علي حسن خليل من زعامة شباب "أمل" إلى صيانة مكانة بري

الثلاثاء 2018/02/06
وزير "المحرومين" في اتفاق الطائف "السري"

حين سيوزع عدد اليوم من “العرب” سيكون الرئيسان ميشال عون رئيس الجمهورية اللبنانية ونبيه بري رئيس مجلس النواب يستعدان للاجتماع بعد قليل، لتثبيت المصالحة التي سعى إليها رئيس الحكومة سعد الحريري الأسبوع الماضي. والتي تقترب من طي صفحة من التقاذف بالاتهامات بالبلطجة بدأها وزير الخارجية جبران باسيل وتلقفها وزير المالية علي حسن خليل.

وفي هذه الأثناء، كما في كل وقت مضى، لا يمكن الإتيان على ذكر بري دون أن يصار إلى ذكر معاونه السياسي خليل بشكل مباشر أو تلميحا. لقد نجح هذا المحامي الشاب في حجز مكان مقرّب من “الأستاذ”، لدرجة أن معالجة أي شأن عام مهما كانت أهميته، لا يمكن إلا أن يكون له الدور الرئيس فيها.

رائحة ثنائية مارونية - سنية

لم يكن وصول أبوحسن إلى موقع وزارة المالية صدفة، لا بل أتى في سياق طبيعي لتكريس التفاهمات التي تم التوصل إليها في اتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية في مطلع تسعينات القرن الماضي، والتي نصّت في بنودها “الضمنية غير المنشورة” على ما يقول بري، أن يكون التوقيع على المراسيم التي يصدرها رئيس الجمهورية الماروني ورئيس مجلس الوزراء السني، مقرونا بتوقيع شيعي ولا يمكن أن يكون ذلك ممكنا إلا من خلال تكليف شخصية شيعية بمنصب في وزارة المالية، يأتي توقيعه ملزما على جميع المراسيم.

يعيد بري هذا الموضوع إلى الرئيس السابق لمجلس النواب حسين الحسيني الذي يملك كافة محاضر جلسات الطائف والذي يرفض الكشف عنها إلا في “يوم لا بد أن يأتي”. لم يتردد زعيم حركة “أمل” في المجاهرة بهذا الموضوع، إذ قال علنا “في اتفاق الطائف، موضوع وزارة الماليّة محسوم، أي إنّها مِن حصّة الطائفة الشيعيّة على قاعدة أنّ توقيع وزير الماليّة على المراسيم هو التوقيع الشيعي الوحيد في السلطة التنفيذيّة”.

من هنا بدأت أزمة منح الأقدمية لدورة ضباط “1994” التي سمّيت آنذاك “دورة عون”، حيث وقع المرسوم عون والحريري ولم يوقعه خليل، الأمر الذي أثار تلك الزوبعة التي لم تنته فصولها بعد، ومرّ خلالها لبنان بعاصفة تهجّم باسيل على بري ووصفه بعبارات قاذعة مثل “بلطجي”، وأضاف إليها مشهد “رح نكسرلو راسو”، الأمر الذي لم يهضمه خليل ولا نجله حسن الذي غرّد على موقع تويتر قائلا “ملعون هذا الزمن الذي قبلنا فيه بالعميل ميشال عون رئيسا للبنان المقاوم”.

لبنان يمر بعاصفة قوية بعد تهجّم باسيل على بري، الأمر الذي لم يهضمه خليل ولا نجله حسن الذي غرّد قائلا ”ملعون هذا الزمن الذي قبلنا فيه بالعميل ميشال عون رئيسا”

"قلوب مليانة" ذلك المثل الشعبي اللبناني الذي يقال عن المشاعر المكبوتة القديمة التي تظهر فجأة، هو ما يمكن إطلاقه من وصف على علاقة الرئيسين عون وبري الذي كان وكتلته من الذين لم يقترعوا لعون في الانتخابات الرئاسية التي جاءت نتيجة تسوية اشتمّ من خلالها بري مشروع إنتاج ثنائية مارونية- سنية تطيح بما أنجز على صعيد اشتراك الطائفة الشيعية في إدارة شؤون لبنان. ومن أفضل من أبوحسن، الخطيب المفوه القادر على الخطابة لساعات طويلة دون إمساك أي ورقة، لكي يكون الناطق باسم هذه المعارضة الشرسة التي أطلقها بري ضد هذا المشروع؟

ولد خليل في العام 1964 ونال إجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية في العام 1992، ومارس المحاماة قبل أن ينتخب نائبا عن أحد المقاعد الشيعية في دائرة مرجعيون ـ حاصبيا أواسط التسعينات من القرن الماضي، ليعاد انتخابه نائبا في جميع الدورات الانتخابية المتتالية منذ ذلك الحين.

تولّى مناصب وزارية عديدة منذ العام 2003، وأثبت جدارة في إدارة ملفات الوزارات التي تولاها إلى أن اختاره بري وزيرا للمالية في حكومة استعادة الثقة التي شكّلها الحريري مطلع العام 2017. وكانت أمامه ملفات صعبة لحلّها، وفي مقدّمها إقرار ميزانية للمرة الأولى منذ 12 عاما. فكانت اجتماعاته التي وصل خلالها الليل بالنهار في وزارته، أو مشاركته في اجتماعات لجنة المال النيابية التي يرأسها النائب “العوني” إبراهيم كنعان، “الميدان” الأنسب لإظهار قدراته الإدارية المشبوكة بالقرارات السياسية التي استغلها للوقوف في وجه “الطامعين” وفي مقدمّهم من يناصبون العداء لـ”الأستاذ”.

