علي بن الحسين الأمير العربي الثائر على ديكتاتور الفيفا

الأحد 2015/07/05
مرشح ميشيل بلاتيني والشفافية الحائز على ثقة المرأة

ليس غريباً أن يتصدر اسمه فجأة دون سابق إنذار عناوين الصحف الرياضية العالمية ومحركات البحث في الشبكة العنكبويتة لأن ما فعله كان غير اعتيادي، بمقارعته ديكتاتور الفيفا العجوز السويسري بلاتر وهو الذي اعتاد التربع على عرش الإمبراطورية الأكبر في المعمورة الفيفا، دون أن يجد من ينازعه على كرسي الرئاسة أحد.

لمَ لا؟ فالجميع انتظر أن ينتشل ذلك الشاب الشجاع أكبر منظمة رياضية في العالم من الفساد المستشري فيها وهو الذي أي -الأمير علي بن الحسين- جعل من “النزاهة والشفافية” عنواناً لملف ترشحه، لقد كان ذلك حلماً بالنسبة للكثير من الغيورين على سمعة الكرة المستديرة.

ولد الأمير علي بن الحسين في العام 1975، وهو الابن الثالث للملك الراحل حسين بن طلال من زوجته الملكة علياء، التي توفيت بحادث طائرة هليكوبتر عام 1977، وكان يبلغ من العمر 23 عاماً عندما توفي والده واختير الملك عبد الله الثاني الأخ غير الشقيق له ملكاً للأردن، درس الأمير في الكلية العلمية الإسلامية في عمان، وتابع تحصيله الدراسي في كلية ساليسبيري في كونيكتيكت في الولايات المتحدة الأميركية، وكان عليه أن يسير على نهج أسرته وتقاليدها عندما غادر البلاد إلى بريطانيا ليلتحق بالأكاديمية العسكرية الملكية في ساندهيرست في بريطانيا، ثم التحق بالقوات المسلحة الأردنية عام 1994 وعين بعدها في الحرس الملكي الأردني قبل أن ينتقل بعد أربعة أعوام مرة أخرى إلى الولايات المتحدة الأميركية للدراسة في جامعة برنستون.

الأمير علي بن الحسين متزوج من الصحفية الجزائرية ريم الإبراهيمي ابنة الأخضر الإبراهيمي الذي شغل سابقاً منصب وزير الخارجية الجزائري والمبعوث الدبلوماسي الأممي إلى سوريا، وكانت زوجته قد عملت في المؤسستين الإعلاميتين “بي بي سي” البريطانية و”سي إن إن” الأميركية .

الأمير والكرة والحجاب

لم يكن الأمير الشاب من هواة السياسة ومرتدي البزة العسكرية بل كان أكثر ميولاً للرياضة ولم تكن تستهويه الكرة المستديرة والمستطيل الأخضر بقدر ما استهوته لعبة المصارعة في شبابه، لكنه تزعم عرش الاتحاد الأردني لكرة القدم عام 1999، وامتد طموحه إلى ما هو أبعد من ذلك حين أسس في العام ذاته اتحاد غرب آسيا لكرة القدم (واف) الذي ضم وقتها في عضويته اتحادات الأردن و إيران والعراق ولبنان وسوريا وفلسطين.

اتحاد الكرة الآسيوية يختار الأمير علي بن الحسين بالانتخاب رئيسا له، ولأنه صاحب الفكرة فقد سعى بعد عدة سنوات لترويج مشروعه بين اتحادات المنطقة فقررت عدة دول الانضمام إليه، كان أبرزها الإمارات والكويت وقطر والسعودية

سعى الأمير جاهداً لتطوير منتخبات تلك الدور ليصبح لها شأن على مستوى القارة الآسيوية، فاقترح تنظيم بطولة كروية كل عامين وأطلقت بالتنسيق مع شركة التسويق الآسيوية بضيافة الاتحاد الأردني عام 2000 أول بطولة بمشاركة الدول الأعضاء بالإضافة الى كازخستان وقرغيزستان، وأحرزت إيران اللقب على حساب المنتخب السوري، وأطلق على جائزتها اسم كأس الملك الحسين، وتم اختيار الأردن ليكون مقراً دائماً للاتحاد ويكون الرئيس والأمين العام من بلد المقر، وتم انتخاب صاحب الفكرة، الأمير علي بن الحسين، رئيساً للاتحاد، وبعد عدة سنوات بدأت فكرته تلاقي رواجاً بين اتحادات المنطقة فقررت عدة دول الانضمام للاتحاد كان أبرزها الإمارات والكويت وقطر والسعودية.

