علي الوردي صارح مجتمعه بأمراضه، كما لم يفعل أحد من قبل

الجمعة 2015/04/03
علي الوردي كان موضع احترام ولا يوجد مؤشر في التعامل معه أو مع كتبه بنحو سلبي

الوضع في العراق اليوم بما يوفره من تداخلات سياسية واجتماعية ودينية، يدفع إلى استحضار قراءة علي الوردي وتحليله للشخصية العراقية. فالصراع تحركه كلّ الرواسب التي تحدث عنها علي الوردي؛ حيث أن الازدواجية تمزّق المجتمع العراقي والعشائرية تعود متخفية تحت عباءة الطائفية، والصراع السياسي يحتدم بين السنة والشيعة. وإذ تنشر “العرب” مقتطفات من كتاب “خفايا من حياة علي الوردي”، للصحفي سلام الشماع، استكمالا لما نشر في عدد الأمس، فهي تفتح نافذة جديدة عما تركه الوردي من أفكار ومعارك وخلافات.

روى لي الدكتور عبد الأمير الأعسم حكاية أخرى مطابقة لهذه الحكاية مع اختلاف بطلها.. قال: طلب مني الصديق الدكتور محسن خليل، مرّة، عندما كان سكرتيرا لرئيس الجمهورية الراحل صدام حسين بأن يزور الوردي لكي يطلب منه بعض كتبه التي نفدت، فذهبنا لزيارته بلا موعد!! فكان عتاب الوردي لي مرّا: كيف أجلب سكرتير الرئيس لزيارته وهو بملابس النوم؟ لكنه كان سعيدا لأنه اعتبر طلب مكتب الرئيس لكتبه المفقودة سينصره على المسؤولين الذين صاروا لا يسمحون له بالسفر صيفا إلى بولندا.

وقد تكون الروايتان صحيحتين، فالرواية الأولى كان بطلها مرافق الرئيس أرشد ياسين وهذه بطلها السكرتير الإعلامي للرئيس الدكتور محسن خليل، وربما ذهب الاثنان، فعلا، إلى الوردي.

من منع كتب الوردي؟

إني لم أسمع من الوردي أن كتابا له منعت الرقابة طبعه، وسألت الشاعر حميد سعيد، الذي قضى سنين طويلة مسؤولا في وزارة الإعلام، فنفى علمه بذلك، ولكنه قال «إن الوردي قدّم إلى الرقابة في وزارة الإعلام أحد أجزاء كتابه “لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث” وفيه ملحق عن الماسونية فتخوف المسؤولون من إعطائه الموافقة بسبب هذا الملحق، ثم أشاروا عليه بتكليفي بمراقبة الكتاب، وكنت مديرا للتأليف والترجمة والنشر، والرقابة ليست من مسؤوليتي، فقدّم إليّ الوردي مسودة كتابه وقال لي: إنهم قالوا إنك تستطيع إجازة هذا الكتاب، فجلس في مكتبي ومازحته قائلا: ربما رفضوا إجازة كتابك لأنك ماسوني فعلا، فأراد الوردي أن يسحب نسخة كتابه من أمامي وهو يقول: يبدو أنك لا تختلف عنهم».

يقول حميد سعيد «فضحكت وعرف الوردي بأني أمازحه وأخذت المسودة إلى البيت وقرأتها كلها وفي اليوم الثاني أجزتها واتصلت به هاتفيا لأبلغه بالموافقة على طبعها ونشرها. ولو أن وزارة الإعلام منعت كتابا للوردي، فلماذا شكا لمن زاره عن الرئيس موضوع منع السفر، ولم يشك له عدم الموافقة على طبع كتابه؟».

الوردي وهارون الرشيد

العلاقة بين الوردي وصدام شابها التأويل والأقاويل

أذكر أن اجتماعا مشتركا عقد للقيادتين القُطرية والقومية لحزب البعث العربي الاشتراكي ومجلس قيادة الثورة، بعد الحرب العراقية الإيرانية لمناقشة إمكانية تحقيق التعددية الحزبية في العراق.

وفي ذلك الاجتماع تحدّث أحد الأعضاء بما يشبه التحريض ضدّ الوردي، ونقل للرئيس أن الوردي يقول في مجالسه وكتبه إن هارون الرشيد يمتلك ألفي جارية، وكان هذا العضو استقى هذه المعلومة من جدل جرى بين الشيخ جلال الحنفي وبين الوردي، وكتبه الحنفي في زاويته الصحفية في جريدة “القادسية”، بما يشبه التحريض أيضا، ولكن أيّ إجراء لم يتّخذ ضدّ الوردي، في حينه، فلو كان للرئيس أيّ قصدية تجاه الوردي فإن مثل هذا الحديث كان أفضل فرصة للانتقام منه، إن كانت هناك نية مبيتة ضدّه.

