علي النجار فنان عراقي يعيش مع كائناته الغرائبية

السبت 2016/11/12
علي النجار مخلوقات قادمة من عالم بريء

تونس- كان والده نجارا، يمارس نجارة الصناديق الخشبية، ويعهد لابنه ذي العشرة أعوام بمهمة رسم الطيور والطواويس والزخارف النباتية على واجهاتها الخشبية والزجاجية. هكذا بدأ شغفه بالرسم، بل درسه الأول. وستكون رسوم وصور المجلات وبعض الكتب، التي عثر عليها في خمسينات القرن الماضي في أسواق قضاء الشامية “محافظة الديوانية” التي انتقل إليها من بغداد مع عائلته، درسه الثاني. تحصل على دربة الرسم بأثر هذه الممارسات اللاهية. إذ لم يكن هناك معلّم للتربية الفنية في مراحل دراسته الأولية كي يأخذ بيده، لكن خبرته الفردية العصامية هذه أهلته كي يجتاز امتحان القبول في معهد الفنون الجميلة ببغداد في العام 1958.

هو أحد فناني جيل الستينات من القرن العشرين في الفن التشكيلي العراقي، لكنه أقلهم ضجيجا ومباهاة، لم ينضم إلى جماعات فنية معهم، لم يصدر بيانات فنية تندد بالعالم وتطالب بفهم مغاير للفن وأدوار جديدة للفنان، كان مكتفيا بكونه معلّما للرسم في إحدى مدارس بغداد، وهانئا في رسم لوحات تجريدية متقشفة، تكرّس من اختلافه في المشهد التشكيلي العراقي.

أو هكذا ظل، محايدا في حضوره الفني، هامشيا في وسط زاخر بالمنافع، متهاديا وحيدا على وقع خطوات قصيرة بين ظلال عالم كان يشيده من الخيال. ولد في العام 1940 في بغداد، في إحدى محلات الكرخ. هرب إلى إيران بعد أحداث العام 1963، وأعاده أمن شاه إيران إلى بغداد ليقضي في السجن عاما واحدا، بين سجني الحلة والديوانية بتهمة انتمائه لحزب اشتراكي، ويفصل من وظيفته ليعاد إليها في العام 1968.

فنتازيا وميتافيزيقيا

أقام معرضه الشخصي الأوّل في المركز الثقافي السوفييتي في بغداد، تبعه خمسة عشر معرضا شخصيا، حتى غادر العراق في العام 1997 ليستقر في بلد الاستقبال السويد، في مقاطعة مالمو. في مقدّمة الدليل لأحد معارضه الشخصية الذي أقيم في العام 1996 في بغداد، كتب جبرا إبراهيم جبرا أن “الفنان علي النجار متفرد بين الفنانين العراقيين بسبب فنتازيته التي تبدو ملهمته، فله رؤى تتداخل فيها الأشكال الإنسانية مع أشكال الطير والإنسان كجزء من رؤياه، وقد استطاع أن يجعل منها حلمه، هذا التميز جزء من تجربته في الحياة”.

قال عنه شاكر حسن آل سعيد إن تجربة النجار “تمثل الاتجاه الميتافيزيقي في الفن العراقي”. وفي بدايته في نهاية العقد السادس، وكذلك الحال في سبعينات القرن الماضي، كانت لوحات النجار تجريدية بامتياز، سطوح تتألف من أشكال دائرية وأخرى هندسية، تتقاطع وتطفو على السطح التصويري للوحاته، بطريقة مختزلة ومتقشفة لجهة ألوانها وتكوينها الإنشائي. تتحوّل هذه التجربة مع بداية ثمانينات القرن العشرين، كما يذكر الفنان إلى “التشخيص الفنتازي، ولتسلل تفاصيل تجمع ما بين التخيل والمأساة، لكن ضمن مساحة الفانتازيا نفسها، التي تعلّمتها من الموروث الأقدم، وبات اللون يتحرر من تجريديته السابقة إلى الظلال التعبيرية غنية الدرجات”.

تكوينات تنسج مشهدية غير متوقعة

كان العراق وقتها يخوض حربه مع إيران، فيما سيلتجئ الفنان إثر هذا الوضع إلى تخيلات مضادة، إلى ابتكار رؤية يمكن وصفها بالخليقية. أسلوب فني ينحو نحو تصوير مخلوقات أو كائنات، الإنسان، الحيوان، النبات، بطريقة متحولة أو متخلقة عن وضعها الحقيقي وشكلها الأصيل، وحاضرة بطبيعة متخيلة تكاد تضاهي غرابتها بالعفوية. رؤية تتمثل أشكالا استمدت مظهريتها من نماذج لمخلوقات حية.

