علي رشيد رسام يائس برسوم متفائلة

رشيد يعتبر من القلة النادرة من الرسامين العراقيين الذين يعرفون ما يفعلون والذي تهمّه صداقة اللوحة أكثر مما تعنيه نتائجها.
الأحد 2018/08/12
مسافر في رحلة خيالية بيضاء

لم يكن مفاجئا أن يسمّي المجلة الإلكترونية التي يشرف عليها بـ”إلى”. ذلك لأنه منذ سنوات يكتب رسائل من خلال رسومه إلى لا أحد.

إنه يرغب في أن يمد يده لتمسك يدا. يرغب في أن يقول كلمة تلقى اعتراضا. يرغب في أن يشم أبخرة ليست متوقعة. ولكنّ شيئا من ذلك القبيل لم يقع.

“إلى” أشبه ما تكون بالمكيدة الشخصية، يؤكد من خلالها علي رشيد نبله وكرمه في الاحتفاء بتجارب الرسامين العرب. غير أنها في الوقت نفسه تكشف عن اعتراف بأن شيئا مما يريد قوله لن يصل.

حاول في الشعر وانتهى إلى بلاغة طعنها الزخرف بجماله. وها هو في الرسم يمضي بالتجريد إلى أقصاه. لغته التي غالبا ما تخلو من المفردات لا تخونه في التعبير بقدر ما تعيق عملية اتصاله بآخر صار على يقين من أنه لن يجده.

رسام يائس برسوم متفائلة. معادلة صنعها رشيد بقصد مبيّت ولم تصنعها الصدفة. فهو من القلة النادرة من الرسامين العراقيين الذين يعرفون ما يفعلون.

رشيد تهمّه صداقة اللوحة أكثر مما تعنيه نتائجها. شيء منه يظل عالقا بها حتى النهاية. تنظر إلى لوحته فلا يهمك ما يظهر على سطحها، فهي تخطفك من أسئلتك، من كيانك العقلي لتبعث في روحك شغفا جماليا يتمنى المرء لو أنه عاش في ظل سحره العمر كله

تهمّه صداقة اللوحة أكثر مما تعنيه نتائجها. شيء منه يظل عالقا بها حتى النهاية. تنظر إلى لوحته فلا يهمك ما يظهر على سطحها، فهي تخطفك من أسئلتك، من كيانك العقلي لتبعث في روحك شغفا جماليا يتمنى المرء لو أنه عاش في ظل سحره العمر كله.

“لا شيء هناك” يعترف الرسام وهو ما يشبه تشبثه بذلك “اللا أحد” الذي سيبعث إليه رسائله من غير أن ينتظر رسائل منه.

وفي حضور كل ذلك الفراغ العظيم لا يهمل رشيد أدواته التي تربطه بالحرفة. فهو يحرص على مهارة تقليدية يمارسها من غير أن يتباهى بها. فهي العتبة الأولى التي تحفظ توازن سلمه الذي تسلقته جمل موسيقية كثيرة.

رسام تجريدي في نتائجه غير أنه يمارس حرفته بصرامة رسام تقليدي. غير مرة رأيته يرسم. كان أشبه بمَن تطارده أشباح.

خرائط لسفر طويل

ولد علي رشيد في كربلاء عام 1957. تخرّج من معهد الفنون الجميلة ببغداد عام 1987 وكان قد أقام معرضه الشخصي الأول عام 1978 في قاعة نقابة الفنانين بكربلاء. انتقل عام 1994 إلى هولندا ليدرس ويعمل ويعيش هناك. تخرج من الأكاديمية الملكية للفنون في لاهاي عام 2000. درس بعدها التصميم والعمارة في المدرسة العليا للفنون في تلبرغ بهولندا وفي جامعة ليستر ببريطانيا وجامعة غرناطة بإسبانيا. أقام أول معارضه في هولندا عام 1995.

في حياته العملية مارس التدريس في ليبيا بين عامي 1990 و1994 وفي هولندا من خلال جامعة أوروبا الإسلامية، كما ألقى محاضرات في المدرسة العليا للفنون بتلبرغ. نال الجائزة الأولى في مهرجان “دنيا فيستفال الشعري” بهولندا عام 1998 والجائزة الأولى في ملتقى باول ريكارد بفرنسا عام 2014. انتسب إلى عدد من الجماعات الفنية الهولندية. أسس مجلة “إلى” الإلكترونية التي لا تزال تصدر حتى الآن وكان قبلها شديد الاهتمام بتدوين الذاكرة.

أصدر علي رشيد ثلاثة كتب هي “ذاكرة الصهيل” و”خرائط مدبوغة بالذعر” و”أضحية رمزية لمعارك الله” والكتاب الأخير هو كتاب تخطيطات.

