علي بدر يهرب من الأشباح إلى جنة الغرب

الأحد 2016/02/07
علي بدر يكتب رواية السرد الغنائي الواقعي

منذ صيحة "مصطفى سعيد" بطل "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح في المحكمة بأنه الغازي الذي جاء للثأر من ميراث الاستعباد والاستعمار في معرض دفاعه عن تهمة قتل جين موريس، ثمة مرويات كثيرة اشتغلت بالرد بالكتابة على هذه الهيمنة الغربيّة ومقاومة المستعمِرـــ فيما عرف بأدبيات ما بعد الاستعمارــ وقد تنوّعت صورة الغربيّ داخل هذه المرويات بين صورة المستعمِر القادم لنهب ثروات الشّرق، وتدمير مدخّراته، أو صورة المحرِّض على الحروب والصِّراعات، أو هو مُنتزع فتيلها ومازالتْ بعض هذه الأفكار رائجة حتى الآن، فنظرية المؤامرة في الأدبيات السياسية يعود طرفها الخفيّ إلى الغرب.

بين لحظة وضحاها صار المتآمر والقاتل كما تخيّله مصطفى سعيد، هو طوق النجاة والملاذ الآمن بعدما اشتعلت منطقة الشرق الأوسط خاصّة المنطقة العربية، فتبدّلت المواقع، فجاء الدعم كله من هذا الكافر كما وسمته الأيديولوجيا الدينيّة في صراعهما المرير منذ حرب أفغانستان. شخصيتا صوفي وأدريان في رواية العراقي علي بدر الجديدة "الكافرة" الصّادرة عن منشورات المتوسط في إيطاليا ـــ 2015، بما تحملان من تمرُّد وصل إلى حدّ التنكّر لهويتهما العربيّة، تعيدان صياغة صراعية العلاقة بين الشرق والغرب من جديد وفق المستجدات التي بدلت المواقع، كما تجلت في أدبيات سابقة، إلى صورة جديدة تنفي هذه الصراعية وتجعل من الغرب حاضنًا وملاذًا آمنًا للهاربين من ويلات الشرق الذي سخر أدريان من "الكتب التي تعد الشرق هو الجنة التي أضاعها الإنسان الأوروبي" لأنه أدرك "أن هذا الشرق البعيد والمشمس هو سبب نكبته وحزنه" لذا يراه "قد فقد براءته وعذريته ونبله إنه امتداد للعصور المظلمة للعصور الوسطى بحروبها الدموية".

في ضوء هذه العلاقة الجديدة التي صوّرتها الشخصيات بعد نزع الهوية بإرادتها وإنْ كان مِن جرّاء ما فعله الشرق بهم، وما أصابهم من تحولات تتردّد هذه الأسئلة: هل الغرب الكافر صَار هو الجنة أو ملاذَ المؤمن؟ هل البلاد العربيّة صارت الجحيم والغرب الكافر صَار الواحة؟ هل جَسَدُ المرأة هو الخطيئة الوحيدة التي تحتاج إلى عقاب؟ لماذا يتنكّر العربيّ لهويته في تغريبته الجديدة؟ مَن المسؤول عن تغريبة العربيّ في بلاد الكفر؟ الحقيقة المُفزعة هي ما إن ينتهي قارئ رواية الكافرة منها، حتى تراوده هذه الأسئلة، بل وأكثر والتي قد لا يتّفق القارئ على إجابة لها، أو قد يرفضها تمامًا لأنه لا يقبل التعميم؟ لكن الحقيقة أن الحال يقول إنّ الغرب صار هو الملاذ الآمن للشعوب العربيّة.

تأثير اللوتس

يصوغ العراقيّ علي بدر عبر حكاية فاطمة التي صارت صوفي والهاربة من جحيم التيارات المتشدّدة التي حكمتْ بلادها إلى جنة الغرب، تغريبة العربي التائه التي بدأت مع الأسف في موطنها وصولا إلى المتاهة الكبرى في بلاد الغرب وما حاق بهم من تَشرُّدٍ وانتظار في قوائم اللاجئين. وكعادة علي بدر في معظم أعماله، يشتغل على قضايا وأفكار، فيقدم عِلّة هذا التوهان، مُرْجِعًا إياها إلى ثلاثية الفقر والتخلّف وسيطرة الذكورية بكافة أشكالها سواء ذكورية تتحكم في الأعراف أو سلطوية قاهرة كما فعلت بوالد فاطمة الذي كان يردُّ كلّ هزائمه إلى السُّلطة السّياسيّة.