خاصية أسلوبية ميّزته عن مجايليه من الفنانين العراقيين، في وقت كان فيه المحترف الفني العراقي شديد الاهتمام بجعل الفضاء التعبيري مرادفا للهوية الوطنية. وهو بقايا صدى لحظاته التأسيسية في خمسينات القرن الماضي التي عاينت الموروث الحضاري بإجراءات الحداثة في خبرتها المحلية. تلك الخصائص التي تكرّست عبر الإنجاز المشترك لفنانين لكن من دون ارتهان لتبعية التقليد، بل عبر الانشداد بقوة إلى المغايرة الذاتية وأوصاف الانفتاح على التنوع. فيما كانت تجربة النجار تمضي باتجاه لا يخلو من ذاتيته ورمزيته المتخيلة، حالة من تأثير يتقاطع فيها اللاوعي مع الحس الأسطوري، متمثلة مرجعياتها من الفن السوريالي والميتافيزيقي.

في لوحاته تختبر مسالك هذين الاتجاهين وتأثيراتهما، حيث تحضر موضوعات الخيال، الأحلام، الأسطورة، اللاوعي. بحساسية تجريبية تتمثل الاستعارة، وتحتفظ بقدرة دلالية مفعمة بدافع ذاتي ونفسي لاشعوري، مستلهمة عناصر الحلم والأسطورة كأحدّ أهمّ مواد مختبرها التصويري، بدواعي الاقتراب إلى مستويات أكثر من اللاوعي والتوغل في أعماق الذات. لقد كان فضاؤه الفنّي في أعماله متخيلا، وخاصا، وكأنه من صنيعة الفنان، وهو غير واقعي أيضا، تؤطره علاقات شكلية نادرة الحدوث، وتضاهي عالما تتألف أشكاله من مخلوقات وأشياء حاضرة باعثة على الغموض والغرابة وعدم التوقع.

العالم البريء

إحدى مفارقات رؤية النجار أن يحتفظ بخيال لا يشاركه فيه سواه. لوحاته لا تكرس اهتماما إلا شغفها ببداهتها وحريتها الخالصة. في منتصف تسعينات القرن الماضي سيطلق على أحد معارضه الشخصية التي أقامها في بغداد عنوان، “عالم بريء”. يستدعي الإيحاء الذي انطوت عليه تلك التجربة، الوعي بالوجود الإنساني أثناء بحثه عن بعد روحي وعن عالم شديد النقاء والبراءة. كأنه بذلك يتمثل خبرة أولية، تنسجها دوافع جوانية خالصة. عالم يتمظهر من مجاز بصري لمخلوقات حية، تكون حاضرة في أوضاع شتى، ومشكّلة تأليفات تصويرية قابلة لإعادة تمثيلها وتكوينها في حيز استفهامي، مبتكر، وغير مألوف، تكاد تكون أشكالا خاما، حتى وهي تشير إلى مكان غير متعين شديد الصلة بهذه الأشكال ووجودها الغرائبي.

تكوينات تنسج مشهدية غير متوقعة، يتداخل فيها الإنسان مع الطير ومع النبات ومع حيوانات أخرى وكائنات، تذكّرنا بموقف وجودي يؤثر تأجيل حقائق الحاضر من أجل الذهاب إلى أزمنة غامضة، يتضافر فيها البدائي مع رؤية خاصة وتجريبية معا، يغادر معها الفنان إلى فضاءات تنشد ما هو أوليّ، ذلك الذي يبتدئ من حرية اللحظة، وتمثل الخيال.

تتمظهر أشكال النجار بطبيعة عضوية، تكثر فيها خطوط منحنية ومسحات لونية تتجاور لتكتسب صبغة لونية غالبا هي صريحة وحارة. ثمة رهافة في تعيين ملامح الأشكال في لوحات الفنان، عبر خط خارجي يمارس حضوره بليونة، وعفوية لافتة. في ممارسته هذه، يسعى الفنان للاستعانة بالخط الخارجي لتحديد ملامح هذه الأشكال، هيئتها، بعض أجزائها من أجل تضمين صفات دلالية، معينة، فيها، مثل الوجه، الأطراف، الجسد الإنساني والحيواني، مجزوءا أو كاملا، أو أيّ أشكال موحية أخرى يتاح ظهورها على السطح التصويري للعمل الفني. رسومه تذكر بحياة أكثر انخطافا وأمضى عذرية، ساعية لجعل الرسم جوهرا للتخاطب، وقوة سحرية غامضة في علاقتها مع عوالم غير معلومة وغير مكتشفة.

