علي جعفر العلاق: الشاعر ابن تجربته وأبو منجزه الشعري

الكثير من الكتاب العرب جمعوا في أجناس الكتابة الإبداعية بين النقد الأدبي وكتابة الأدب، إذ النقد ليس كتابة علمية مجردة بقدر ماهو قراءة مبدعة لنص إبداعي، لكن من يجمع بين الكتابة النقدية والكتابة الشعرية أو السردية أمر بالغ الدقة حتى لا يغلب شق على آخر. “العرب” التقت الشاعر والناقد العراقي علي جعفر العلاق في حديث حول الشعر والنقد والثقافة العربية.
الجمعة 2016/05/06
الشاعر بداية جديدة دائما

شارك في الكثير من المهرجانات والمؤتمرات الأدبية والشعرية داخل العراق وخارجه. على مدى أربعين عاما حقق الشاعر العراقي علي جعفر العلاق تجربة أدبية ونقدية لافتة، منذ دواوينه: لا شيء يحدث.. لا أحد يجيء 1973، وطن لطيور الماء 1975، شجر العائلة 1979، وصولا إلى الأعمال الشعرية الكاملة التي تلتها مجموعات أخرى، إضافة إلى مؤلفاته النقدية مثل “دماء القصيدة الحديثة في حداثة النص الشعري” و”أفق التحولات في الشعر العربي”.

بداية حديثنا مع الشاعر العراقي علي جعفر العلاق كانت عن سبب اختياره لعالم الكتابة والشعر على وجه الخصوص، ليقرّ أن هذا الطريق لم يكن اختيارا محضا، ولم يكن راجعا إلى وعي يمكن تلمسه. إذ يعتبر أنه ثمة ما يشبه القدر، أو يقاربه، تحكّم في حياة الصبيّ الذي كانه وحتى هذه اللحظة، وكان يقـدّم له، في كل مفترق من حياته، ما يغريه بالتورط في هذا العالم المدهش.

لا أب ولا ابن

عن البدايات وأول الطريق ودهشة الحبر الأولى، يقول العلاق “كثيرة هي البدايات، لكنّ الإحساس غامض بلذة غامضة، غير أن المرحلة الأكثر وضوحا، هي تعرّفي على مظفر النواب وجبرا إبراهيم جبرا، حيث كوّنت وعيا جديدا بالشعر وكتابته، كبداية واضحة للنشر، لا أزال أتذكر قصيدتي الأولى بمجلة العاملون في النفط، والتي كانت نقطةَ تحوّل في علاقتي بالصحافة الأدبية آنذاك. كانت قصيدتي أول قصيدة في العدد، مع أن العدد كان يضم شعراء أقدم تجربة مني مثل إبراهيم الزبيدي وراضي مهدي السعيد”.

يتحدث ضيفنا عن تجربته يقول “ولدت في قرية بجنوب العراق، وكان أبي فلاحا لا يجيد حراثة الأرض قدر إجادته القراءة والكتابة ولباقة الحديث. وهي حالة لا تخلو من مفارقة شعرية في مجتمع ريفي تحكمه الأمية وشظف العيش. كان، كما أصفه دائما، أكثر من فلاح وأقل من مالك أرض. كان له، ولوالدتي بعد وفاته، تأثير عميق على حياتي. هاجرنا إلى بغداد في عمر مبكر. وأكملت فيها مراحلي الدراسية الأولية والجامعية. ثم أكملت دراستي العليا في جامعة إكستر البريطانية”.

على القصيدة ألا تستمد قيمتها الشعرية مما تسعى إلى قوله، بل من طريقتها في قول ما تقول

يتابع “بعد الشعر العامي ومن ثمّ العمودي بدأت كتابة القصيدة الحديثة، أعني قصيدة التفعيلة، في بداية السبعينات، وقد صدرت مجموعتي الأولى لا شيء يحدث.. لا أحد يجيء عام 1973 عن دار العودة ببيروت. وأثارت الكثير من ردود الأفعال لما فيها من جرأة في اللغة والاستخدام المتطرف للصور الشعرية. حظيت تجربتي الشعرية والنقدية باهتمام نقدي وأكاديمي كبير، فقد كتب عنها أكثر من عشر رسائل جامعية في العراق وخارجه، وحوالي ثمانية كتب لنقاد عرب وعراقيين”.

وصدرت للشاعر مجموعته الشعرية الأخيرة وطن يتهجى المطر، قبل عام عن المؤسسة العربية للدراسات ببيروت. كما صدرت أعماله الشعرية في مجلدين عن المجلس الأعلى للثقافة في القاهرة، 2013، وعن دار فضاءات في عمان، 2014. وقد ترافقت لدى العلاق، ومنذ البدايات، كتابة القصيدة والمقالة النقدية. لذا كان على حذر شديد من أن يجور النقد على القصيدة فتفقد دفئها ونصاعتها وتبلغ ذبولها الحتمي، وتكف المخيلة عن ارتجال المفاجآت الشيقة، كان يرعبه مصير بعض الشعراء الذين جمعوا بين الشعر والنقد، حين صارت قصائدهم أخيرا تذكرنا بشعر الفقهاء أو علماء النحو.

