علي بهاء معلا يشكل منحوتات تصارع الزمن

مبحر في التاريخ السوري القديم، خاصة الفينيقي منه على طول الساحل الشامي، يلج في أعماله أبواب التوثيق التاريخي، وهو الذي يرى في ذلك همّا وطنيا وبعدا وحضاريا، حيث قدّم دراسة تاريخية عن السفن في العهد الفينيقي استغرقت ثلاث سنوات، ثم صمم السفينة التي انبثقت من تلك الدراسة، وعرضها في العديد من معارض النحت والمخترعات في سوريا، كما كرّس في منحوتاته الكثير من تفاصيل التاريخ السوري بشخوصه وأحداثه على امتداد فترات زمنية مختلفة، هو باختصار الفنان التشكيلي السوري علي بهاء معلا.
الجمعة 2017/11/03
الحياة مراحل متتالية وقفزات حضارية

دمشق – في قلب مدينة دمشق، وفي صالة “لرواق العربي”، تحديدا في قاعة الفنان الشهير لؤي كيالي، قدم الفنان التشكيلي السوري علي بهاء معلا، معرضا فنيا في فن النحت عبر ثلاثين عملا مختلفا، حيث أنجز معلا منحوتاته على خشب الزيتون وأحيانا على خشب السنديان.

وفي منحوتاته المعروضة قدم تكوينات فنية تموضعت في أشكال عديدة، منها المرأة أو البورتريه أو الأشكال التجريدية البحتة، عبر معالجات كوّنت جدلا في الرمزية بفضاءات متنوعة، بحيث ظهرت فيها العديد من المقاربات لوجوه وأجساد وأشياء، تحاول رمزا وإيحاء قول فكر ما.

قدّم معلا أعماله على خشب الزيتون الذي يبدو أن له وضعا خاصا عند النحات وحالة إبداعية شديدة الخصوصية، فهو يرى “أن الخشب طيع وهو رمز الطاقة والتجدد، وفيه من الإمكانية الفنية ما يعطيه آفاقا كبيرة في القدرة على التشكل على ما يريده المبدع، لذلك سيكون الأقرب لي من كل المواد التي قمت بالنحت عليها، إضافة إلى أن الخشب موجود بشكل نوعي ومحدد في العالم وليس كالحجر الموجود في كل مكان، الخشب من هذه الناحية أغلى فنيا”.

وعن وجود المرأة في أعماله بالشكل الطاغي الذي وجدت عليه، يقول “المرأة هي كل شيء، لنبدأ من الآلهة القديمة في الحضارات التي سكنت العالم كله، في جميع أزمنة ظهورها كانت الآلهة امرأة. لأنها الأم والحبيبة والبنت والأخت.. المرأة هي العطاء في الحياة، وهي المخلوق الأجمل شكلا ومضمونا، لذلك فإن من يبحث عن الجمال لتجسيده لا بد أنه سيتجه إلى المرأة”.

علي بهاء معلا: النحت ليس ترفا فكريا أو فنيا، بل حاجة إنسانية قصوى

وعن سبب اهتمامه بالتاريخ وقيامه بتوثيق ذلك فنيا، يقول “الحياة هي مراحل متتالية وقفزات حضارية، والناس منذ بدء الخليقة كانوا يؤرخون لحياتهم، والنحت تحديدا كان أحد أهم الوسائل التي حققت هذا التوثيق والتاريخ، لكونه يقاوم الزمن، ويبقى شاخصا أمام الناس ليتعرفوا على صفحات التاريخ، وبلادنا كانت مليئة بالحضارات التي تركت وراءها عبر فنونها تاريخا إنسانيا عظيما، فبدءا من العصر الحجري مرورا بالرقم السومري وأيضا تاريخ تدمر عرفناه من خلال فن النحت، وغيره من المواقع”.

ويسترسل معلا “من هنا، نصل إلى فكرة هامة جدا، وهي وجوب الحفاظ على هذه الآثار التاريخية التي هي في الحقيقة سجل حضارتنا، وهي التي أوصلت لنا الأفكار التي بنى بها أجدادنا حياتهم وأوصلوا أفكارهم إلينا، وكذلك يجب الاعتناء بأفكار الفنانين الجدد الذين يقومون الآن بنحت التاريخ الآني، ليكون شاهدا لأبنائنا عما فعلناه، هذا الفن الذي سيعيش طويلا لاحقا، كما عاش الفن السابق إلى الآن، النحت ليس ترفا فكريا أو فنيا بل حاجة إنسانية قصوى، ويجب الاهتمام به إلى أقصى درجة”.

ويرى معلا “أن فن النحت السوري يشهد الآن مرحلة هامة وبالغة الحساسية، لكونها مرحلة صراع ذهنيات عنيف، والبعض يريد محو تاريخ هذا البلد من خلال تخريب آثاره، لذلك يجب على الجميع أن يعمل بكامل طاقته حتى تتجدّد الأفكار، ويبدع النحاتون ما يوثّق ويؤرّخ للأجيال القادمة ما نمر به الآن، إن فن النحت السوري يواكب الحدث تماما ويسطر إبداعاته في سجل الفن الخالد”.

وعلي بهاء معلا فنان تشكيلي سوري من لواء الإسكندرونة، ولد في الحسكة عام 1960، تعلم الفن في سوريا، ثم في مدينة إسطنبول التركية، فتخرج منها من كلية الفنون الجميلة قسم النحت، وهو عضو في اتحاد الفنانين التشكيليين في سوريا، وقد اهتم بفن النحت، وكذلك بصناعة مجسمات السفن التاريخية القديمة، وقدم في ذلك سفنا شهيرة منها السفينة الفينيقية.

كذلك اتجه لصناعة الآلات الموسيقية مثل العود والكمان والقانون، وشارك في العديد من المعارض المحلية والدولية، منها: ملتقى “تدمر بوابة الشمس”، وملتقى “رواسي”، وملتقى “سوريا أنت الأجمل”، وملتقى “سوا” وكذلك في العديد من معارض الاختراعات.

17