علي جعفر العلاق: لا تقطع الغابة الكثيفة وحيداً

الشاعر العراقي يؤكد أن ما يحدث هزّة ستغير القيم الإنسانية وما يجري يعفي الشاعر من عدته لتغريب الحياة وتجسيدها بطرق مخاتلة.
الاثنين 2020/04/06
العائلة والذكريات تخفف من ألم العزلة القسرية

من البديهي أن يعشق المبدعون العزلة، في جو إبداعي خالص خارج ضجيج العالم وبعيدا عن كل ما يشتت الذهن وصفاء الروح وانسيابية الانفعال. لكن ما يحدث اليوم في زمن الحجر الصحي أمر مختلف حيث العزلة قسرية لا اختيارية. “العرب” كان لها هذا الحوار مع الشاعر العراقي علي جعفر العلاق في حديث حول العزلة.

يؤكد الشاعر علي جعفر العلاق أن للعزلة إغراءها الخاص بالنسبة إلى المثقف أو المبدع، فهي مبتغاه الذي يهيئ له الوقت للتأمل والتفكير والتخطيط وترتيب الأولويات. هذا هو سحر العزلة ووقعها المحفز للذات والذاكرة، حيث القراءة وإعادة ما كنا قرأناه، و حيث ذواتنا وكأننا نراها مصادفة، أو للمرة الأولى.

هكذا يرى الشاعر الذي أنجز عبر تجربته الثرية مع الشعر والنقد اثنتي عشرة مجموعة شعرية وما يزيد عن ست عشرة دراسة، جلها كانت حول الشعر والرواية، العزلة في زمن وباء كورونا.

الانفعالات المتوقدة

يقول علي جعفر العلاق “في العزلة المختارة بعناية تتكشف التفاصيل، ويبرز الخفاء المقلق إلى التبلور أو التجلي. وفيها أيضاً تنحسر العموميات المشتتة للعمل المراد إنجازه. لكن ذلك كله يحيلنا إلى عزلة الاختيار المحض. لكن العزلة القهرية، أو عزلة الاضطرار شيء آخر، خليط من الخيار والقهر، وكأنها فسحة في زمن غامض”.

ويضيف العلاق “مع كل ما قلناه، يمكنني الإشارة إلى أن هناك عونا لا بد من استحضاره، أو اللوذ به. الجو الأسري سيجعل خسائرنا أقل إيلاماً. ويدخل على أرواحنا هدوءاً نحن في شديد الحاجة إليه، ويجعل دواخلنا أقل عتمة وعلى مسافة آمنة من مشاعر الإحباط. لا تقطع هذه الغابة الكثيفة وحيداً. لا بد من الرفقة الأمينة، الآمنة، المحبة، القادرة على التسلل إلى داخل النفوس، مثل تميمة مباركة، للتخفيف مما يشوبها من وحشة أو توتر”.

ويتابع “ثمة طريقة أخرى قد تسهم في جعل عزلتك عامرة بالانفعالات المتوقدة، رغم ما يتخللها من مرارة أحياناً. عليك أن تلتقي بذكرياتك لقاء حميماً، فهي خزين ثمين من الخيبات أوالأريحية، فلا تفرط فيه. لا بد من صقل ذكرياتك هذه، لتعيد إليها شيئاً من بريقها الذي تلاشى الكثير منه. افتح ممراً إلى أسماء أصدقائك أو أحبابك القدامى. لماذا حذفت أرقام هواتفهم، أوهواتف البعض منهم، من دفترك الدافئ الصغير أو هاتفك الجوال؟ أنت لا تعلم ماذا سيحدث لك أو لهم غدا؟”.

اليوم أخذنا نفكر في الزمن بطريقة لا يحركها التأمل المحض أو التصورات النظرية، بل الإحساس بالذعر

ويواصل العلاق حديثه “تأمل وجوههم، أزل الغبار عن أسمائهم الجميلة. تأمل تاريخ علاقتك بهم، لقد كانوا أصدقاء رائعين. قد لا يكونون جميعاً كذلك. ألا تحس الآن أنكم جميعاً تشرفون على مجهول ما، وأنكم تقفون على كوكب زلق وليس بعده ربما إلا هاوية كبيرة؟ ألا يكفي هذا النهر من السنوات لغسل ما علق في القلب أو الذاكرة من عتب، أو غيظ، أو نفور؟ ألست نادماً لأن بعضهم قد رحل الى الأبد دون أن يعتذر أحدكما إلى الآخر؟ ماذا تفعلون بهذا الإرث الموجع من الذكريات؟ أيام الفرح أو الشدة، عقبات عبرتموها يداً بيد، أخطاء أو مسرات أخذ كل منكم حصته منها بالتساوي. محن وأحداث كبرى ما كنتم قادرين على احتمالها لولا ما كان يجمع بينكم من صداقات”.

