علي النعيمي وزير سعودي يتحكم بأسعار النفط في العالم

الأحد 2015/02/08
النعيمي الوزير الذي لا يقلق

منذ منتصف العام الماضي تقريباً صار الحديث عن انخفاض أسعار النفط حديثاً طبيعياً في كل المجالس ذات الصلة سواء السياسية أو الاقتصادية أو ربّما الاجتماعية، ولعلّ مجلساً من أولئك لا يستقيم من غير ذكر اسم المهندس علي بن إبراهيم النعيمي كضيف دائم يحضر عندما يُفتح حديث النفط، الرجل السعودي الذي يتحكّم بأسعار النفط العالمية.


رجل الأرقام


دوافع القلق المباشرة وغير المباشرة تحيط بنا ووزير البترول والثروة المعدنية السعودي لا يقلق وهذا يدلّ على قدرة واسعة لاستشراف المستقبل أو قراءة ما قد يحدث بناء على معطيات الحاضر على الأقل على مستوى السوق النفطي، رجل الأرقام كما يُحبُّ من يتابعه أن يسمّيه يحاول أن يمشي على أرضية صلبة، هو الذي يحبُّ رياضة المشي لأنها تتيح له التفكير منطلقاً نحو الأمام، فأعظم الأفكار تأتينا ونحن نمشي، لذلك مشى بخطواته البسيطة في سنه الثانية عشرة نحو مؤسسة أرامكو السعودية النفطية الشهيرة، ليستمر فيها عقوداً من الزمن مُتَدَرِّجَاً بها نحو المناصب القيادية ليعتلي كرسي الوزير للبترول والثروة المعدنية في الشهر الثامن من العام 1995 ومنذ ذلك الحين والرجل يدير ملفّات النفط في بلاد هي الأكبر بين دول العالم إنتاجاً للنفط.

مايسترو أوبك كما يُسمَّى في أروقة المؤسسات الاقتصادية بعد استلامه ملفَّ وزارة البترول والثروة المعدنية داهمته في العام 1998 أي بعد استلامه إدارة وزارة النفط في المملكة العربية السعودية ما عرفت بالأزمة الآسيوية حيث انتشل الأسعار من ذلك الهبوط الحاد الذي أصابها في تلك الفترة فقد اعتمد في طريقته على الحوار وإقناع سبع عشرة دولة من داخل منظمة أوبك وخارجها بخفض الإنتاج ما أدّى إلى السيطرة على تلك الأزمة التي لاحت في الأفق بعد أن قام النعيمي باستخدام دبلوماسيته الاقتصادية بتقليل العرض وبالتالي ارتفاع الطلب، والأوبك كما هو معلوم كانت اللاعب الرئيسي في تحديد الأسعار رغم أنّها لا تنتج إلا ما يتراوح بين 35 بالمئة إلى 40 بالمئة من الإنتاج العالمي بينما حصّة السعودية من إجمالي الإنتاج العالمي ما يقارب 10 بالمئة لذلك امتلك النعيمي هامشاً من الحرية والمناورة في اللعب بهذا الملف الحسّاس.

أعضاء منظمة أوبك في تلك الأزمة كان بعضهم يريد أسعاراً عالية للبرميل الواحد بينما اتجه القسم الآخر إلى اعتماد الأسعار المعقولة التي تتعلق بتناسب بالثنائية الكلاسيكية المطروحة بين العرض والطلب، وبالرغم من كل هذه الآراء المتضاربة استطاع النعيمي أن يجد صيغة مشتركة فيما بينها جميعاً، وهذا يعود إلى إدراكه للغة الأرقام، فانطلق النعيمي حينها من رؤية العاهل السعودي الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي قال إن سعر 85 دولارا للبرميل هو سعر مناسب وعادل.

عندما خرج النعيمي من قاعة الاجتماعات الكبيرة في فيينا بعد الاجتماع الصيفي في العام 2011 على عجلة من أمره، قال أمام الكاميرات إن ذلك الاجتماع هو الأسوأ في تاريخ منظمة أوبك بالنسبة إلى الوزير السعودي، فالخلافات كانت كبيرة بسبب اختلاف الشركاء على الحصص فيما بينهم لأنَّ الطلب يهبط بشدة والسوق يسبح في النفط على حد تعبيره في ذلك الوقت، وأمام أسئلة الصحفيين التي استفزّته ردَّ الوزير السعودي “لماذا تريدون مني أن اقلق ألأنّكم تفترضون أموراً لم تحدث بعد، ألأنكم تتحدثون عن سيناريوهات غير موجودة؟”. وكان هنا يشير إلى النفط الصخري الأميركي مقارباً إيّاه مع تلك الموجة من الأحاديث والأصوات التي ارتفعت بعد اكتشاف النفط في بحر الشمال البريطاني، وتابع النعيمي لحظتها بعد اعترافه أنّ الاجتماع هو الأسوأ قائلا “لن أقلق كل شيء بخير”.