مسافر في رحلة خيالية بيضاء
مسافر في رحلة خيالية بيضاء

عرف رشيد كيف يمسك تفاحتين بيد واحدة كما يُقال. لا أقصد الشعر والرسم، فهما فنان يلتقيان في غير جانب، بل أقصد طبيعة العلاقة المزدوجة التي أقامها رشيد بالرسم. لقد تعلم في أوروبا كيف يكون رساما عميقا في حداثته ومخلصا لكل شروط الحداثة، غير أنه كان في الوقت نفسه حريصا على الاستمرار في مشروعه المتعلق بتدوين الذاكرة الذي صار مع الزمن يتخذ طابعا شعريا.

لا يفارقه الكائن الاستفهامي. وقد يفاجئه بأن ذلك الشخص يحضر في رسومه كما لو أنه الضيف الذي لا غنى عنه. فإذا ما كان الرسام يطارد فكرة غامضة فإن تلك الفكرة هنا تطارد الرسام. علي رشيد تطارده أفكاره لتلحق به أو تسبقه إلى اللوحة.

يعرف رشيد أنه صار يتحرك في عالم خلوي. ليس هناك من شيء يرسمه. متعته تكمن في رسم ذلك الفراغ الهائل. الأبيض الخالص. يا له من لون ولغز مغلق. من البريطاني وليام تيرنر إلى الأميركي سي تومبلي مرورا بالفرنسي كلود مونيه، مرّ اللون الأبيض بتحولات جذرية صنعت استقلاله الفذ وحريته التي تتعلق بغموضه وقوته في التعبير. لذلك كان دائما اللون الأصعب. ذلك لأنه قد يصمت فجأة. وهذا ما يُخيف رساما مثل علي رشيد صار الأبيض خياره الوحيد بين الألوان.

أيعقل أن المرء يحارب بالشيء الذي يمكن أن يكون عدوه؟

من الصعب على هذا الرسام أن يتراجع. لقد استغرق عميقا في الأبيض. صار الرسم بالنسبة إليه يبدأ بالأبيض وينتهي به. لقد غرق في بحر من الأبيض وصار يستنجد أحيانا بألواح خلاص هي عبارة عن خطوط ناعمة بأصباغ أخرى لا يبدو أنه مقتنع بأنها تنتمي إلى عالمه، غير أنه يستضيفها على مضض، لا رغبة في تسلية مشاهدي لوحاته بل لحاجة نفسية مؤقتة فيه. ولكن ما نوع ذلك الأبيض الذي يستعمله رشيد؟ أسأل عن النوع ولا أسأل عن الدرجة.

رشيد هو ابن سلالة من الرسامين الذين بحثوا بعمق وتأمل في تجليات اللون الأبيض.

ألغاز وطلاسم ومنسيات

تعلم رشيد من تجارب مَن سبقوه في حروبهم البيضاء الشيء الكثير. وهو ما جعله حريصا على أن يتميز بأبيضه. أمر غاية في الصعوبة احتاط له الرسام من خلال أدوات هي مزيج مما يُرى ومما يدخل في باب التأمل وإن عبرت عنه إشارات وعلامات مشاعة.

سطح اللوحة لدى هذا الرسام يشف عن سطوح تقع تحته، لا يجهد الرسام نفسه من أجل أن يخفيها، بقدر ما يسعى إلى أن يحيطها بقدر من اللغزية كما لو كانت طلاسمه التي ورثها من بشر اطمئنوا إلى عهدته.

لوحاته ليست صامتة
لوحاته ليست صامتة

قد يكون مناسبا القول هنا إن المشاهد يشعر بوجود تلك الأشياء ولا يراها بشكل مباشر. شيء من الإيحاء يقع هو مصدر ذلك الشعور الذي يحفز الحواس على العمل وهي تتبع حدسها.

يرى المرء حدائق يغمرها النور ويسمع أصوات صلوات ويشم روائح أبخرة لا لشيء إلا لأن الحواس قد بدأت بالعمل بتحريض مباشر من الموسيقى التي تنبعث من تحت السطح التصويري الذي صار أشبه بخيمة تجري تحتها تلاقيات غامضة.

لوحاته ليست صامتة بالرغم من أنها شديدة التقشف. تجريده ليس باردا بالرغم من خلو لوحاته من الكائنات والأشياء إلا في ما ندر. يشدنا علي رشيد إلى مناطق تعبيرية لا تقع مباشرة أمام العين. غير أن الوصول إليها لا يتطلب جهودا كبيرة. فعل أشبه بالانزلاق الذي يجري تلقائيا وبيسر.

يملك الرسام القدرة على التحكم بالمسافة التي نمشيها لكي نصل. طويلة أم قصيرة تلك المسافة، فإن الشيء الذي نصل إليه لن يكون نفسه في كل محاولة جديدة نقوم بها. لعبة يشعر الرسام بأنها مصدر متعة لمشاهد قرر أن يستسلم لعصا دليله في رحلة خيالية.

المتعة التي يشعر بها الرسام تتخطى لحظة الرسم إلى اللحظة التي يشترك فيها مع المشاهد في هذيان تأملي يظلله الجمال بجناحيه. سيكون التيه حينها مريحا لا لشيء إلا لأن العالم صار أجمل.

9