بعد خمسة أعوام من انطلاقة صافرة البداية لأول بطولة كروية لرجال غرب آسيا وجه الأمير أنظاره نحو المرأة الرياضية، لتقام برعاية زوجته الأميرة ريم البطولة النسوية الأولى لغرب آسيا في عمّان عام 2005 بمشاركة الأردن وسوريا وإيران وفلسطين والبحرين، ولعب الأمير دوراً هاماً في حث الفيفا على استصدار قرار يسمح بغطاء الرأس للنسوة الراغبات في ذلك بما لا يتعارض مع سلامة اللاعبات ولا يمس معتقداتهن الدينية، خلال اجتماع المجلس المسؤول عن سن قوانين كرة القدم (ايفاب) في لندن عام 2012، وجاء ذلك القرار بعد أن دقت القضية ناقوس الخطر باعتراض لاعبات المنتخب الإيراني على قانون منع الحجاب في دورة الألعاب الأولمبية في سنغافورة 2010، وأراد الأمير بذلك إزالة العوائق أمام ممارسة المرأة المحجبة لكرة القدم اللعبة الشعبية الأولى في العالم.

شرارة الحرب الباردة

بدأت طموحات الأمير علي بن الحسين ترتفع شيئاً فشيئاً وبدا ذلك واضحاً عندما قرر الخروج من الإطار العربي والإقليمي إلى الإطار العالمي، فرشّح نفسه لمنصب نائب رئيس الاتحاد الدولي عن القارة الآسيوية وقلب التوقعات حينما أطاح بمنافسه الكوري الجنوبي تشونغ مونغ جوون في انتخابات الجمعية العمومية للاتحاد الآسيوي لكرة القدم التي أٌقيمت في قطر مطلع شهر يناير من العام 2011، لقد كان وصوله بمثابة مفاجأة لمن رأى في طموحه مجرد شاب مندفع لا يعي أين يضع قدميه، فهو الأصغر سناً من بين أقرانه ممن جلسوا على ذات الكرسي منذ تأسيس الفيفا، كان منافسه تشونغ يشغل منصب نائب رئيس الاتحاد الدولي منذ 16 عاماً، وكان مرشحاً فوق العادة لخلافة بلاتر ومن هنا جاءت علامات الدهشة، فتخطي الأمير علي كان بالنسبة إليه مسألة وقت وإجراءاتٍ روتينية.

وفور تسلمه المنصب جدد الأمير علي وعوده التي قطعها في برنامجه الانتخابي بحل مشكلات الكرة الآسيوية وقال إن اللعبة في قارة آسيا الأكبر والأكثر نمواً في العالم، وأتبع كلامه بالقول “الدول الآسيوية تبحث عن دماء جديدة تمثلها في الاتحاد الدولي وأنا سعيد بانتخابي”.

أيام قليلة تمضي بعد انتصاره، فيعلن بلاتر استقالته من منصبه فجأة، لتؤكد الفيفا أن جمعية عمومية غير عادية ستعقد بين ديسمبر 2015 ومارس 2016 لانتخاب رئيس جديد، وحتى ذلك الحين يبدو الأمير علي بن الحسين الأكثر استعدادا لخوض المنافسات

