علي حداد من بائع بطيخ إلى ذراع مالية لنظام بوتفليقة

المتصفح لسيرة رجل الأعمال النافذ علي حداد يخلص إلى أن حكاية الثراء في الجزائر لا تحتكم بتاتا لقواعد اللعبة، ولا إلى الشفافية التي يتطلبها المسار.
الأحد 2019/03/24
رجل أعمال غامض في صلب نظام بوتفليقة

قبل العام 1999 الذي قدم فيه الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة إلى السلطة، لم يكن لا علي حداد نفسه، ولا أكبر المتفائلين، يتكهن بأن يتحول بائع البطيخ في بلدات تيزي وزو هذا، وصاحب مقاولة الأشغال العمومية المتهالكة، إلى ذراع السلطة المالية، وأحد الرؤوس التي تدير شؤون البلاد من وراء الستار، رفقة رموز القوة غير الدستورية التي تضع البلاد الآن على حافة الهاوية.

رد مقرب من رجل الأعمال القوي في الجزائر على سؤال هامشي لـ”العرب”، منذ سنتين حول أسباب تنحية رئيس الوزراء السابق عبدالمجيد تبون، رغم أنه لم يمر على تنصيبه حينها إلا ثمانين يوما فقط، بقهقهة مستفزة، ثم قال “كل شيء سهل”، ورغم أن الجواب كان بسيطا، إلا أنه فهم ما وراء السؤال وأجاب بنفس المعنى.

وحمل معه تأكيدا على أن القرار السياسي والتعيين في هذا المنصب أو ذاك، يتمان خلف الستار. وخلف الستار رجال ظل، وحداد واحد منهم.

وحين فتح تبون جبهات صراع متعددة، ومنها جبهة رجال المال والأعمال النافذين، بمجرد تسميته في قصر الدكتور سعدان، قصر الحكومة، في صيف العام 2017، تكهن له البعض بالسقوط لأن مصالح اللوبي المالي باتت مهددة.

وتختصر حادثة رئيس الوزراء عينة من نفوذ رجال الظل في السلطة وإدارة خيوطها بقوة المال في البلاد خلال العشريتين الأخيرتين بالجزائر، وأفادت شهادة موظف في مجمع لتركيب السيارات، بأن “وزراء ونوابا برلمانيين ومسؤولين كبارا يصطفون في قاعة الانتظار من أجل الفوز بمقابلة مالك المجمع”.

انحناء الجميع أمام المال والنفوذ

العارفون بشؤون السلطة في الجزائر يجزمون بأن الرجل الذي صنع مجده بمجد سلطة بوتفليقة، لا يهمه القفز من مركب بوتفليقة في الظرف الراهن، بقدر ما يهمه مستقبله مع السلطة القادمة
العارفون بشؤون السلطة في الجزائر يجزمون بأن الرجل الذي صنع مجده بمجد سلطة بوتفليقة، لا يهمه القفز من مركب بوتفليقة في الظرف الراهن، بقدر ما يهمه مستقبله مع السلطة القادمة

عكس البورجوازيات العالمية التي تختط مسارا من الجد والاجتهاد في تكوين ثرواتها، فإن ثروات طبقة رجال المال والأعمال في الجزائر لا تملك في سيرتها إلا رعاية سياسية من أحد أجنحة السلطة، أو كبار جنرالات المؤسسة العسكرية، وممارسات الربح السريع والنهب والتطفل على الاقتصاد المحلي.

المتصفح لسيرة رجل الأعمال النافذ حداد، يخلص إلى أن حكاية الثراء في الجزائر لا تحتكم بتاتا لقواعد اللعبة، ولا إلى الشفافية التي يتطلبها المسار، فبقدرة قادر تحول بائع البطيخ البسيط، ومالك مقاولة الأشغال العمومية المتهالكة، إلى عمق استراتيجي قوي للسلطة، وإلى عراب خفي في دوائر صناعة القرار، في ظرف لا يتجاوز العقدين من الزمن.

قد يقول قائل إن من يسمع حداد يتكلم بالفرنسية، يعتقد أن الرجل مكون بالعربية، ومن يسمعه يتكلم بالعربية يعتقد أن تكوينه باللغة الفرنسية، في إشارة إلى هشاشة الرصيد الأكاديمي والثقافي، ورغم ذلك، فإن الرجل حين ينطق يصمت الجميع بمن فيهم رفاقه وزملاؤه في التنظيم المهني لرجال الأعمال، وذلك لأن للمال والنفوذ حجته الدامغة.

ولأن لحداد صداقة قديمة مع شقيق ومستشار رئيس الجمهورية سعيد بوتفليقة، تعود إلى ما قبل عشريتي رئاسة عبدالعزيز بوتفليقة للبلاد، فإن قدوم الأخير لشغل كرسي قصر المرادية، كان بمثابة ليلة القدر عند حداد، لأن سنوات بيع البطيخ والمقاولة المتهالكة ستصبح من الماضي، وأن مستقبلا كبيرا ينتظره.

