علي بن تميم: معرض أبوظبي للكتاب حاضنة للمشروعات الثقافية

هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة مؤسسة متعددة الأنشطة تسعى إلى المحافظة على التراث والثقافة والتقاليد في أبوظبي وإعلائها وترسيخها على المستوى العالمي، كما تساهم في التنسيق مع مختلف الحقول الثقافية، خدمة للغة والثقافة العربية، من خلال مشاريع رائدة في عالم الكتاب كمشروع كلمة للترجمة وكجائزة الشيخ زايد للكتاب وغيرها من المشاريع الطموحة والناجعة التي تسعى إلى خلق ثقافة عربية منفتحة على العالم وفي ثوب جديد مغاير لما تكرّس فتكلّس على مدى عقود على مستوى الساحة الثقافية. واستجلاء لدور هذه الهيئة الرائد في عالم الكتاب والنشر والترجمة والعمل الثقافي نورد هذا اللقاء مع مدير إدارة المشروعات بهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة الباحث علي بن تميم.
الأربعاء 2015/05/13
مشاريع الدولة تحتاج إلى توعية المجتمع بها

يؤكد علي بن تميم أمين عام جائزة الشيخ زايد للكتاب ومدير إدارة المشروعات بهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة أن معرض أبوظبي الدولي للكتاب ليس نبتة منفصلة عن المجتمع في أبوظبي، وإنما هو حضور ضمن روافد ثقافية ومبادرات ومشاريع، كلها تذهب إلى دعم صناعة الثقافة والكتاب وتطويرها والإسهام في صناعتها باعتبارها هدفا ساميا يطمح إليه المعرض.

ويقول: لقد انطلق المعرض عام 1981 بتوجيه من الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وقد بدأ بتوجيه منه وزاره وافتتحه محتفيا آنذاك بدخول العرب والمسلمين إلى القرن الخامس عشر الهجري. آنذاك كان معرضا عربيا مركزا على الكتب التراثية، وقد توقف في بعض السنوات نظرا إلى التحديات التي واجهت العالم العربي من حروب وما شابه ذلك، لكنه كان يعود جديدا وقويا، حتى تطورت هويته وبدأ بشراكة مع معرض فرانكفورت واستفاد من الخبرات الهائلة في المعرض ليستقل ويصل إلى ما هو عليه اليوم من مكانة دولية، حيث يستضيف مئات من الناشرين العرب والدوليين، فضلا عن الباحثين والكتاب، وأسس -وهو ما يميزه- حاضنة تجمع المؤلفين والناشرين والقراء، داعما لحقوق التأليف ولمشاريع الناشرين العرب والأجانب، وقد دعم العام الماضي ما يزيد عن 300 اتفاقية بين الناشرين العرب والأجانب.

مشاريع ناجحة

يرى بن تميم أن المعرض استطاع أن يستضيف على هامشه فعاليات كبرى كمؤتمر الترجمة وحفل إعلان الفائزين بجائزة الشيخ زايد وأيضا جائزة الرواية العربية “البوكر” وروائييها، وهكذا لم يكتف فقط بالندوات والحوارات والأمسيات وتواقيع الكتب، بل استطاع أن يشيد منظومة متنوعة خدمة للكتاب سواء كان مترجما أو مؤلفا أو محققا، أو برفد ودعم من الناشرين العرب والأجانب في اتفاقاتهم.

مشروع كلمة استطاع أن يثبت أنه مشروع يمتلك القدرة على أن يكون مستداما ومستمرا، وهو في الطريق إلى الألف كتاب

يقول: أيضا مما قاد إلى النجاح وجود مشاريع تنهض بها هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، وتضع لها الأطر العامة للنجاح مثل مشروع كلمة للترجمة ومشروع إصدارات ومشروع كتاب ومشروع الكتاب الصوتي ومشروع التوزيع، إذن هناك رؤية متكاملة للمعرض وأنه حين يحتفي بيوبيله الفضي فهو قد وصل إلى مرحلة واسعة من التطور وبإمكاننا أن نذكر أن المعرض في هذه السنة فقط ازداد وتوسع من حيث المساحة والفعاليات، إذ ارتفعت نسبة أنشطته بأكثر من 25 % عن العام الماضي.

ويوضح علي بن تميم “أنه لا بد أن نركز حول دعم الكتاب وتوجيه الشيخ محمد آل نهيان بمبادرة دعم الكتاب بما يزيد عن 3 ملاين درهم تذهب إلى القراء سواء كانوا طلابا في المدارس والجامعات أو معلمين أو مهتمين بالقراءة بشكل عام، أيضا استطاع المعرض أن ينهض بمبادرته من خلال بادرة أخرى من مجلس أبوظبي للتعليم وحملة أبوظبي تقرأ التي تشجع القراءة على نطاق واسع خدمة للغة العربية. كل هذا أسهم إسهاما كبيرا في أن يضع الأطر والفعاليات والآليات التي تكلل أعمال المعرض بالنجاح”.