النعيمي يستعين بخبراته الطويلة في أرامكو وهو الذي دخلها موظفا صغيرا في سن الثانية عشرة، ليصبح على رأسها ثم على رأس ملف الذهب الأسود السعودي

استبعاد الاحتمالات السيئة، من آلية عمل الوزير السعودي جعله يتبوَّأ المراكز القيادية العالمية في ملف الذهب الأسود، ذلك الشاب الذي دخل أرامكو حالماً ليبدأ مشواره العملي في الساحة السعودية يعترف في لحظةٍ صفاء أنّ الأجيال الحالية لو استخدمت ما تعلّمَهُ جيل الوزير في خمسينات القرن الماضي من علوم التكنولوجيا والجيولوجيا لما استطاعوا الحصول على برميل نفط واحد وفي هذه العبارة الأخيرة دليل على ديناميكية الوزير واعترافه بضرورة مواكبة العلوم وأهميّتها في بناء الاقتصادات والسياسيات الوطنية.

وُلِدَ علي النعيمي في العام 1935 في الظهران بالمنطقة الشرقية في المملكة العربية السعودية وبدأ حياته العمليّة مبكراً، كان عاملا بسيطا في الشركة وفي أحد الأيام، زجره مهندس أميركي حين كان يعاني من بعض التعب فذهب ليشرب ماءً من قسم المهندسين، فنهرهُ هذا المهندس الأميركي وقال له “أنت مجرد عامل بسيط ولا ينبغي لك أن تشرب الماء من قسم المهندسين”، فأقسم الفتى النعيمي أن يدرس الهندسة، وأكمل دراسته وتفوّق فيها كثيرا، وخضع في شبابه لعدة دورات عالمية في مجال الطاقة، ودرس في الكلية العالمية ثم في الجامعة الأميركية وتابع تحصيله بعد ذلك في جامعة ليهاي في بنسلفانيا حيث نال درجة البكالوريوس في الجيولوجيا في العام 1962، ثم حصل على الماجستير في الجيولوجيا من جامعة ستانفورد في العام 1963، وليرتقي وظيفياً حتى أصبح أوّل سعودي يتسلم إدارة المؤسسة الوطنية للنفط أرامكو في العام 1984 وبعد ما يقارب أحد عشر عاماً في إدارته لهذا المنصب الحسّاس، تم اختياره في العام 1995 وزيراً للذهب الأسود، ليكون النعيمي في العام 2013 أسعد وزير سعودي حسب صحيفة مكّة المكرّمة التي اعتمدت في هذا اللقب على عدة أسباب أهمّها أنَّ سعر النفط كان مستقراً باقترابه من 100 دولار ما يعني استقرار السوق النفطية فضلاً عن اقتراب السعودية من حجز مقعدها الدائم في صناعة الألمنيوم.


النفط واللعبة السياسية


مع نهاية العام الماضي أي في ديسمبر من العام 2014 تحدّثت بعض التقارير السياسية والاقتصادية عن أنَّ طهران تحاول أن تبيع بسعر بخس ما يُسمّى المخزون العام من النفط الإيراني نتيجة العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، ما أدّى إلى انهيار أسعار النفط، وهذا دفع بدول الخليج العربي إلى اتِّباع استراتيجيات مُضادّة للحفاظ على الحصة النفطية للدول المُنتجة للنفط وهذه السياسة قادها النعيمي في ما بات يُعرَف بـ”صراع الإرادات”، أسعار النفط والأبعاد السياسية فتحت الأبواب للحديث عن خطةٌ أميركية سلاحها تحمله السعودية لتنفيذ ضرب اقتصاد إيران وروسيا بحسب اللعبة السياسية لدفعهما للتنازل أو التراجع عن مواقفهما في منطقة الشرق الأوسط وهذا يعيد إلى الأذهان ما حدث في الثمانينات من القرن الماضي في مرحلة سقوط الاتحاد السوفييتي، وبعضهم يقول إن هذا كلّه خاضع للثنائية الكلاسيكية بين العرض والطلب، وأيّاً كان السبب والتحليل السياسي لا بدَّ من الاعتراف أنّ الوزير السعودي بصفتِهِ المسؤول عن ملف النفط في الدولة الأكثر إنتاجا في العالم للبترول قد قاد مرحلة السياسات الداخلية في أوبك دون أن ينسى تلك التسريبات التي تستخدمها التنظيمات الراديكالية في العراق وسوريا والتي شكّل النفط الباب الرئيس لقوام الاقتصاد عندها، ولتطويق أسعار النفط لجأ النعيمي إلى الرؤية السعودية التي أقرّها الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز حين قال في مرحلة ما، إنَّ السعر المتراوح بين 75 دولارا إلى 85 دولار هو العادل والمناسب لبرميل النفط، وهذا ما يتناسب مع وضع السوق العالمي المُتَعلِّق بوفرة العرض لاسيّما أن بعض الشركات الأميركية قد دخلت إلى السوق بكميات كبيرة بوجود النفط والغاز الصخريّين الأميركيين الضيفين الجديدين على السوق العالمي.

