علي جبار الغريب الذي اخترع غرباء يشبهونه

الأحد 2015/04/19
جبار ترك أثرا نحتيا في الكثير من مدن العالم

لأن طريقه إلى الفن كانت غير ميسرة، فقد اختار الفن الصعب وسيلة للتعبير عن إرادته التي يروق لها ألاّ تخطئ طريقها فتنزلق إلى المواجهات السهلة. صلابته هي مصدر ترفعه وتعاليه على الصغائر، وهو ما جعله يضع الأشياء، كل الأشياء التي يرسمها في موقع رفيع المستوى، يهبها نبلا يستلهمه من طريقته الأنيقة في النظر إليها.

منتصف ثمانينات القرن الماضي وقعت عيناي أول مرة على واحدة من لوحاته. كانت لوحة كبيرة تمثل مشهدا مقتطعا من سوق الألبسة المستعملة. لم يكن هناك أيّ شيء من الرثاثة المتوقعة. لقد أضفى علي جبار يومها على ذلك المشهد الشيء الكثير من إنسانية، تعرف كيف تتماهى مع شقائها، من غير أن تستجدي نظرة إشفاق.

مَن يراه أول مرة لابد وأن يدرك أن كل لوحة يرسمها هي انعكاس لصلته الهادئة والورعة بالعالم. فهذا الفنان لا يفكر بمعزل عما يراه ويشهد على نموه في واقع، صار يتبدل من حوله بحكم تنقله بين المدن. فليست لديه وصفة جاهزة للرسم، وهو يجرب تقنياته على اللوحة، بعد أن يكون قد جربها على حواسه.

لا يبالغ علي جبار في إظهار تمكّنه الحرفي غير أنه في الوقت نفسه لا يتخلى عن تلك الملكة من أجل لذائذ جمالية عابرة تجلبها صدفة قد لا تتكرر. هذا فنان ألزم نفسه بصلابة مفهومه عن الرسم، باعتباره مهمة شاقة تتطلب الكثير من الحزم والمراقبة والتوتر والانفعال المسيطر عليه، يخترع العراقي علي جبار كائنات تشبهه في الكثير من صفاته الشخصية.

جندي وفنان

تراه يتصرف بأرستقراطية مستلهمة من الفن وهو الذي لا يخفي أنه ولد عام 1957 في ميسان لعائلة فقيرة هاجرت إلى بغداد بحثا عن الرزق المتاح. كان الابن الأكبر فكان مستقبله محط اهتمام العائلة التي كانت ترعى تطلعات ابنها الفنية بقلق، تجسد واقعيا حين أحبطت محاولة الفتى في الانخراط في دراسة الفن في معهد الفنون الجميلة، وكان ذلك بسبب عدم انتمائه إلى صفوف حزب البعث الحاكم، وكان ذلك الانتماء واحدا من أهم شروط القبول في عدد من المعاهد والكليات العراقية يومها. وهكذا اضطر الفتى الشغوف بالفن إلى أن يكمل دراسته الثانوية علميا، ليجد نفسه في النهاية أمام خيارات الدراسة الجامعية التي لا تمتّ إلى شغفه بصلة. قرر يومها أن ينتسب إلى معهد الصحة العالي، لقرب ذلك المعهد من معهد الفنون الجميلة، فكان عقله في مكان وخياله في مكان آخر، مكان قريب تطوف في هوائه ملائكة أسرته، من غير أن تنجح في أن تضمه إلى أسرتها التي كان جبار ينظر إلى أفرادها بغبطة مشوبة بالحسد.

وحين أكمل دراسته في المعهد المذكور، كان عليه أن يؤدي خدمة العلم، موظفا في مستشفى الرشيد العسكري. يومها سنحت له الفرصة أن يتقدم للدراسة المسائية في معهد الفنون الجميلة بعد أن تدخل الفنان الراحل رافع الناصري الذي كان مدرسا في ذلك المعهد. يومها بدأ علي جبار حياته المنشودة لكن بطريقة إعجازية، فكان جنديا في النهار وطالب فن في الليل، ألهذا تعلم جبار أن يكون كائنا ليليا؟

سحره فعل الرسم تحت الضوء الاصطناعي، فلم تتح لعلي جبار فرصة الرسم تحت الضوء الطبيعي إلا في وقت متأخر. وكان فوزه بجائزة الواسطي منتصف ثمانينات القرن الماضي تمهيدا لقبوله في أكاديمية الفنون الجميلة التي ما إن تخرج منها حتى غادر العراق

سحره فعل الرسم تحت الضوء الاصطناعي، فلم تتح له فرصة الرسم تحت الضوء الطبيعي إلا في وقت متأخر. كان فوزه بجائزة الواسطي منتصف ثمانينات القرن الماضي وهو لا يزال طالبا في معهد الفنون بمثابة تمهيد لقبوله في أكاديمية الفنون الجميلة التي ما إن تخرج منها حتى غادر العراق عام 1992. كان علي جبار يومها مهموما في البحث عن شمس نهار مختلف، نهار تكون فيه حريته في متناول يديه، فكانت رحلته إلى رومانيا ومن ثمة إقامته في الدنمارك التي استمرت حوالي عقدين لينهيها بالسفر إلى لندن، حيث لا يزال مستقرا هناك.

