علي المقري: كل هذا الخراب وما زلتم تخافون الكلمة

الخميس 2015/01/15
علي المقري الوطن بالنسبة إلي سؤال

نحن نشبه الآخر أو الآخر هو صورةٌ مزيّفَةٌ لنا مهما كنّا نعتقد في عقلنا الباطن بأننا لا نشبهه، لنجد في نهاية المطَاف أننا متشابهون كثيرا، نحن الآخرون والآخرون نحن، أن أكتبَ ما أعتقده حتى لو خالف السائد، فذلك يعود إلى تقاربي مع هواجسي التي تعيش داخلي حدّ التوحّد بها وصداقتها. بهذه الكلمات يبدأ الروائي اليمني علي المقري حديثه لـ”العرب”.

والمقري صحفي وروائي يمني يعمل في الصحافة الثقافية منذ عام 1985 وصلَت أعماله إلى القائمة الطويلة لجائزة البوكر الأدبية، كما تم ترجمة معظمها إلى لغات عالمية، وقد صدرت له مؤخرا، عن دار الساقي، رواية بخور عدني.

ترك علي المقري بصمة واضحة لا يمكن أن تزول في الأدب العربي، من خلال روائعه التي قدّمَهَا للمتلقي عبر عشرة كتب، وصَلَ منها اثنان إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية – البوكر عامَي 2009 و2010.

وقد ترجمت روايتَه “اليهودي الحالي” إلى الفرنسية وإلى الإيطالية. كما تمّت ترجمتها إلى الكردية، هذه الرواية التي عرَض فيها علي المقري قصّة اليهودي الحالي سالم اليمني، الذي وقع في غرام فاطمة الفتاة المسلمة في اليمن، وهرب دفاعا عن حبه نحو العاصمة صنعاء معها، لينجب طفلا لم يعترف به المسلمون ولم يعترف به اليهود، فتاه أيضا في الجهات الأربع للوجود، تاركا كلّ شيء خلف ظهره ناسيا كلّ ما كان، فالحبّ وحده هو ما يملِكُهُ المهمّشون.


الوطن والأدب


يحاول علي المقري دوما المشي في دهاليز مُعتِمَة ليضيئها بكلماته، التي تميط اللثام عن واقعٍ اجتماعي واقتصادي وربما ديني أو إثني، من خلال شخصياته الروائية التي يمسك بخيوطها كاملةٍ بحرفية صياد أتقن تماماً كيف يرمي صنارته ليلتقط سمكةً تحمل لؤلؤةً، أو خاتماً في جوفها، هكذا علي المقري في أعماله التي تسعى إلى تسليط الضوء على الآخر الذي يشبهنا أو يعيش فينا، دون أن نكتشف ذلك إلا حين نتوحّد بالواقع الذي يكشفه علي بكل جرأة دون خوف.

علي المقري يرى نفسه على خلاف صدى أعماله، بأنه غير مثير للجدل، فهو لا يسعى إلى ذلك الصدى بل يكتب ما يراه ويتَكَشّفَهُ ويتقارب مع هواجسه التي تعيش بداخله.

يحاول علي المقري المشي في دهاليز معتمة ليضيئها بكلماته، التي تكشف واقعا اجتماعيا وربما دينيا أو إثنيا

هذه الجدّة التي يقدّمها علي المقري هي جزء من أشياء كثيرة ما تزال بحاجة إلى أن تُروى في الثقافة العربية، وهذه المواضيع لا تتعلق، كما يرى المقري، بجانب الموضوع ولا تمايز الحياة واختلاف الواقع، بل تتعدّى ذلك إلى أساليب السرد وفنونه، التي لم تُكتَشَف بعد، ولا بدّ من العمل الحثيث للكشف عنها والوصول إليها.

ضيفُنا يقدّم دوما النقيضين من خلال الأنا والأنا الآخر الذي يعتبره صورة أخرى عنّا تكاد تكون مثلنا، ليصهر الجانبين في جانب واحد، ويباعد بينهما في مواقف أخرى، رغم إقراره بعدم انشغاله بهذه الثنائية الجدلية دائمة الوجود، بل يرى أن الثقافة العربية صارت مليئة بتناقضاتها ونقائضها، ولم يعد هناك أي تخصيص للآخر، فكل واحد هو آخر، العربُ صاروا آخرين لأنفسهم، أكثر من الآخر الذي يعتبرونه كذلك.

