علي الوردي في ملفه السري

الخميس 2017/01/26

لا يمكن إغفال اسم الراحل علي الوردي كعَلم عراقي وعربي في تاريخ علم الاجتماع المعاصر في أي مناسبة ثقافية وعلمية وأكاديمية، فهو تاريخ وطني وثقافي واجتماعي وأكاديمي وسياسي أيضا.

عاصر عدداً من الأنظمة العثمانية والملكية والجمهورية وتشكلت لديه رؤى اجتماعية فيما يخص المجتمع العراقي الذي عاش في وسطه بعين ناقدة رأت الكثير من عيوبه، واشتهر الوردي بأطروحته القائلة بأن المجتمع العراقي متحضر في ظاهره وبدوي في داخله لهذا يعيش في صراع مستمر بين البداوة والحضارة، وهو من دعاة التحرر الاجتماعي العقلاني الذي يمكن أن يُعلي من شأن المجتمع ويوطد صلته الحضارية بالإنسانية. ومَن يقرأ كتابه المهم “لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث”، بمجلداته الأربعة، سيدرك نظرياته في هذا الموضوع المعقّد.

“علي الوردي في ملفّه الأمني”، كتاب وثائقي صدر في بغداد مؤخراً عن مكتبة سطور وتوحي عتبة العنوان بأن الكتاب هو الملف المخفي – السياسي عن الوردي من وجهات نظر السلطات الأمنية المتعاقبة ونشاطها في متابعة كتاباته وسفراته ومحاضراته وتقييم حضوره الجامعي والثقافي، ويتسم هذا الملف بطابع السرية التامّة كون المتن أمنياً وسرياً لا يمكن لأحد أن يطّلع عليه من العامّة، غير أن إنهيار الدولة بعد 2003 كشف كل الأوراق السرية للدولة فجاء الكتاب إعدادا توثيقياً عن حياة الوردي من وجهة نظر مديرية الأمن العراقية على مراحل سياسية متعاقبة.

يبدو أن مُعد الكتاب ارتأى أن يجعله على سياقين منفصلين، الأول مذكرات الوردي كما كتبها والثاني هو الملف الأمني كاملاً بالوثيقة الحقيقية التي كانت مخبّأة في دهاليز مديرية الأمن العامة. وفي السياقين مفارقات نستطيع أن نستدل عليها ونعالجها من حيث هي مفارقات دالّة تتعلق بأزمانٍ مختلفة من حياة هذا العلاّمة، ففي قسم المذكرات نجد الوردي طفلاً وصبياً كادحاً يراقب الحياة بمنظار طفولي غير مقصود فتترسب في أعماقه القدرة الاستثنائية لاحقاً على تمييز المجتمع طبقياً وطائفياً، وفي القسم الثاني ينضج هذا الصبي وتتبلور رؤيته الشخصية للمجتمع فتطارده السلطات ورجال الأمن بالمراقبة والتقارير وتطويق يومياته بالمخبر السري.

يكتظ الكتاب بالوثائق الحية عن السلوك الأمني في متابعة الرجل وتقييم نشاطاته الثقافية وتلخيص محاضراته التي تختص بنقد المجتمع العراقي وظواهره السلبية مثلما تؤكد على نشاطاته السياسية المضادة للسلطات التي تعاقبت على حكم العراق ابتداءً من العصر الملكي. فالصبي الوردي في المفصل الأول من الكتاب يشخّص حالة المجتمع منذ عصر “أولاد السقوط” الذين ولدوا في عهد الاحتلال الإنكليزي ويفرش مساحة عريضة لتلك المرحلة المجهولة نسبياً وصولاً الى تشخيص علل المجتمع وسيادة وعّاظ السلاطين ورجال العشائر واستفحال القيم العصبية القبلية بموازاة العصبية الدينية التي أنتجت مجتمعاً طائفياً وبالتالي أنتجت ازدواجية نشأت من “التناقض بين القيم الإسلامية والقيم العشائرية”.

في السياق ذاته بدا الوردي وقد حصر مذكراته في الطفولة والصبا ولم يشأ أن يتوسع بأكثر من هذا لإيلاء المؤثرات المبكرة في حياته الاجتماعية ومن ثم السياسية قدراً أكبر من غيرها، ومع أن الأخيرة لا تُذكر في مجمل نشاطاته الثقافية سوى أنه كان منتمياً إلى الحزب الشيوعي، فإننا نجد تركيزه على مؤثراته البيئية التي وجّهته مبكراً إلى معاينة المجتمع وتثبيت مشكلاته الجوهرية فيما بعد ولم تخدمه السياسة كثيراً أو قليلاً في نظرته للمجتمع الذي غاص في أعماقه.

الجانب الوثائقي في سياق الكتاب الثاني يمكن عدّه استمرارية حياة لهذا الرجل المتمكن من إعادة إنتاج المجتمع العراقي برؤية حضارية سبقت عصرها كثيرا، وهو ما درج عليه في كل تآليفه الثقافية الخاصة، مثلما يعني أن الجانب الوثائقي هو الجانب السِّيَري المخفي من حياته كما يراها رجال الأمن وهو الجانب الذي كشفه الملف الأمني السري له.

كاتب من العراق

14