ويقول الدكتور جليل العطية، في مقالة نشرها في مواقع إلكترونية عنوانها “علي الوردي: ماذا يبقى منه؟”

«وحقق “لمحات اجتماعية” نجاحا مذهلا وتوقف سنة 1978 عن نشره، وخلال السنوات الأخيرة من حياته استأنف -الوردي- نشاطه المحدود من خلال المجالس الأدبية التي تضاعفت خلال السبعينات والثمانينات إثر منع السلطة سفر معظم رعاياها إلى الخارج، كان -الوردي- مستمعا أكثر منه مشاركا لخوفه من العيون المراقبة، التقيت الوردي فعلا في عدد منها، أذكر منها مجالس السادة: مكي السيد جاسم، د. حسين أمين، محمد جواد الغبان.

كان هؤلاء يغرونه بالحضور، ويعدّون له خلاصة عن أهم ما ينشر في الوطن العربي من كتب أو مقالات جادة وهو ما كان قد حرم منه بسبب منع استيراد الكتب ومعظم المطبوعات.

أخبرني الوردي في آخر لقاء لي به في مدينة “وارشو” - قبيل حرب الخليج الثانية- أن السبب المباشر لمنعه من نشر كتبه والتضييق عليه يعود إلى أنه قدّم مسودات الجزء السابع من كتابه “اللمحات” إلى وزارة الثقافة فاعترضت الوزارة، طالبة منه حذف بعض النصوص وإجراء تعديلات جذرية على الكتاب رفضها.

وفي هذه الأثناء استدعاه نائب رئيس مجلس قيادة الثورة ومسؤول المكتب الثقافي في الحزب صدام حسين فاعتذر هامسا في أذن الشخص الذي أبلغه الاستدعاء أنه لم يسبق له أن قابل أيّ مسؤول عراقي كبير لا في العهد الملكي ولا الجمهوري لأن موقفه من السلاطين معروف.

ويبدو أن الشخص الذي كلف باستدعاء الوردي لمقابلة صدام حسين بالغ في تبيان أسباب اعتذار صاحب “وعاظ السلاطين”، فعوقب الوردي وحرم الناس من كتبه التي ظلت ممنوعة داخل العراق، مما لا حاجة لتفصيله».

من مشى في جنازة الوردي: تشييع لا يليق بمثله خوفا أم ترددا
الوردي سيظل عصيا على النسيان
لن يفقد الدكتور علي الوردي توهجه وأهميته ولن تهدأ الضجة الكبرى، التي أحدثها بفرضياته وما طرحه واستكشفه، قرونا إلى أمام، وليس في ذلك مبالغة ولا تهويل، فقد تزعم حركة التنوير والتجديد في العراق بلا منازع.

نعم، ستغيب عن ذاكرة الأجيال المقبلة أسماء كبيرة من معاصريه، ربما بعد عقود من الزمن، إلا الوردي فإنه سيظل عصيا على النسيان، لسبب بسيط جدا، هو أنه كان يمدّ بصره بعيدا إلى المستقبل، فإذا كان أبناء عصره ظلموه ولم يولوه الأهمية التي يستحق، فإن المستقبل الذي مدّ الرجل بصره إليه سينصفه ويعطيه حقه، على الرغم من أن الوردي كان يردد في كل مناسبة وفي كل مجلس من مجالسه: ما فائدة أن يذكرنا التاريخ وسيأكلنا الدود عندما ننزل إلى قبورنا؟

لكني أظن أن الوردي بدأ بترديد هذه العبارة عندما تيقن أنه أنجز شيئا سيذكّر الناس به طويلا، على الرغم من أنه كان شديد السخرية من حاتم الطائي، الذي خاطب زوجته قائلا: «أمـــاويُّ أن المال غـادٍ ورائحُ/ ويبقى من المال الأحاديث والذكرُ».

بعد اتكائه على منجزه العظيم لم يعد الوردي يفكر بـ”الأحاديث والذكر”، بل إنه عندما أقيمت له احتفالية في بغداد، وهو على فراش مرضه الذي أفضى به إلى الرحيل عن هذه الدنيا، أرسل بيت شعر واحد إلى المحتفلين وطلب أن يلقى في الحفل، وهو: «أتت وحياضُ الموتِ بيني وبينها/ وجادَتْ بوَصْلٍ حيثُ لا يَنفَعُ الوَصلُ».

وفي هذا السياق سألته مرة بعفوية: كيف حالك يا دكتور؟ ففاجأني بالقول: فاخرة، لا دنيا ولا آخرة.