وبعد أن خاض خليل المعارك الضرورية من أجل تمرير الموازنة العامة من خلال التصدي لمحاولات نواب تكتل “الإصلاح والتغيير” التابع لعون إعاقة إقرار الموازنة والإصرار على قطع الحساب المتعلق بمبلغ 11 مليار دولار، اتهم نواب التيار رئيس كتلة “المستقبل” النيابية الرئيس فؤاد السنيورة بالتصرف بها من دون قيدها في حسابات الخزينة وألفوا كتابا بعنوان “الإبراء المستحيل” ظل عائقا أمام العلاقة بين الحزبين السياسيين.

التجارب تقول إن الأحوال مع الرئيس بري متقلبة، لا ترسو على بر. فتراه يوما يرفع فلانا إلى أعلى المراتب ثم يغيبه عن الساحة أو يلقي به خلف قضبان السجن، أو تختفي آثاره عن الساحة السياسية لأسباب لا يعلمها إلا النجم المنطفئ أو بري نفسه، فهل سيعاني علي حسن خليل من الأمر نفسه؟

واجه خليل مرة جديدة معضلة سلسلة الرتب والرواتب لموظفي القطاع العام والتي كانت حركة “أمل” تقف وراءها بقوة حتى أثناء اعتراض نقابات المعلمين في الشارع على التأخير في إقرارها، ولم يكن إلا خليل من يقف خطيبا أمامهم أو يستقبل وفودا من قبلهم في مكتبه في وزارة المال إلى أن جاء الترياق وأقرها المجلس النيابي لكن ذيولها لا تزال تؤرق مضجعه، إذ أنها لم تأت بالشكل الذي ينصف جميع الموظفين.

فبين احتجاجات القضاة الذين حرموا من صندوق تعاضدهم في السلسلة وبين الفروقات التي لحقت بموظفي مختلف الفئات في القطاع العام، تجد أن خليل هو محور جميع الاجتماعات الهادفة إلى حلحلة المشاكل لكن دائما على قاعدة “الحفاظ على المال العام”.

التوازن مع حزب الله

في المحنة الأخيرة التي سببها مرسوم الأقدمية، تصدّى خليل لـ”الخلل الدستوري” برفض توقيع مرسوم ترقيات القوات المسلحة اللبنانية، بحجة أن بعض الأسماء الواردة فيها وردت أيضا في مرسوم الأقدمية، فربط نزاعه مع الرئيس عون باسم الرئيس بري لا يزال عالقا إلى غاية اليوم ولا يُعرف كيف يمكن أن يحل من دون أن يمهر خليل المرسوم بتوقيعه.

شكّل خليل دون أدنى شك نقطة تقاطع مصالح الرئيس بري وكتلته النيابية مع باقي الفرقاء السياسيين، فتراه قد نسج علاقات جيدة مع معظمها انطلاقا من دماثة خلقه المعروف بها، كما أن الخبرة التي اكتسبها على مدار السنوات التي خاض فيها غمار العمل السياسي، جعلته يتحول إلى محنّك في طريقة التعامل مع الأزمات السياسية مهما اشتدت صعوبتها لكن دائما على خلفية صفته “معاونا سياسيا” للرئيس بري.

بري يتحدث عن بنود سرية "غير منشورة” لاتفاق الطائف، تنص على أن يكون التوقيع على المراسيم التي يصدرها رئيس الجمهورية الماروني ورئيس مجلس الوزراء السني مقرونا بتوقيع شيعي، ولا يمكن أن يكون ذلك ممكنا إلا من خلال تكليف شيعي بمنصب وزير للمالية

لا يغيب خليل عن أي اجتماع عمل يعقده بري مع القيادات السياسية الرئيسية في البلاد، ولا يفوت مناسبة شعبية في الجنوب، إلا ويعتلي منبرها لكي يطلق سهامه في الاتجاهات التي يطلب منه بري التصويب عليها. وهو في ذلك من أنجح خطباء المنابر الذين عرفهم لبنان، فهو قادر على الخطابة ارتجالا لساعات دون أن يحمل ورقة ليستعين بها، ولعل في رده على مناقشة النواب للميزانية العامة في مجلس النواب، قد أظهر بأفضل شكل ممكن هذه الميزة التي لعلها ما أثارت إعجاب بري منذ انطلاقة خليل في الشأن العام فجعله الأقرب إليه من مساعديه، وسمّاه المعاون السياسي لكي يتوازن في المنصب نفسه الذي يحمله السيد حسين خليل لدى الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله.

كان خليل عضوا أساسيّا في المخاض الذي جعل برّي يتحوّل إلى الراعي الرسمي لطائفة “المحرومين” كما أسماها الإمام موسى الصدر والذي يعتبر خليل أنه “ينتمي بفخر كبير إلى مدرسته”.

ولا يملّ من الإطناب على الرئيس بري وعلى سياسته الحكيمة ودوره المحوري في نزع فتائل الأزمات التي غالبا ما يكلّفه بمتابعتها، لكن السؤال الذي يطرح دائما هو هل خليل الذي ظلّ إلى غاية اليوم يتظلّل بعباءة بري الذي بدوره تظلّل بعباءة الإمام الصدر، قادر على لعب الدور السياسي نفسه الذي يكلّفه به اليوم رئيس مجلس النواب لو أنه لسبب ما نزع عنه هذه العباءة؟

لكن التجارب أثبتت أن الأحوال مع الرئيس بري متقلبة، لا ترسو على برّ. فتراه يوما يرفع فلانا إلى أعلى المراتب ثم يغيبه عن الساحة أو يلقي به خلف قضبان السجن، أو تختفي آثاره عن الساحة السياسية لأسباب لا يعلمها إلا النجم المنطفئ أو بري نفسه، فهل سيعاني خليل من الأمر نفسه؟

13