تقع السّاردة صوفي تحت "تأثير اللوتس" وفق مصطلح علماء النفس، حيث كما تقول النظرية تلجأ إلى "البوح وتأمّل ذاتها الماضوية فتدع أوشاب حياتها المحبطة تتدحرج على سطح وعيها". وعبر استهلالٍ غنائي يشبه مرثية جنائزية "أنا هُنا، قادمة من بلاد الحروب التي لا تنتهي من الأرض الملعونة، من خضم أحداث القتل الغامضة، من عالم الشعوذة، من خنق الزوجات، وقتل الصبابا، وسائر الوقائع التي تدور، في إطار مرعب من بلاد فيها مقدار كبير من الأسى مقدار كبير من المرح".

يصوغ العراقيّ علي بدر عبر حكاية فاطمة التي صارت صوفي والهاربة من جحيم التيارات المتشددة التي حكمت بلادها إلى جنة الغرب، تغريبة العربي التائه التي بدأت مع الأسف في موطنها وصولا إلى المتاهة الكبرى

يُقدّم الكاتب لواقع مزرٍ يعيشه الإنسان العربيّ، ويقدم ميراثًا من الانتهاك للمرأة سواء عبر جسدها الذي يمثِّل خطيئة كُبرى، وعارًا يجب إخفاؤه أو وأده إذا شذّ عن النواميس التي تفرضه الذكوريّة، كما في حكاية جميلة صديقة فاطمة، ومقتلها على يد أبيها بعدما اغتصبها ابن جارهم وهَرَبَ، إلى أمّ فاطمة نفسها التي تحطّمت أحلامها بسبب الفقر واليتم، وانكسارها في روحها بقهر راضي المقامر وبائع الخمر لها، حتى سيطر عليها الخوف فصارت تخاف مِن "وجيب قلبها وهي تسير، فتتخيل أشياء هامدة، تتحرك وتسمع أصواتا من كل مكانٍ"، ثم تصل المأساة إلى ذروتها عندما تُوسم المرأة التي خرجتْ من بيتها بلا نقابٍ بالكافرة، فيقام عليها حدُّ الرَّجمِ في طقسٍ بشع يصوِّر فظاعة حكم الملالى التي جسّدها الأدب الإيراني المُناهض كما في رواية "رجم ثريا" للصّحافي فريدون صاحب جم.

ماض بعيد.. ماض حي

تأتي حكاية صوفي عن فاطمة عبر تقسيمات أشبه باليوميات تبدأ من يوم 20 تموز وصولاً إلى 28 تموز، وهذه اليوميات التي ترويها صوفي بصيغة المتكلِّم لمخاطب/أدريان وهو"ملفوف بالشاش ويتنفس ببطء من خلال كمّامة الأوكسجين" تأتي كنوعٍ من الهروب مِن هذا الواقع "بتذكّر أشياء وقعت في حياتها في الماضي وعبر استعادة طفولتها الحزينة"، حيث ثمّة إحساس راودها بأنها ضائعة ومبعدة مهجورة ولتتفادى هذا الإحساس أخذت تجلس إلى جواره بالقرب منه وتحكي وكأنه يستمع إليها، وهي ذات التقنية التي استخدمتها الكاتبة إيزابيل الليندي في مرويّتها "باولا" بعد أن وقعت ابنتها في غيبوبة لمدة 7 أشهر.

فتعود فاطمة عبر هذا الحكي إلى مرويّ له إلى ماضيها البعيد زمانيًا ومكانيًا وماضي أبيها وأمها وعلاقتها المتوترة بأبيها حتى مقتله، ثم زواجها من راضي إلى موتها بعدما فشلت في أن تعثر على أحلامها البسيطة منذ أن كانت شابة في أن تتزوج من "رجل محترم له وظيفة معروفة وعادات حميدة ويسار كافٍ لإعالتها" كما تحكي عن التحولات التي حدثتْ في المدينة مع وصول المتشدّدين وما رافقها من تحولات في جسدها، ثمّ علاقتها برياض وزواجها منه إلى صدمتها فيه عندما فضّل السبعين حورية عليها واستشهد، إلى طمع أصحابه فيها ثمّ هروبها وما عانته من اغتصاب في رحلة الهروب وتشرُّد بعد أن وصلتْ بلجيكا إلى أن التقتْ بالحبِّ الذي كانت تبحثُ عنه منذ زمنٍ طويلٍ في صورة أدريان.

في مقابل حكاية فاطمة كانت ثمّة حكاية أخرى مروية عبر الذاكرة ولكن هذه المرة الذاكرة المدوّنة بالأوارق وبشريط الفيديو، وهي الأحداث التي جاءت بلسان راوٍ غائب يرصد علاقة أدريان بصوفي منذ أن التقيا في أوستندة شمال بلجيكا، ثم رحلة بحثها عن هذا الذي يشبهها في هروبه من ماضٍ يخشى مواجهته وبالفعل تكتشف أنه ينتمي إلى ذات البقعة من بلاد الشرق، وإن كان تنصّل من هويته مبكرًا فوالده لبناني وقد شهد مذبحة قام بها مُتشدِّدون على الحيّ المسيحي لم ينجُ منها إلا أبوه، ثمّ انتقامه وتكرار المذبحة الطائفيّة حتى انتحاره تأنيبًا لهذه الطفلة التي طاردته، وهي الطّفلة التي بحث عنها أدريان وتزوجها تكفيرًا لجريمة لم يرتكبها.