السعوديون لا يغيب عن بالهم أنهم لاعب أساسي في الملفات السياسية العالمية، وهذا ما أدركه النعيمي الذي برع في بناء الاقتصاد النفطي السعودي على افتراض أسعار متدنية على مبدأ "تجنب الاصطدام بواقع صعب"

اليوم هناك دوافع كثيرة للنظرية الجيوسياسية، وهي حاضرة، ولكن هناك في الميزان الاقتصادي معايير مختلفة كما يقول كثيرون، فالاضطرابات في أوكرانيا وتوقيع اتفاقية الغاز بين روسيا والصين فضلاً عن الأزمات التي يشهدها الشرق الأوسط كلّها تدفع بتحويل النفط إلى سلاح موضوع على رقبة الدب الروسي الذي عانى من مشارفة الروبل على الانهيار التام في الستة أشهر الأخيرة، السعر المتدني للنفط يخدم الولايات المتحدة ولكنه يضر أكثر بالاقتصادات الأخرى التي تعاني من الركود ولاسيما أوروبا والصين ولذلك لن يغيب عن بال السعودي أنه لاعب أساسي في الملفات السياسية العالمية، وهذا ما أدركه علي النعيمي لذلك نستطيع ملاحظة أنَّ الاقتصادالسعودي والخليجي عموماً يتم بناؤه على افتراض أنَّ أسعار النفط مُتدنِّيَة ويطبّق هذا اتباعاً لمفهوم تجنُّب الاصطدام بواقع صعب، من جهة ثانية فإن الأسعار المتدنية للنفط تحرج الخصوم السياسيين ولاسيَّما في موسكو وطهران وقبل ذلك كراكاس عندما كانت في عهدة تشافيز وبعده.

هناك إدراك حقيقي في عقل الوزير السعودي لهذه النقطة ولذلك فإنَّ اللعبة تقوم على مفاصل تتعلق بالتوافق الضمني كما يقول الخبراء بين الرياض واشنطن على إبقاء الوضع كما هو عليه، كل هذا الضغط كما تُسمّيه موسكو ما هو إلا بهدف خلق تهديد ومخاطر وتنفيذ مظلة الحماية الأميركية في مقابل حل الأزمات الاقتصادية، وهو ما ينفيه النعيمي، فالمسألة لا تتعلق بالسياسة الأميركية كما يتَّضِح من تصريحاته بل تتصل بحاجات دول منظمة أوبك لتحقيق التوازن الاقتصادي فالكميّة الفائضة من البترول السعودي هي لسد احتياجات النقص وللاستجابة لحالات الطوارئ العالمية، فالرياض ليست معنيّة بمن يوقف حصّته الإنتاجية ضمن منظمة أوبك كما يقول النعيمي، وبهذا يدحض أي اعتبارات سياسية للملف النفطي الاقتصادي بامتياز.

سياسة المملكة العربية السعودية منذ أن أصبح النفط سلاحاً واضحاً في تبادل المصالح بين الدول إنّما قامت على تحقيق التوازن العالمي فالرياض تُدرك قيمة هذا الدور الذي تلعبه على المستوى الدولي سواء في عهد الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز أو في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز، هناك ممكن وغير ممكن في السياسة السعودية بشأن النفط وهذا ما تمكن ملاحظتهُ من متابعة استراتيجية عمل علي النعيمي الذي يسعى باستمرار للحفاظ على الاستقرار النفطي سواء خليجياً أو عربياً أو عالمياً و بتعبيره المرِح يقول النعيمي “إذا شعرنا بالخطر فتحنا الصمّام أكثر”، وهو هنا يقصد صمام أنبوب البترول الذي يضخُّهُ من باطن الأرض، ليفاجئ العالم كلّه حين يذهب إلى أبعد من ذلك بأنّه حتى لو انخفض سعر النفط إلى 40 أو 30 أو حتّى 20 دولار فهذا غير مهم وهنا تتَّضح لنا العقلية الادارية والقدرة على المناورة التي يتمتَّع بها النعيمي.

علي النعيمي، الذي لا يحب وسائل الإعلام، يترصّدُه الصحفيون أينما كان فيجيب بجملةٍ واحدة، لا تقلق، يقولها بالعربية والإنكليزية ليبعث الطمأنينة في نفوس من يسمعه.

7