وبعد تسلم الشيخ سلمان بن إبراهيم آل خليفة منصب رئاسة الاتحاد الآسيوي لكرة القدم خلفاً للقطري محمد بن همام، لوّح الشيخ سلمان بفكرة دمج مقعد نائب رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم ومقعد رئاسة الاتحاد الآسيوي بمقعد واحد، هنا شعر الأمير علي بن الحسين بأن منصبه قد بات في مهب الريح فوجه أنظاره باتجاه كرسي رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم مستغلاً أسوأ أزمة فساد مرت بها امبراطورية الفيفا على الإطلاق منذ 111 عاماً وكذلك استغل الاستياء العام من تمسك السويسري جوزيف سيب بلاتر بمنصبه بعد أن كان قد وعد بعدم التجديد لولاية خامسة ولم يفِ بوعده .

في الثاني عشر من شهر ديسمبر العام الماضي استقال مايكل غارسيا المحقق في لجنة القيم للفيفا احتجاجاً على ما وصفه تعامل الاتحاد الدولي مع تقريره عن ملفات الترشح لاستضافة بطولتي كأس العالم 2018 في روسيا و2022 في قطر، كانت استقالة غارسيا تعني إغلاق الملف قبل أن يظهر الأمير كمطالب بنشر التقرير وهو ما يمثل تدخلاً صريحاً بعمل العجوز السويسري بلاتر الذي لم يعتد أن يناقشه أحد بما يفعل.

الطريق إلى عرش بلاتر

مطلع شهر فبراير الماضي، تصدّرت عناوين الصحف والمواقع الإلكترونية خبر ترشح الأمير علي بن الحسين لرئاسة الفيفا بحملة جعلت الشفافية والنزاهة عنواناً عريضاً لها، وصرح الأمير حينها “يجب أن تكون العناوين عن كرة القدم، وليس عن الفيفا”.

لم يبدُ الأمر سهلاً فكل التجارب السابقة لخصوم بلاتر كانت تبوء بالفشل، وعلى الأمير مراجعة سيناريوهات الخصوم السابقين، بداية من الولاية الأولى لبلاتر عام 1998، وكيف تهاوى أمامه رئيس الاتحاد الأوروبي آنذاك السويدي لينارت يوهانسون، مروراً بالأفريقي عيسى حياتو في انتخابات 2002، ووصولاً بتزكيته للمنصب دون خصوم عام 2007 وانتهاءً بالقطري بن همام، الصديق الذي أطاح به بقضية فساد أجبرته على الانسحاب من الانتخابات، وأتبعها بلاتر بضربةٍ قاضيةٍ له بعد أن أصدرت لجنة القيم التابعة للفيفا قراراً بحرمان بن همام من العمل الرياضي مدى الحياة ليجعل منه عبرة لخصومه في المعارك التالية.

الأمير كان يراهن على القارة الأوروبية وداعمه القوي ميشيل بلاتيني الذي يتربع على عرش الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، لكنه أخطأ في بعض تقديراته كما يبدو، لأنهم فشلوا في معركتهم مع بلاتر منذ ولايته الأولى عام 1998، كما أن بلاتر يراهن على المستفيدين من مشروع الهدف في الاتحادات الفقيرة لقارتي آسيا وأفريقيا إضافة للأميركيتين.

أطلق علي بن الحسين العنان لتصريحات ارتفعت وتيرتها بشدة فقال “أسعى للفوز برئاسة الاتحاد الدولي لأني أعتقد أن الوقت أصبح ملائما لتحويل النظرة من الفضائح الإدارية إلى الرياضة”، وبقي يصعّد أكثر في تصريحاته، حين قال “لم يكن هذا قراراً سهلاً، بل جرى التوصل إليه بعد تفكير عميق وبعد مداولات مطولة مع زملائي في الاتحاد الدولي في الأشهر الأخيرة، الرسالة التي وصلتني مرة بعد أخرى كانت تقول إن الوقت قد حان للتغيير، وإن اللعبة العالمية بحاجة إلى هيئة على مستوى عالمي لتقودها، إنها بحاجة إلى اتحاد دولي خدمي يكون نموذجاً للأخلاق والشفافية والحاكمية الجيدة”.