حول تجليات هذه العزلة على المبدع والمثقف، يلفت العلاق إلى أن هذه التجليات تختلف وتتعدد وتتصاعد. ومع أنها، بالنسبة إلى الجميع كارثة وشيكة، أو هزة تزلزل الكيان البشري كله، إلا أن المثقف أو المبدع يبدأ، دون إرادته، عهداً نفسياً وإنسانياً غير مألوف، يشكله بعدان مهمان: وعي غير متماسك تماماً، وكيان يفتقر إلى الثبات والمنعة. ويعبر ذلك عن تصور لا يرى ربما ثباتاً للحال الذي هو فيها من ناحية، ويتوق توقاً بالغ الهشاشة إلى ما يحدث أو يتغير”.

ويوضح العلاق “من التجليات المهمة لهذه العزلة أننا استيقظنا فجأة على زمن طاحن وثقيل الوطأة: هذا الوحش يلتهم أكثر الضحايا ضعفاً، لا يصيب بشكل مؤكد إلا من تقدم في العمر. وأخذنا نتأمل في الزمن بطريقة لا يحركها التأمل المحض أو التصورات النظرية، بل الإحساس بالذعر الذي يهز الجسد ويربك العقل، مع جهد قد يبدو تلقائياً لإخفاء هذا الهاجس. وفي هذه اللحظة، قد يكتشف الكاتب أو المبدع، وهو في عالمه الضيق هذا، أنه والحياة كانا يسيران في طريق واحدة، مخترقين الزحام نفسه، متعانقين حيناً، متباعدين حد المناكفة حيناً آخر، أو ذاهلين عن بعضهما بعضاً في أحيان أخرى”.

انقلاب القيم

العزلة لا تذعن لبرنامج يضعه الشاعر أو المثقف
العزلة لا تذعن لبرنامج يضعه الشاعر أو المثقف

يشير علي جعفر العلاق إلى أن من أبرز مظاهر العزلة أن صلتنا بالمعلومة تتخذ وضعاً آخر. حريتنا في الحصول عليها منقوصة إلى حد ما. نحن في المهب تماماً. وابل من المعلومات قد يناقض بعضها بعضاً أحياناً، وقد نبدو وكأننا أسرى لهذا الوضع القسري. المعلومات والأخبار والتقارير تنهال علينا من جهات شتى، متسارعة، مكررة، جديدة نافعة، عادية. كل شيء يتدفق عليك رغم إرادتك، ودون رغبة منك. ومع وجودنا منفردين في عزلات بيتية في الغالب، إلا أن إحساسنا المهيمن أننا محشورون في بيئة مزدحمة، خانقة، لا يخففها لنا مشهد خارجي يموج بالحركة أو الصخب الجميل.

ويضيف “تكشفت لنا هذه الأزمة، من جهة أخرى، عن تدنيات مريعة في الوعي لدى بعض البشر المحسوبين ظلماً على عالم اليوم. وكأننا أمام عالمين بعيدين عن بعضهما بعضاً: الأول يواجه هذا الوباء المتوحش بالعلم، والثاني يهرب منه إلى النوم والخرافة، والجهل والأدعية. في الجهة الأولى من الكون عقول تجرب وتبتكر وتضيء في سباق مع الزمن. وفي الجهة الأخرى منه، بل في كعب حذاء الدنيا تماماً، ثمة عقول عاطلة عن العمل، أو لا تعمل إلا بالحد الأدنى من قدراتها الافتراضية”.

أما عن أثر الأزمة على المفاهيم فينبه العلاق إلى أنه في أزمنة الوباء والانهيارات المدوية، تفقد بعض المفاهيم أو التصورات الكثير من ثقلها وجدواها، وقد تأخذ في التقهقر أمام كتلة واقعية صلدة، أو موت يشبه النهايات الكبرى في تاريخ البشرية. لو أخذنا مفهوم المساواة، مثلاً، التي كانت حلم الأنبياء والمقهورين، والمناضلين، والمبدعين، ربما وجدناها تتجلى اليوم بطريقة تبعث على الأسى. فهي الآن مساواة في الموت الشامل، وفي العجز التام. أمام هذا الوباء بدأت حتى القوى الكبرى، في هذا العالم، تقر بعجزها، أو تكاد، عن أن تكون كبيرة حقاً.