ما يعرفه علي جبار من حياته أن إرادته لم تخذله. فالرسام الذي استخرجه من أعماقه وتوجه بأهم جائزة فنية في العراق، كان قد سلمه في الغربة إلى نحات، كان هو الآخر نائما في أعماقه.

على الصعيد العالمي فإن علي جبار معروف باعتباره نحاتا. لقد ترك الرجل أثرا نحتيا في الكثير من مدن العالم. كان افتراسه للحجر لافتا، وكانت رؤيته التجريدية تحث على المقاربة بين النحت والعمارة. غير أن مَن يعود إلى رسومه لا بد أن يعثر على أثر من ذلك المراس، الذي لم تكن العاطفة لتشكل إلا الجزء المخفي منه. لم يكن علي جبار رساما عاطفيا بالرغم من أن عينيه تلمعان بالعاطفة. كان في فنه، نحاتا ورساما هو الآخر الذي رغب في أن يكونه، وهو عنوان إرادته الصلبة في مواجهة ما تقترحه عليه الحياة من تحولات. لقد وجد الرجل في الصخر مادة تعبر عن رغبته في أن يكون قويا.

وهو السبب الرئيس الذي دفعه إلى أن يكون نحاتا. لم يكن النحت إلا ذريعة لكي يظهر علي جبار على حقيقته، الرجل الصعب الذي قرر ألاّ يهدر موهبته إلا من أجل الخوض في مغامرة، لن تكون عواقبها محسوبة. لا يفكر علي جبار في ما يتمكن منه، بل بما لم يجد السبيل للتمكن منه. لذلك لم تكن علاقته بالمادة التي يستعملها محايدة. كان عليه أن ينتظر ما تجود به تلك المادة ليستقرئ خياله. لقد علمه النحات الذي انبعث من داخله أشياء عن العالم، لم يكن الرسام قد فهمها من قبل. فمنحوتاته وإن كانت تجريدية فإنها تعبر عن عالم يتماهى مع رفعة الخلق الإلهي. خفيفة بقدر ما هي متمسكة بالأرض التي تقع عليها. لقد تعلم علي جبار التحليق وصار عليه أن يعلمه لكائناته التي صار يستمع إلى صوته من خلالها.

منحوتاته تعبر عن عالم يتماهى مع رفعة الخلق الإلهي

الغريب الذي اخترع غرباء مثله

يمكنك أن ترى الغربة في عينيه اللامعتين. في غربته اللندنية لن يتذكر علي جبار شيئا من رسومه ولا منحوتاته. إنه يعرف أن هناك غرباء يشبهونه صاروا ينتشرون بين أماكن مختلفة من العالم، يحبهم ويحبونه، غير أنه يجد الوقت ضيقا لكي يفكر بهم. ذلك لأنه لا يزال وحيدا، بالرغم من كثرة الكائنات التي أنتجها خياله. فالرجل الذي يفكر بحريته بعناء وضنى صار يدرك أن كائنات حرة يخترعها لن تكون طوع يديه، ولن يتمكن من القبض عليها. وهو ما يغنيه عن استعادة الوصفات الجاهزة التي لن تخرجه من محنة الفنان الذي يقف في مواجهة الفراغ. في كل محاولاته كان علي جبار يُطعم الغربة بكائنات تشبهه، حالما في أن تفك قيود غربته وتعيده إلى سويته، كائنا لم تعصف به الغربة.

عاش علي جبار حياته غريبا. صنع كائنات تشبهه في غربته وتركها في أماكن قد لا يعود إليها، لتذكر به كائنا لا يهوى العيش في مكان بعينه. لقد علمته غربته أن يكون وحيدا، وهو ما سيعيده دائما إلى فكرته عن الفن الصعب لذي هو ابن لرحلة صعبة بدأت بالشغف لتنتهي بالشقاء. ما يقترحه علي جبار اليوم في أعماله هو نوع من المشاركة السرية من أجل الارتقاء بالنفس البشرية في طريقة نظرها إلى الأشياء، يعيدنا علي جبار إلى النبل الذي حرمنا منه.

معارض

أقام علي جبار العديد من المعارض الشخصية، منها ماهو في الدانمارك وفي إسبانيا وألمانيا وبريطانيا. وشارك في بينالي طهران بإيران، وبينالي القاهرة الدولي، وبينالي الشارقة في الإمارات العربية المتحدة، وله مشاركات جماعية في العراق، وأوروبا، والولايات المتحدة الأميركية، وحصل على الجائزة الأولى لمهرجان الواسطي في العراق 1985، وفاز بالعديد من الجوائز العالمية. وفي دبي حصد الجائزة الأولي للنحت عام 2005 في ملتقي الأعمار الدولي وكذلك في ملتقي طهران الدولي 2007 وحصل على جوائز تقديرية في تركيا والصين وهولندا وايطاليا وسوريا و تنتصب أعماله النحتية في العديد من دول العالم.

9