في روايته الأخيرة “بخور عدني” الصادرة عن دار الساقي في لبنان والتي يقول ناشرها: “هي رواية تتحدّث عن معنى الوطن في مدينةٍ فتحت أبوابها للجميع”، ينقل علي المقري الإنسان بين وطنين، ليُلبِسَهُ زيّاً مُختَلِفاً عنه، وليخلق له وطناً بديلاً.

وهذا يقودنا إلى ثنائية الوطن والوطن البديل التي يطرحها المقري في هذا العمل، ليتحدث عن انشغالاته في السرد الناتجة عن هواجسه المتّصلة بالواقع، مع أنه يصر على ألّا يمنح هذه الهواجس إجابات شافية نهائية، فهي مفتوحة على خلاف تلك الأسئلة واضحة المعالم، فالوطن عنده كما يراه ما يزال عبارة عن سؤال وكذلك البديل، خصوصا أننا لم نعِش هذا الوطن أو البديل عنه، بل عشنا ما يشبه الوطن أو لنقل وهمه. وفي نفس السياق ربما لا تخرج فكرة الوطن البديل عن هذا الوهم.


إعادة إنتاج التاريخ

رواية تتحدّث عن معنى الوطن في مدينةٍ فتحت أبوابها للجميع


علي المقري في أعماله يبدو وكأنه ممسك بتلابيب المجتمع اليمني من خلال فهمه العميق لبنية ذلك المجتمع المتنوع، وهذا ما هو مُلاحَظ في روايته “اليهودي الحالي”، وهذا يحيلنا إلى التساؤل، هل استطاع هذا المجتمع التمسّك ببعض جوانبه الجميلة الماضية رغم كل ما مرّ ويمر؟

هنا يؤكد الروائي اليمني أن اليمنيين في الوقت الحالي كحال بقية العرب لا يعملون على ترميم التاريخ، بل على إعادة إنتاجه، ربّما يعاني اليمن من مشكلة فهم ذاته أمام التحولات الصاخبة إقليميا وعالميا. أمّا الآن فقد اتجه نحو مجتمع الحداثة، بل يعيشه بشكل من الأشكال وفي حال من الأحوال، أراد ذلك أم لم يرد.

وبالرغم من كل الصور الوردية التي تظهر في عيني المقري عن اليمن، إلا أنه لا ينسى أن كتابَهُ “نافذة للجسد”، الذي صدر عام 1987، تمت مصادرته بالكامل فور إعلان نشره.

ويُعَلِّق على ذلك قائلا: “أمام كل أعمال العنف المعيش في العالم العربي، بكل أشكاله وأسلحته، لا أدري لماذا ما زال البعض يخاف من الكلمة. هذه الكلمة التي تنسحق يوميا، ولم تعد لها أي قوة سواء كانت قوة تحريضية أو وجودية”.

يبدو علي المقري في رواياته كمَن يقدّم كشف حساب للتاريخ الحديث من خلال مواقف راسخة يطلقها على لسان الشخصيات التي يرسمها بدقة بالغة، تقترب من القارئ حدّ الالتصاق، ليشعر أنه يعرفها منذ زمن، بل يتعدّى الأمر ذلك إلى التعاطف المطلق معها، فيحبّها أو يكرهها ويبكي لموتها ويتمنّى أن ينقلها إلى الواقع.

وبسبب هذه الملَكة التي يتميّز بها المقري هناك من يتّهِمه بتمرير آرائه السياسية الشخصية ومواقفه من العقد الاجتماعي، فكان لا بدّ أن نعرف إلى أي مدى يشبه الروائي اليمني شخصياته التي يعبر بها إلى قلوب القرّاء، ليؤكّد أنه لا يعرف إلى أي مدى يشبه هذه الشخصيات، لكنه إذا ما قرأها، فهو يظن أنها جميعها، تتوق إلى سلام داخلي.

تبدو وكأنّها تعيش وهم الحرّية، بل ووهم الحياة نفسها، وحين يتكشّف لها ذلك تبدأ مكابدتها إذ تمارس احتداماتها. ما أعمله أنني أحاول أن أبقى على مسافة بينها ومعها وأن أترك لها حرّية الحركة والحياة وإن كانت في اتجاه معاكس لي.

15