ترشحه أمام بلاتر يشعل حربا عنيفة بين الرجلين، الأمر الذي دفع الأمير علي بن الحسين لإطلاق العنان لتصريحات ارتفعت وتيرتها بشدة حين قال "أسعى للفوز برئاسة الاتحاد الدولي لأني أعتقد أن الوقت أصبح ملائما لتحويل النظرة من الفضائح الإدارية إلى الرياضة"

لم يكن الأمير وحيداً في مواجهة بلاتر، بل رافقه مرشحان آخران هما اللاعب البرتغالي الشهير لويس فيغو ورئيس الاتحاد الهولندي لكرة القدم مايكل براغ، لكنهما انسحبا مبكراً قبل بضعة أيام ليبقى الأمير وحيداً في السباق، وقبل يومين من بدء الانتخابات بينما كان الأمير ينتظر ساعات الحسم الأخيرة لمعت بارقة أمل تزعزع عرش بلاتر بعد أن وجهت وزارة العدل الأميركية تهم فساد لشخصيات استغلت منصبها بالحصول على ملايين الدولارات كرشاوى، واقتاد اثنا عشر رجل أمنٍ سويسري دخلوا فندقاً يجتمع فيه أعضاء الفيفا كلاً من جيفري ويب نائب رئيس اللجنة التنفيذية للفيفا، والأوروغواياني يوجينيو فيغيريدو الذي يشغل منصب نائب الرئيس التنفيذي وهما الشخصيتان المقربتان من بلاتر في قضايا الفساد.

استغلت كبرى وسائل الإعلام الأوروبية الحادثة لتقوية حظوظ بن الحسين الذي يحظى بدعم بلاتيني فعنونت صحيفة ليكيب الفرنسية “أم الفضائح”، بينما وصف الإعلام البريطاني الحادثة بأنها نهاية بلاتر ورشحت الأمير لانتشال الفيفا من أزمته، في حين كان الإعلام الإيطالي الأكثر دعماً لموقف الأمير فكتبت لاغازيتا ديلو سبورت “نظام بلاتر يرتجف”، أما صحيفة لاستامبا فكتبت “استقال البابا بونو السادس عشر، وتخلى ملك إسبانيا عن عرشه، وخسر الرئيس نيكولا ساركوزي الانتخابات، وبلاتر لازال يقاوم”، لكن بلاتر بقي صامداً وكأنه حصل على تطمينات بعدم المساس به.

عودة الأمل للأمير

29 مايو كان يوم الحسم، اليوم الذي سيجرى فيه التصويت، الأمير كان قد قال عندما أعلن ترشحه إن “هناك شعوراً بالخوف بلا شك، وعليّ أن أكون صريحاً في ذلك، والسبب هو أن العديد من الاتحادات الوطنية حول العالم تعتمد إلى حد كبير على تمويل فيفا”.

صدق حدس الأمير والتف الحلف المضاد حول بلاتر ومن خلفهم الاتحادات الفقيرة التي أكرمها بلاتر ببناء ملاعب ومنشآت رياضية من مشروع الهدف، رجحت كفة آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية حظوظ بلاتر وحصل الديكتاتور في الجولة الأولى على 133 صوتاً مقابل 73 للأمير، ورفض ابن الحسين الدخول في الجولة الثانية من الانتخابات لينسحب بعد أن وجّه كلمة شكر قال فيها “أشكر الجميع وكانت رحلة جميلة، وأشكر الذين تحلّوا بالشجاعة وصوتوا لي”.

بعد أيام قليلة من انتصاره أعلن بلاتر استقالته من منصبه، وأكدت الفيفا أن جمعية عمومية غير عادية ستعقد بين ديسمبر 2015 ومارس 2016 لانتخاب رئيس جديد، حتى ذلك الحين يبدو الأمير علي بن الحسين الأكثر استعداداً لخوض المنافسات والعودة للواجهة من جديد لكسر القاعدة التي كرستها تجربته، بأن هذا المنصب ليس للعرب.

10