رصد للتغريبة العربية في بلاد المهجر

الهروب من الأشباح

المشتركات بين أدريان وصوفي كثيرة منها: أنهما ينتميان إلى ذات البقعة وأنهما هاربان من ماضٍ بعيدٍ أشبه بالأشباح، وكذلك أن لكلِّ منهما أسرارًا يخفيها؛ أدريان أخفاها في شقته البعيدة، أمّا هي فتنكّرت لماضيها وما باحت به إلا عندما شعرتْ أنّه في غيبوبة، كما سعيا إلى نزع هويتهما القديمة والتعايش مع هوية جديدة تبعدهما عن الماضي، الذي مع الأسف كان حاضرًا وموجعًا فما إن وصلتْ إلى بلجيكا حتى شعرت "كأنّي لست أنا، إنما واحدة غيري» وهو ما جعلها "تبحث عن نفسها في الألوان السّاطعة، في الأقمشة اللامعة في الفترينات". الفارق الوحيد بينهما أن صوفي بقدر ما تُعلن جسدها للجميع نكاية بالأعراف التي كبّلتها في بلادها حتى أنها ما إن وطئت أقدامها بروكسل، كان أوّل شيء فعلته أنّها تعرّفت على جسدها الذي طالما أخفته ووأدته تحت ثياب سوداء، لتكتشف أنه جميل وهو ما استغلته لتسقط وتغوي الآخرين نكاية في زواجها برياض.

أما أدريان فهو على العكس تمامًا يواري جسده في شقته البعيدة. الغريب أن هذه الشخصيات التي لاذت بجنة الغرب فشلت في التصالح مع ماضيها، كما لا يُخفى أنّ الواقع هَزَمَ جميع الشخصيات على اختلافها، حتى أن فاطمة التي كانت تحمل جينات التمرد عندما اعترضت على ارتداء النقاب أمام أبيها ودخل الحوار بينهما لمنطقة شائكة حول مسائل عقائدية متعلقة بطبيعة الإله وجنسه، وفي وقت لاحق فتحدّتْ هذه الجماعات وخرجت لملاقاة رياض، إلا أنها انكسرت وهي ترى أمّها تشعر بالخوف من الرجال إلى أن ماتتْ، بل إن محاولتها للانتقام من أنانية زوجها بالنوم مع سبعين شخصًا جلبتهم إلى غرفتها من البار، كان بمثابة الهزيمة لأنها لم تستطعْ أنْ تتجاوزَ أثر الماضي رغم بعدها عنه.

الرواية بقدر ما تقدِّم صورة مُقرَّبَة عن القهر الذي مارسه المتشدِّدون، في الولايات التي أَحْكَمُوا السيطرة عليها، وأَوْجه قمعهم التي لم تقتصر على النساء والرجال بل شملت أيضًا معادة الفن كما حدث مع رياض وجلدهم له بعد اكتشاف أنه صاحب الرسومات الفسفورية، فإنها أيضًا ترصد في أحد جوانبها لحالة الاغتراب التي يُعاني منها المهاجرون سواء العرب أو الأفارقة وغيرهم مِن مُختلف الجنسيات، وسعيهم إلى الانفصال عن هويتهم، بسبب شعورهم بالهجنة وما تبعه من تحقير وشعور بالدونية من قبل السكان الأصليين، ونفورهم منهم.

جاء السّرد مازجًا بين الغنائية التي حملتها ذكريات صوفي والواقعية لحد الأسطورة وهي تسرد عن وقائع الرجم والقتل والمذبحة التي مارستها الميليشيات الطائفية على اختلاف أيديولوجيّتها، لتقدِّم مأساة للحاضر الذي مع الأسف صار الدين فزّاعة لإرهاب الخصم، في إخلال لكلّ الدعوات التي نادت بها الديانات السّماوية مِن حُريّة المعتقد. كل هذا جاء بلغة تضافرت فيها لغة شاعرية وأخرى واقعية تتماشي مع خطاب الجماعات المتشدِّدة، وأخرى حالمة كما في علاقة أدريان بصوفي. الشيء الوحيد الذي يؤخذ على هذا العمل هو فوضوية علامات الترقيم التي لا تميّز بين بداية الجملة ونهايتها، وفصلت ما لا يستوجب الفصل. لكن على كلّ حال نحن أمام عملٍ بِكْرٍ يُدَشِّن لمرويات جديدة ترصد للتغريبة العربية في بلاد المهجر، ويتابع صورة الشرقي المهزوم، الباحث عن طوق نجاة.

كاتب من مصر

12