وحول ما أنجزه مشروع كلمة للترجمة يؤكد بن تميم على أن المشروع استطاع أن يثبت أنه مشروع يمتلك القدرة على أن يكون مستداما ومستمرا، يقول “نحن في الطريق إلى الألف كتاب، عقدنا اتفاقات مع أكثر من 500 ناشر أجنبي، وهذه الاتفاقات طالت حقوق التأليف، ودعمنا عشرات الكتب لدى دور النشر في إطار حماية حقوق الملكية الفكرية، واستطعنا أن ننطلق بعلاقات مباشرة مع المترجمين العرب الذين تعوزهم اليوم المزيد من الفرص للالتحاق بالترجمة نظرا لقلة العائد -المستوى المادي- من الترجمة.

المعرض استطاع أن يستضيف على هامشه فعاليات كبرى
فالترجمة مهنة، وكما تمكنا من أن نشيد قائمة معتمدة من المترجمين يزيدون على الـ500 مترجم تغطي أكثر من 13 لغة حية وعالمية، واستطعنا في الوقت نفسه أن نبرم أكثر من اتفاق تفاهم مع الكثير من الجهات العالمية وأن نشارك في معظم المعارض الدولية وأن نعقد شبكة واسعة من الاتفاقات مع الموزعين ودور النشر العربية لتصل الكتب إلى أكبر عدد ممكن من القراء… وأسهمنا بتقديم موضوعات تحتاجها المكتبة العربية، فردمنا تلك الهوة في المكتبة التي ينقصها البحث في اللغة العربية، كما أن هناك مؤتمرا للترجمة وهو بمثابة ورش عمل تركز على ثلاث لغات”.

ويشير بن تميم إلى أن الأهم من ذلك “أننا في هذا المشروع استطعنا أن نقدم للقراء خاصة الأطفال والناشئة خيارات واسعة في القراءة، ومن ثم فالمشروع جاء بهدف إحياء الترجمة، وقد حقق جزءا كبيرا من أهدافه، خلال الـ6 سنوات التي كان فيها الوعد بأن يتم تقديم مئة كتاب كل سنة، فقدمنا أكثر من مئة كتاب، لنصل الآن إلى ما يزيد عن 850 كتابا، وأبرمنا عقودا واشترينا عقودا لأكثر من 250 كتابا، أي أننا تجاوزنا خلال 6 سنوات العدد الموعود بتقديمه، الآن في طريقنا إلى الألف كتاب، كما تمكنا من إضافة مكون جديد للمشروع وهو مؤتمر الترجمة، وفي كل هذا استطاع المشروع أن يطوع اللغة بترجمة موسوعة كاملة عن الحياة اليومية تزيد عن 16 مجلدا، والكتب مترجمة عن أكثر من 13 لغة كما سبق وأشرت، كما غطت جميع الموضوعات المأمولة”.

مؤتمر الترجمة

وحول نتائج مؤتمر الترجمة بعد 4 سنوات على انطلاقه ضمن فعاليات معرض أبوظبي للكتاب، يقول بن تميم “إذا كان في الترجمة شق معرفي وفلسفي ونظري فإن الشق الأهم هو المهارات التقنية واللغوية التي لا بد أن يمتلكها المترجم، هناك الآلاف من خريجي الجامعات الذين يطمحون إلى الالتحاق بمشاريع ترجمة، ويريدون أن تعطى لهم فرصة ترجمة كتاب أو التعرف على أساليب الترجمة.

المختلف في مؤتمر الترجمة أنه غادر الإطار النظري في تقديم أوراق عمل وركز على الإطار المهني التطبيقي من خلال ورش عمل، لقد استقبل حديثي التخرج من مختلف جامعات الوطن العربي الذين يتطلعون إلى فرصة.

مما قاد هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة إلى النجاح وجود مشاريع تنهض بها وتضع لها الأطر العامة للنجاح

كما استقبل طلابا من الجامعات الوطنية ما زالوا يدرسون للاستماع والتفاعل والمشاركة، وكان الاشتغال هذا العام على موضوع تحديات اللغة السردية الروائية وترجمتها من خلال ثلاث لغات اليابانية والأسبانية والإنكليزية، وحضر مختصون في هذا الجانب وساهموا في ورش عمل مع ما يزيد عن عشرين مترجما تحاوروا وطبقوا على عينات كانت حيز النقاش والاستفادة وتطوير قدرات كل مترجم، وهكذا فقد استطاع المشروع ألا يكتفي فقط بإنتاج الكتب وإنما بحث أيضا أو حاول أن يستقطب حديثي التخرج والطلاب والمترجمين الذين لم يبلغوا بعد حدّ الاحتراف، بهدف أن يسهم في تشجيعهم وفي وضعهم على سياقات تطبيقية ونظرية لحركة الترجمة بشكل عام”.