بديل الأمازيغ

كان رهان السلطة في مطلع الألفية، لاسيما بعد أحداث الصيف الأمازيغي الساخن في يونيو 2001، على وجوه جديدة في المنطقة لإقامة تحالفات جديدة، قوامها امتيازات مفتوحة مقابل اختراق أو احتواء الغضب الأمازيغي، بداية لسطوع نجم الرجل في عالم الأعمال والمال والسلطة.

لقد تمت تهيئة الرجل بكل المواصفات المالية والسياسية، ليكون بديلا لرموز أمازيغية أخرى في هرم جهاز الاستخبارات والجيش وفي عالم الأعمال، كالجنرال توفيق ورجل الأعمال يسعد ربراب، اللذين لم يكن بوتفليقة يرتاح لهما، نظرا لارتباطهما بأجنحة مناوئة له، وتم تعويضهما بوجوه سياسية ومالية جديدة، يأتي علي حداد على رأسها، لكن أكبر المتفائلين لم يكن يتكهن بهذه المكانة التي بلغها الرجل في ظرف قياسي.

وظلت معادلة السلطات المتعاقبة في البلاد والأمازيغ، ترسم التوازنات غير المعلنة، رغم ما أفرزته من نضالات سياسية وثقافية في عدة محطات، وكانت السلطة تتمكن في كل مرة من ترويض الرؤوس الكبيرة، ولم يسلم من مخططها إلا المناضل التاريخي الكبير حسين آيت أحمد ورموز من حزب جبهة القوى الاشتراكية المعارضة.

التصريحات الأخيرة للرجل الثاني في حزب التجمع الوطني الديمقراطي صديق شهاب تميط اللثام عما أسماه بـ"استحواذ القوى غير الدستورية على مصادر القرار في البلاد منذ حوالي سبع سنوات"، وتكشف الشبهات التي تحوم حول رجال الخفاء الذين يديرون البلاد باسم الرئيس المريض

ومنذ الربيع الأمازيغي في 1980، إلى الصيف الأسود في 2001، ومرورا بالعشرية الحمراء، تمكنت السلطة من اختراق وترويض الصفوف الأمازيغية بالامتيازات والمغريات، إلى غاية ميلاد حلف حداد، الذي اصطدم بهبة الحراك الشعبي في فبراير الماضي، ويترصد نهايته بنهاية الزمن البوتفليقي في الجزائر.

وأماطت التصريحات الأخيرة التي أدلى بها مؤخرا الرجل الثاني في حزب التجمع الوطني الديمقراطي صديق شهاب، حول ما أسماه  بـ”استحواذ القوى غير الدستورية على مصادر القرار في البلاد منذ حوالي سبع سنوات”، اللثام عن الشبهات التي تحوم حول رجال الخفاء الذين يديرون البلاد باسم الرئيس المريض منذ ربيع العام 2013.

ويشار في الجزائر عند ترديد مصطلح القوة غير الدستورية، إلى رجال الخفاء في السلطة، ويأتي على رأسهم الصديقان الحميمان، سعيد الشقيق وحداد، وبعض رموز السلطة والسياسة وعالم الأعمال، الذين ظلوا يتحكمون بهرم النظام رغم الهزات المتكررة، ويسطون على رئيس لم يكلم شعبه منذ سبع سنوات، ولا أحد من 45 مليون جزائري يدري حقيقة ووضع الرئيس.

برغماتي أم خائن

كانت إصابة الرئيس بجلطة دماغية في أبريل العام 2013، ودخوله في وضع صحي مزمن، بداية تغول القوة الدستورية في البلاد، وتوسع نفوذ حداد بشكل مهول طال كل مؤسسات ومفاصل الدولة، لدرجة ترشيحه لأن يكون طرفا في الجدل المثار حينها حول معادلة صناعة الرؤساء، لاسيما وأن التوقيت تزامن مع تراجع نفوذ المؤسسة العسكرية وتفكيك أجهزتها.

وتجسد الوضع الجديد في إعلان حداد عن إطلاق منتدى رؤساء المؤسسات لاستقطاب رجال الأعمال الموالين للسلطة وللرئيس، وبدأ التنظيم بنحو 500 مؤسسة اقتصادية وبرأسمال يفوق 40 مليار دولار، بفضل الامتيازات التي يحظى بها هؤلاء في الاستحواذ على الاستثمارات الحكومية.

ويعتبر التنظيم الممول الأول للحملة الانتخابية لبوتفليقة في انتخابات الرئاسة التي جرت العام 2014، وكانت عائداته مضاعفة على أصحابها في شكل إعفاءات جبائية ضخمة، وامتيازات جمركية ومشروعات استثمارية، والحصول على تسبيقات مبكرة حتى قبل بداية عملية الإنجاز.