ويرى الشاعر أنه في هذا السياق تفقد حتى فكرة الموت ذاتها جلالها القديم، حيث أن الموت في طريقه إلى أن يفقد دلالته الفردية، وما يحظى به عادة، في الدين والحياة والفلسفة، من حرمة وتقديس: وها هو يصبح شيئاً فشيئاً هلاكاً شائعاً؛ جثث تتكدس في الثلاجات، وموتى ينادون أبناءهم دون جدوى، جثامين لا أبناء لها ولا قبور، وآباء انتهت أعمارهم الافتراضية وحياة بدأت تتخلص من حمولاتها الزائدة منهم. يالها من حياة بلا قلب، يكون فيها البقاء للأقوى، وللقادر على النجاة من حنانه الزائد، وللمزود بقسوة كافية دون إحساس بالذنب. ومع ذلك فهناك بعض المشاهد التي تعدّل قليلاً من قسوة هذا الوضع.

علي جعفر العلاق: الآن مساواة في الموت الشامل
علي جعفر العلاق: الآن مساواة في الموت الشامل

ويتابع العلاق “في خارج البيوت، ثمة حياة شبه ميتة أو على وشك الموت. شوارع مقفرة من الأحياء، بشر، كالأشباح. ما عدت أرى من ملامحهم ما يعبر عن شخصياتهم أو انفعالاتهم. أكفٍّ لا أستطيع مصافحتها مخافة العدوى، أكاد أتحدث، هذا إذا تحدثت، إلى وجوه دون قسمات، من وراء كمامات طبية. وبذلك تتغير القيم وتنقلب الاعتبارات. ميراث البشر من وسائل الحب، والصداقة، وصلة القربى، تتحول فجأة إلى كمائن لاستدراج المحب أوالصديق الى التهلكة. وتصبح القبلة، المصافحة، التحاضن، الأنفاس الدافئة، كل ذلك يغدو مجلبة للتصدع وضياع الإنسان. ويكون التورط في أبجديات المودة الأولى وكأنه بداية التطلع في الهاوية”.

ويشدد العلاق على أن “هذه الأزمة قابلة للكثير من الأوصاف، لكنها لا تقبل إلا القليل، وربما القليل جداً، من الثناء. فهي حياة تصنعها عزلة قسرية، فرضتها سلطة قد تفتقر إلى القداسة لكنها، أي السلطة، لا تفتقر إلى الجبروت، مع أنه جبروت أرضي بامتياز. وهذه العزلة لا تذعن لبرنامج يضعه الشاعر أو المثقف. بل قد تقف على مبعدة باردة منه، بقناع وقفازين، وبقلب لا يشاطره الحماس لما هو مقبل على عمله بشغف أو محبة. ومثل هذا الواقع يكاد يكون غرائبياً بامتياز، وما كان صعباً تصديقه صار له الآن وقع الوثائقي وحرارة البداهة، وكأن ما يجري يعفي الشاعر من عدته لتغريب الحياة وتجسيدها بطرق مخاتلة. وقد يكون للإعلامي دور أوضح في هذه الأزمة، وربما يكون السرد أقدر من الشعر، إلى حد ما، على تدوين شهادته على ما يحدث بهذا التتابع المخيف. لأن للشعر فلاتره التي قد تضيق عما يعلق بالواقعي أو الآني من قشور خادشة وتفاصيل تنزّ دماً”.

وفي هذا السياق الغرائبي للأحداث قد تتخلى اللغة أو تكاد عن رصيدها المجازي بعد أن أثقلها الواقع بالحسي الصادم، والظرفي العصي على التعبير. وها هو البرد يتأهب ليأخذ الحياة بعيداً عن قلوب الناس. وها هو اليباس يجرّد النهر من لطفه وسخائه القديمين. وبعد أن كان القرب والهمس ودفء الأيدي تملأ اللغة، حتى حافاتها الأخيرة، صار تواصل النفوس لا يتم في الغالب إلا عبر المعدن البارد المتجهم.

15