التوعية والتنسيق

ويرى بن تميم أن التنسيق بين مشروعات الترجمة العربية الأخرى مسألة في غاية الأهمية، تحفها العديد من القضايا المحورية، مؤكدا أن هناك سؤالا يطرح يضع عنوانا عريضا أنه لا بد لمشاريع الترجمة في العالم العربي أن تنسق بين بعضها البعض حتى لا تتكرر ترجمة الأعمال، وأظن هذا نادرا ما يحدث، لماذا؟ لأنه لا يمكن أن تترجم كتابا قد تمت ترجمته إذا كنت متبعا ومحترما لحقوق الملكية الفكرية، إذا راسلت ناشرا وأردت شراء كتاب فبالضرورة إما أن يأتيك الرد إيجابا أو سلبا، إذا أتاك إجابيا تبدأ بترجمته، وإذا كان سلبا فهذا يعني أن حقوق الكتاب قد بيعت.

ويلفت إلى أن قضية أخرى تطرح في مسألة التنسيق وتتمثل في الكتب التي وقعت في الحقل العام، وسقطت حقوقها، أي الكتب القديمة، ويشدد على أهمية التنسيق بين مشاريع الترجمة في العالم العربي بهذا الشأن.

عما إذا كانت مشاريع الترجمة العربية تملك معلومات شاملة عما نشر من ترجمات، يقول بن تميم “في هذا الشأن خاصة أستطيع أن أؤكد أن كلمة حلت هذه القضية عن طريق لجنة تحكيم تملك علاقات واسعة سواء كانت تعمل متعاونة مع مشاريع الترجمة الأخرى في العالم العربي أو مترجمين. إننا نبحث بحثا عميقا ودقيقا حول أي كتاب، خاصة إذا كان قديما، قبل أن نخطو إلى ترجمته، ونستخدم في ذلك أيضا قوائم المكتبات والبحث على شبكة الإنترنت، فضلا عن متابعة المحكمين”.

هناك مشاريع عربية حكومية لا تحترم حقوق الملكية في الترجمة

ويطالب الباحث علي بن تميم مشاريع الترجمة أن تطلق بادرات في مسألة ما تحتاجه المكتبة العربية والقارئ العربي، يقول: هنا لا بد من بحث طويل خاصة إذا تحدثنا عن مسألة الذائقة والاحتياجات التنموية لكل بلد عربي، نحن في مشروع كلمة -مثلا- نتابع ماذا يحدث في دولة الإمارات، فنرى أن هناك اتجاها كبيرا تخطه المؤسسات الحكومية في مسألة الطاقة المستدامة، إذن لا بدّ أن نتفاعل، فنبحث عن كتب مفيدة للقارئ تعرفه بفكرة الطاقة المستدامة، ثم أيضا يفيد منها الباحث والمشتغل في حقل الطاقة، وهكذا نفعل مع المشروعات الكبرى التي تخطها دولة الإمارات، فعلنا ذلك أيضا في مجالات الفنون والمتاحف وتخطيط المدن، حيث رأينا أن سؤال ما تقوم به أبوظبي في السعديات من متاحف يطرح كثيرا في دولة الإمارات، إن مشاريع الدولة تحتاج إلى توعية المجتمع بها خاصة إذا كانت هذه المشاريع تخص الفنون العالمية والمتاحف كمتحف اللوفر محتوياته وتاريخه، إذن نحن نطلق بادرة حتى نخدم هذا الجانب والإطار العام.

ويتساءل بن تميم: هل مشروع كلمة يستطيع أن يدرك ما هي الاحتياجات التنموية التي يحتاجها كل بلد عربي على حدة؟ يقول “أعتقد هنا أن يكون التحدّي كبيرا أمام مشاريع الترجمة في العالم العربي، التي لا بدّ أن تتوافر جهودها لتغطية النقص في الحقول المعرفية التي تحتاج إليها المشروعات التنموية في بلدانها، وهذا يحتاج إلى مزيد من التنسيق والعمل”.

ويضيف بن تميم: هناك بعض مشاريع الترجمة في العالم العربي تحتاج إلى دعم حيث أنها لم تعد منتجة وتعمل على مستوى إداري فقط، من هنا فإن من المهم العمل على تبادل الدعم بين مختلف مشاريع الترجمة، فتقوم جهة بالدعم المادي وأخرى تقدم الخبرات وتساعد في تطوير قوائم المترجمين، كما نستطيع أن نبني تواصلا حول الإصدارات في مختلف اللغات، نحن بحاجة إلى أن نصل إلى الجديد من الكتب والإنتاج، كما أننا نحتاج إلى المزيد من التوعية حول حقوق الملكية الفكرية، فللأسف هناك مشاريع عربية حكومية لا تحترم حقوق الملكية في الترجمة.

15