وبزغ نجم حداد بقوة في هذه المرحلة، بعدما دخل النشاطات الرسمية للدولة باسم تنظيمه المهني، وتجاوز حدود المعقول السياسي، لما صار يستقبل الوزراء والسفراء في مكتبه بدعوى النقاش الاقتصادي والتعاون والتشاور، ولم يسلم من سطوته حتى الرجل الذي يفترض فيه الوقوف بجانب الطبقات الشغيلة، وهو رئيس المركزية النقابية عبدالمجيد سيدي سعيد، الذي صار حليفا ومؤيدا للبورجوازية الجديدة بدل العمال.

إصابة الرئيس بجلطة دماغية في أبريل العام 2013، ودخوله في وضع صحي مزمن كانت بداية تغول القوة الدستورية في البلاد، وتوسع نفوذ حداد بشكل مهول

ولم يتوقف نفوذ حداد عند هذا الحد، بل تعداه إلى توجيه قوانين الموازنات العامة، خلال السنوات الماضية، بشكل يتواءم مع مصالح رجال الأعمال الموالين للسلطة، وتمكن من إسقاط ضريبة الثروة من برنامج الحكومة، رغم الظروف الاقتصادية الصعبة التي تمر بها البلاد منذ العام 2014.

وحتى الطواقم الحكومية والدبلوماسية، باتت تعد تحت أعين رجل الأعمال النافذ، وامتدت يداه إلى لوائح المرشحين في الانتخابات البرلمانية، لضمان تجسيد تصوراته عبر موالين له في الجهاز التنفيذي الحكومي ونواب البرلمان، بغية تأمين المشاريع الاقتصادية والمالية، من غضب وانتقادات الطبقة السياسية المعارضة، التي انتفضت أكثر من مرة في وجه مخطط خصخصة الدولة لصالح ما بات يعرف بالقوة غير الدستورية.

كما استحوذ على قطاع الأشغال العمومية والبنى التحتية، فقد ضغط بكل الوسائل من أجل خصخصة العديد من المؤسسات الحكومية المربحة تمهيدا للاستحواذ عليها، كما هو الشأن بالنسبة لشركة الخطوط الجوية وشركة النقل البحري وبعض أنشطة سوناطراك النفطية وشركة الكهرباء وغيرها.

انتفاخ لدرجة الانفجار

حداد يتمتع بصداقة قديمة مع شقيق ومستشار رئيس الجمهورية سعيد بوتفليقة، تعود إلى ما قبل عشريتي رئاسة بوتفليقة للبلاد، ولذلك فقد كان قدوم الأخير لشغل كرسي قصر المرادية في 1999 بمثابة ليلة القدر عند حداد
حداد يتمتع بصداقة قديمة مع شقيق ومستشار رئيس الجمهورية سعيد بوتفليقة، تعود إلى ما قبل عشريتي رئاسة بوتفليقة للبلاد، ولذلك فقد كان قدوم الأخير لشغل كرسي قصر المرادية في 1999 بمثابة ليلة القدر عند حداد

أدرك الرجل أن مجد الثروة يحتاج إلى أذرع موازية، فأطلق مجمع الوقت الإعلامي للدفاع عن مصالحه، واخترق عالم الرياضة بشراء نادي اتحاد الجزائر لكرة القدم، رغم ما فيه من مجازفة، فالمال وحده لم يكن كفيلا بشراء ولاء الجماهير العاشقة، لأن “المسامعية” أو جمهور الاتحاد، يعتبر الخزان الأول لأغاني التمرد على السلطة والنظام السياسي، التي تردد أسبوعيا في مدرجات ملعب عمر حمادي بالعاصمة.

ولأن الثراء لا يرتقي بالضرورة إلى البورجوازية، فإن ذهنية وممارسات الاستيلاء والسطو والنهب، هي الوجه الآخر لأثرياء المرحلة، ففي مجمع حداد الإعلامي، يُطرد الصحافيون دون وجه حق، وتتأخر رواتبهم لعدة شهور، ويضطر أحد المتعاملين المهنيين إلى حرق نفسه في مبنى قناته التلفزية بسبب التنكر لمستحقاته ثم يموت الرجل متأثرا بحروقه.

ومثلما استحوذ أحد رفاق حداد على مصنع حكومي لصناعة العجائن بسعر رمزي تم تقييمه على وزن الحديد الذي بني به، وبسعر الخردة، دفع الرجل بتوريط رفاقه في ممارسات مشبوهة لكسب ولائهم وعدم القدرة على التمرد عليه، لكن هبة الحراك الشعبي نقلت عدوى التفكك والتآكل إلى بيته الداخلي، ودفعته إلى التفكير في مغادرة قواعده والتواري عن الأضواء.

لكنّ العارفين بشؤون السلطة في الجزائر يجزمون بأن الرجل الذي صنع مجده بمجد سلطة بوتفليقة، وكان أحد الفاعلين في لوبي الخفاء، لا يهمه القفز من مركب بوتفليقة في الظرف الراهن، بقدر ما يهمه مستقبل ثروته وإمكانية فتح ملفاته من طرف السلطة القادمة مهما كان مصدرها وشكلها وشرعيتها.

8