، أو يخوضون معركة تبرئة أنفسهم أمام ساحات القضاء من التهم الموجّهة إليهم.

صحيح أنه خسر معركة الانتخابات، في دائرة “أبوكبير”، بمحافظة الشرقية، (شمال القاهرة) أمام مرشح إخواني، لكنه آثر إعادة بناء شعبيته مرة أخرى، باستغلال علاقاته السابقة في تقديم الخدمات لأبناء الدائرة، وعاد للمشهد مرة أخرى مع سقوط نظام الإخوان، وأعلن تأييده لحراك الجيش ضد محمد مرسي بعزله من الحكم، ثم تقدم للانتخابات البرلمانية الأخيرة، فنجح باكتساح.

لكن تظل أحاديثه الإيجابية عن مبارك ونظامه، إحدى المنغصات التي تواجهه طوال الوقت، حتى مع رئاسته للجنة الاقتصادية في البرلمان الحالي، لا سيما تصريحه الذي أدلى به في أحد حواراته التلفزيونية، والذي قال خلاله “إن حسني مبارك بالنسبة إليّ أب وصاحب مبدأ.. وأوجه إليه رسالة من ابن لأبيه.. تحية إجلال وتقدير لهذا القائد المحنك والعظيم”.

لم يكتف المصيلحي بذلك فحسب، بل إن تمجيده لمبارك وصل إلى حد التأكيد على أنه تعرض إلى ظلم وكذب وافتراء من ثورة يناير، وأنه يكفيه شرفا اتخاذه قرار التنحي عن المنصب مع احتدام الموقف حينها وتفضيله سلام المجتمع على مصلحته، ولطالما أشاد بدور مبارك في إنشاء المدن الجديدة، وتطوير البنية الأساسية، وتحقيق معدّل نمو وصل إلى 7.2 بالمئة، علاوة على رفعه الاحتياطي النقدي لمصر إلى 38.5 مليار دولار.

ويظل شعور “رجل مبارك”، أو “ابن مبارك”- حسبما يحلو له هو نفسه أن يصف نفسه- بأنه أصبح مسؤولا عن تأمين معيشة البسطاء، وتحصينهم من مغبة الغلاء، وتضييق رقعة الفقر، حملًا ثقيلًا على كتفيه، لكن لذّة عودته لمنصبه السابق، الذي تركه قبل 6 سنوات، سيكون لها حتمًا مذاق خاص، فحتى وإن كانت لديه قناعة بأنه سوف يظل تحت المجهر طوال الوقت، فهو مضطر لتحسين صورة وزراء العهد البائد، والعمل على تحجيم غضب محدودي الدخل، كي لا يتحول سخط هذه الفئة من مجرد الصمت إلى حدّ الخروج إلى الشوارع، كما فعلوا من قبل.

12