قد يرجع بعضهم هذا القول إلى السخرية العالية المرّة التي كان يتمتع بها الوردي في حياته والتي انعكست على كتاباته، ولكني كنت أشعر أنه كان يحس بالمرارة من أن ما أنجزه لم يعد عليه إلا بغضب المجتمع الذي أزعجته طروحاته والذي أشار إلى عيوبه وأمراضه وعلله الاجتماعية بعين ثاقبة. لقد صارح الوردي مجتمعه بأمراضه، كما لم يفعل ذلك أحد من قبل.

ويؤسفني أن أقول إن ما ذكره الدكتور العطية لا دليل عليه وأن كتب الوردي لم تمنع من التداول، ربما إلا لمدة وجيزة جدا بناء على اقتراح لأحد الأساتذة ترتب عليه إجراء ما سمي “السلامة الفكرية”.

الاستعانة بمدير أمن

دفعني ما قاله الدكتور العطية إلى أن أسأل أحد المديرين في مديرية الأمن العامة وهو السيد عبدالعزيز الراوي، الذي كانت له صلات بالوسط الثقافي والديني في العراق بحكم منصبه، عن حقيقة منع كتب الوردي، فأجابني بما نصه «أما في مديرية الإعلام التي توليت مسؤوليتها منذ تأسيسها بداية التسعينات من القرن الماضي، فلا توجد أية معلومة أو متابعة لما ينشره الوردي أو ما ينشر عنه، وهو كثير في الصحف والمجلات التي كانت تصدر في العراق، ولم تعرض علينا رقابة المطبوعات أية مسودة كتاب يروم إصداره، ولم يجر التدخل أو منع ما يروم إصداره. ولم يجر الحديث مع أيّ صحفي كان يكتب عنه وعن كتبه أو طلب منه عدم ترويج ذلك، وحضرتك أحدهم».

ومن المستغرب أن يوجه سؤال إلى باحث اسمه الدكتور قاسم حسين، الذي باعترافه أنه التقى الوردي مرتين، وهو: كيف كانت علاقة علي الوردي بالرئيس الراحل صدام حسين؟ فيجيب عن السؤال بما نصه «ثمة حقيقة هي أن الحاكم العراقي لا يحب علماء النفس والاجتماع إلا أولئك الذين يقولون له ما يحب أن يسمعه، والوردي كان يقول الحقيقة، وطبيعي أن لا تكون هنالك علاقة مودة بينه وصدام حسين، إنه أبلغ بأن “السيد الرئيس غير مرتاح لما كتبته”. وله الحق أن لا يرتاح له، فهو اسمه علي حسين الوردي وكظماوي وصاحب كتاب “وعاظ السلاطين”، ولم يكتب ما يمجّد صدام كما فعل أكاديميون كثر».

إن هذا الباحث يحاول أن يجرّ هذا الزعم إلى المنطقة الحرام في فكر الوردي وسلوكه وهي الطائفية، ثم إن إجابته لا تضم على ما يدل أو يثبت أو يؤكد أن الرئيس لا يرتاح إلى الوردي، وهو أيضا لم يقل لنا من أبلغ الوردي بأن صدام لا يرتاح إليه. “إنه رجم في الغيب” كما يقول البغداديون.

ويقول هذا الباحث، أيضا، في إجابته نفسها «ولقد كتب لي الأخ أحمد السيد علي بأن صحيفة أميركية أجرت في نهاية ثمانينات القرن الماضي حوارا مع الوردي حول الشخصية العراقية، وإنها كانت أجرت قبلها حوارا مع الرئيس صدام حسين عن الشخصية العراقية أيضا كان رأيه فيها مخالفا لتوصيف الوردي، وحين واجهته الصحيفة بذلك تملّص بإجابة دبلوماسية بأن العراق في حالة حرب والقصد مختلف».

لا أدري كيف نقل الدكتور قاسم حسين هذه الرواية من دون أن يدقق فيها أو يسأل عن تفصيلاتها الحقيقية، وهي جرت كما قدّمنا لها في سطور سابقة، وكما عرفت من الوردي نفسه ومصادر صحفية مقربة، وأخيرا كما أكدها لي الدكتور سعدون الزبيدي الذي كان مترجما للرئيس.

هذه كلها مؤشرات توضح أن علي الوردي كان موضع احترام وتقدير، ولا يوجد أيّ مؤشر في التعامل معه أو مع كتبه بنحو سلبي. وتجدر الإشارة، هنا، إلى أنّ التقوّلات والشائعات التي انطلقت ضدّ الوردي كانت تعود إلى سبب رئيس تتحمله الدولة وهو “ضبابية” موقفها منه. ولو كانت قد حدّدت موقفها منه بوضوح سلبا أو إيجابا لكان أفضل لها بكثير من حالة الضبابية تلك التي خلطت الأمور وأساءت إلى نفسها بها.

اقرأ أيضا

صدام حسين وعلي الوردي: ثنائية التنافر والالتقاء

7