علي رضا سعيد يضفي على مدينة تونس العتيقة بهاء الراهن

يتخذ فضاء المدينة العتيقة بتونس، ثيمة أساسية في المعرض الشخصي للفنان العراقي المقيم في تونس علي رضا سعيد، والمزمع افتتاحه قريبا في قاعة “المعارض” بمقر المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم “الألكسو” بتونس.
الجمعة 2016/10/07
تواشج الذاكرة والحاضر

ثمة ولع ذوقي وحسي ثري في لوحات الفنان العراقي علي رضا سعيد (مقيم في تونس)، قائم على استدعاء المكان -المدينة العتيقة بتونس- بوصفه مشهدا يوميا زاخرا بتنوعات صورية، متمثلا حضوره كأثر تعبيري، ودلالة على فضاء تصويري يقيم علاقة ما بين قيم الضوء والظل، في صورة انتقالات راسخة وحيوية من السكون إلى الحركة، لحشود أشخاص تتماهى مع الموجودات، ورمزية مفردات تتخذ صفة أشكال لعمارة فريدة وخاصة، لتغدو تجربة فنية تبتكر خبرتها من النظر إلى مأثرة مدينة غمرها التاريخ ببداهة الوجود.

لا أثر لحس “استشراقي” يتطفل على لحظة التعبير تلك، بذريعة توثيق أثر حاشد بالغرابة في لوحات الفنان سعيد، كما الأمر في الرؤية الفنية الغربية السائدة بنمطيتها لصورة المدينة العربية، لا تفاصيل تشابه المرئي المهمل، وتشغل السطح التصويري عن ولعه بتشييد واقع مجبول بالحنين، وكأن الفنان يضاهيه بعالم تم فقدانه، ولم يعد بالإمكان العودة للوجود فيه ثانية.

يستحضر سعيد في لوحاته هذه، عالما أليفا، عاطفيا، متاحا، يتشكل عبر دفق من مقامات لونية تتماهى بحساسيتها لتوصيف فعل حياتي في فضاءات المدينة العتيقة بتونس، حيث يتواشج الزمن والمكان، الذاكرة والحاضر، الوجود وماضيه، عبر تداعيات مرئية تكشف عن صلة عتيدة للإنسان في علاقته بالمحيط.

مشهد يحتفي بأسانيد فنية وتعبيرية ذات منحى تجريبي، تحيل انشغالاتها إلى التفكير بصورة المدينة بوصفها معطى جماليا وحسيا، ينطوي على استعارات وتكوينات تصويرية وبصرية حافلة بالتنوع.

رؤية أطلّ عليها الفنان في اللحظة التي قدم فيها إليها، عبر أزقة وأسواق مدينته السابقة بغداد، ذلك المكان المحلي الذي يعيد تشخيص حضوره على نحو آخر مماثل، لم تتباين صورة المدينتين كثيرا، هما رديفتان لبعضهما، متآزرتان في جعل مشهديتهما صورة خيال باذخ لا يكتفي إلاّ بعبق حضوره، هكذا تستدعي خبرة الوصف في لوحاته خبرة قريبة لحياة ووجود متشابهة، حيث يؤثر الفنان في تجربته على تأكيد مهمة الرسم بقوة، بجعل دربته بها أداء يضاهي غاية تعبيرية.

في أعمال الفنان العراقي تغيب تلك التفاصيل الحاشدة التي تدل على الواقعي، كي يحضر بدلها ولع بما هو جمالي وتجريبي عنها

في لوحاته، التي حملت أسماء أماكن بعينها في المدينة العتيقة، ثمة اهتمام شديد الصرامة تحكم سطحه التصويري، حشود لأشكال تتراص وتتداخل مع بعضها، وهي تمضي موزعة بتوازن، متمثلة وكأنها تنويعات مرئية لأفق قريب، فيما تبدو أشكال البيوت والشواهد المعمارية، فضاء هندسيا يحتوي بتناظره وسطوحه المنتظمة حيوية الأشكال وتنوع ثرائها اللوني.

عبر هذه العلاقة الشكلية القائمة على ثنائية لا تخلو من التضاد، متمثلة مفردات شكلية مفعمة بحركيتها التي تضمها سكونية شواخص معمارية، وسطح تصويري تتقاسمه قيم ضوء ساطع فيما تتوزع بينه مساحات ظلية معتمة، وتفاصيل مفردات شكلية شديدة الليونة تحدها مساحات بحافات مستقيمة وحادة، يشيّد الفنان سعيد عالما تصويريا ينطوي على لحظة تعالق بين رؤية مفعمة بفضول المشاهدة وزمن يتوسم حضوره في اللوحة، عبر ما يوحي به من أثر وجداني.

لا تتمثل المدينة العتيقة في تجربة الفنان، مشهدا يستدعي تمثيله بمهارات الرسم، بل فضاء مشغول بزخمه العاطفي، لذا ينحا رضا، في صياغته التشكيلية إلى تجاوز ما يضاهي حسا توثيقيا للمكان، إلى توصيف انشغال تعبيري عنه، ذلك ما تتبينه معالجته اللونية الثرية بصبغات حارة وصريحة توزع شخوصه ومساحات أخرى في لوحاته، بإيقاعية لافتة، مثل مشتقات اللون الأحمر البنفسجي الأصفر، حتى تبدو كأنها مفردات مجردة أوجدت نفسها من طبيعة اللون وإشراقاته.

تغيب في أعماله، تلك التفاصيل الحاشدة التي تدل على الواقعي، كي يحضر بدلها ولع بما هو جمالي وتجريبي عنها، ثمة صياغة مفردات تصويرية قائمة على فعل تحويري، يختزل الهيئات، وسطوح الشواخص المعمارية، مكتفيا بما يدل عليها، بذلك يبدو مشهده التصويري تنويعا لونيا حافلا بمساحات توحي لفرط إيقاعيتها البصرية بما يماثل مفردات زخرفية مجردة، والتي تظهر حينا كأشكال لأشخاص متراصين، وحينا آخر كسطوح مفعمة بمحسنات زخرفية، ما يعزز هذا الانشغال تلك الخطوط الطافية التي تتوزع بحرية على شكل دوائر ومثلثات، في لوحاته.

معالجة تشكيلية دالة تفترض مقاربة متخيلة بين الكائن والمكان، عبر تمثل صورة المدينة التي تظهر الآخرين وكأنهم وجودها الجمالي والتعبيري، المدينة العتيقة التي ظهرت في لوحات علي رضا سعيد لم تكن أثرا، بل كانت حاضرا مترعا بالبهاء.

17