عن الشعراء الأكثر تأثيرا في تجربته وموقفه من فكرة الأبوة في الشعر يقول العلاق “لا أبوة في الإبداع، فالشاعر الحقيقيّ هو ابن تجربته وأبو منجزه الشعريّ، وهو بداية جديدة دائما، بالقياس على تجربته الشخصية وتجربة من سبقوه. وهو تمهيد لما يأتي وإضافة الى ما تـمّ إنجازه. كما أن الشاعر الحقيقيّ لا يحتاج إلى آباء، ولا أبناء له، إلا بمعنى الانتماء لروح الإبداع وتجلياته في كل زمان ومكان، والاندفاع في أفق مفتوح عصيّ على الاكتمال.

نحن أمة مبتلاة بوفرة من المآسي والانهيارات

عن القصيدة الشعرية التي يطمح إلى كتابتها يقول الشاعر “حاولت دائما أن يكون لي ما يميزني عن شعراء جيلي، أن تكون لي قصيدتي الخاصة، وأسلوبي الخاص في توظيف اللغة والصورة وبناء المعنى. لقد كنت ولا أزال شديد النفور من مألوف القول الشعري. ولا يسعدني أن تستمدّ قصيدتي قيمتها الشعرية مما تسعى إلى قوله، بل من طريقتها في قول ما تقول. من لطائفها، ومفاجآتها، ومشاكستها للغة. لا أعوّل كثيرا على قصيدة تسعى إلى دلالتها جرداء عارية من نعمة المجاز ومجازفاته المدهشة. كما أنني لا أكف عن تصفية القصيدة، لغة وبناء، قبل أن أدفع بها إلى فضاء التلقي العام”.

المثقف والحاكم

حسب قول كونتر غراس “على المثقف أن يقف دائما إلى جانب المهزوم”، نسأل العلاق عن رأيه حول دور المثقف العربي، ولا سيما في المحن أو في المنعطفات الكبرى، ليجيبنا “هذا افتراض رائع، غير أنّ البراهين على حتميته قليلة إلى درجة مخيبة، ولا سيما في ثقافتنا العربية الآن. نحن أمة مبتلاة بوفرة من المآسي والانهيارات التي تصلح لاختبار المواقف، وبلورة الفروق الناصعة التي لا تدحض بين ثقافة الموقف والفعل وثقافة الذاكرة. أعتقد أن ثمة دورا للمثقف العربي العضوي لم يُملأ كما ينبغي”.

يتابع “الأنظمة الدكتاتورية لا تجد في المثقف، غالبا، إلاّ ذلك الفرد الأعزل، والمغلوب على أمره. الذي يسهل شراؤه وترويضه وتشغيله لحسابها كأية عمالة رخيصة. فهذا المثقف، إلا نادرا، تابع للدولة مضطرا أو مختارا، يشارك في مفردات سلوكها اليومي ويعيش على هباتها وامتيازاتها الوفيرة، أو هو جزء من جوقتها الإعلامية التي تسوقها أمام الناس، قد يعترض عليها في السر لكنه يباركها في العلن. وفي بلدان عربية يسحقها الفساد والقتل والفوضى، يأخذ المثقف مكانه اليوم في اصطفافات طائفية وعرقية وإثنية ضيقة، متنازلا عن ضميره الإنساني والوطني والثقافي”.

من جهة أخرى يرى العلاق أنه من الصعوبة، وجود فكر عميق وثقافة حية في مجتمعات تقوم على القبلية، أو الطائفية أو الأيديولوجيات الشمولية، لأن الفكر والثقافة، في رأيه، تاريخيان، لا ينشآن في فراغ أعمى، وبمعزل عن الزمان أو المكان، فهما في حركة من الجدل العميق مع مجتمعاتهما، يطورانها ويتطوران معها.

يتابع ضيفنا حديثه عن الواقع العربي الذي تتناوشه الأديان والمذاهب والطوائف والملل والبلدان، يقول “كان يمكن أن يكون لهذا التنوع في المكونات دور إيجابي يطبع مجتمعاتنا بالديناميكية، وروح التمرد والابتكار، والنزوع إلى الحرية. وأن يضع الأرضية النفسية والحضارية للمجتمع المدني، غير أن شراسة الأنظمة وتبعيتها، حولت ميزة التنوع والخصوصيات هذه، وبمعاونة المستعمر أو المحتل، إلى خراب شامل، عبث بحياتنا ومستقبلنا، حتى أصبحنا شعوبا مهجرة ومهاجرة. وعملت على تهشيم شخصية الفرد، وإفراغها من الأمل والطموح والثقة. وجعلت منه كيانا هشا، وذاتا يسكنها الجبن، واليأس، وتملق الحاكم ورموزه. وهكذا تعطلت لدينا طاقة الفعل والمبادرة الخلاقة. وبمرور الزمن وتراكم عهود القمع والتدجين، صرنا على ألفة، تماثل الإدمان، مع ما نحن فيه من إذلال وتهميش. وأكاد أقول إننا شعوب تصنع طغاتها بأيديها، وكأننا لا نستطيع العيش بعيدا عنهم. كل شيء لدينا مستورد إلّا حكامنا، فهم من صنع محليّ بالغ الرداءة”.

15