الجسد مغتربا

عانى الفنان النجار منذ العام 1993، من مرض خبيث تم استئصاله، تجربة شخصية لازمت الفنان ما يقارب العقد من الزمن، حتى بعد تجاوزه تبعات هذا المرض. ذلك ما دعاه للتعاطي مع فكرة الجسد كموضوع ذاتي يمكن تمثله في تجربة فنية. جسد بمنزلة تجربة حياة سابقة يروى عنها من خلال العمل الفني، حكاية عن ذاكرة احتفظت بواقعة الألم، وبما يجعل الفنان علي النجار يتبنى وجعه الذاتي والجسدي بوصفه موضوعاً لأعمال فنية تخضع لعمليات تكثيف وانفعال نفسي، ومحاولة تفسير قصدي جمالي لها.

تكوينات يتداخل فيها الإنسان مع الطير ومع النبات ومع حيوانات أخرى وكائنات

كان لدوافع الاغتراب أثرها في اقتراح رؤية كهذه، إذ على الفنان التشكيلي المغترب اكتشاف ذاته من جديد في وسط فيض من تجارب كثيرة ومعاصرة، خاصة بعدما انتبه الفنان إلا أن أيّ تجربة فنية معاصرة لا بد أن تبدأ من الاشتغال على الأفكار والمعارف الحديثة، ومن هنا سينظر إلى مفهوم الجسد بوصفه موضوعاً يستدعي إشكالية جمالية لا يمكن فصلها عن الفن ولا عن رؤيته تجاه العالم.

عمل تركيبي بعنوان “لغة الجسد”، والمؤلّف من سرير جاهز، وأعمال منفذة بأحبار ملوّنة على ورق وألوان زيتية على كنفاس مجموعها 75 عملاً، أنجزت العام 2004، شارك به الفنان في أحد المعارض الجماعية في مالمو في العام 2005، وأعاد عرضه كذلك في معرض جماعي في ستوكهولم العام 2006، معتمداً فيه على مجموعة من التخطيطات الأولية كان قد نفذها في بغداد العام 1993 أثناء فترة مرضه. توزعت الأعمال الورقية والزيتية على أربع مجموعات حملت كل منها عنواناً خاصاً بها “تداعيات”، و”الأحلام”، و”الآثار”، وكان عنوان المجموعة الرابعة هو “الأعمال التجميعية”.

احتوى العمل التركيبي “لغة الجسد” على سرير جاهز تبدو عليه آثار عملية جراحية وظلّ لجسد يتوسط قاعة العرض، فيما علقت على جدران المكان المخصص للعرض مجموعة لوحات نفذت من ورق كنفاس وأحبار ملونة مع عدد من لوحات زيتية وبأحجام مختلفة. في هذا المشروع لم يتمثل علي النجار فكرة المرض بوصفها إحدى حالات الإخفاق الجسدي والعجز عن تأدية وظائفه، بقدر ما هي حصيلة آثار نفسية ووجدانية توافقت مع مصدر إبداعي. تحولت خلالها هذه العلاقة من مشاعر مترسبة بحدود الوعي بالألم إلى فعل مشاركة فنية يتم إظهارها في لحظة تأمل وفعل تجريبي جمالي.

حاول النجار توصيف الحالة التي كان خلالها الجسد يخضع لأحاسيس متباينة من الألم والخدر والغيبوبة والنقاهة، متمثلاً تصوراته عنها والتي سكنت ذاكرته. وهي تصورات أخضعها أثناء فعل الرسم لصياغات تجريبية، وتمثيل تحوّلاتها. أعماله في تجربته تلك، تواصلت مع بعضها البعض في طريقة أداء ذات طبيعة توافقية متعاقبة اختلفت فيها وتعددت تفصيلات المشاهدة. في حياة الفنان علي النجار كما في أعماله ثمّة وجود يفصح عن نفسه بحرية وببداهة خالصة على الرغم من خسارته المعلنة.

13