علي زيدان سياسي ليبرالي في مرمى نيران الإخوان

الجمعة 2013/09/13
زيدان في مواجهة سلاح الإخوان الموجه إليه

برغم أن الاتهامات الإخوانية بدأت تحاصره وتضيق عليه الخناق، إلا أن رئيس الوزراء الليبي علي زيدان مازال مؤمنا بأن ليبيا قادرة على الخروج من أزمتها وتحقيق مطالب ثورة 17 فبراير.

وذلك حسب الرجل لن يتحقق إلا بتغليب المصلحة الوطنية على المصلحة الحزبية والحسابات السياسية الضيقة. فمع صعوبة الأوضاع الأمنية ممثلة في الانفلات الأمني وانتشار السلاح وتعدد الكتائب المسلحة التي تعمل تحت أجندات مختلفة، تزايدت المسألة السياسية تأزما مع عدم إيجاد أرضية ملائمة للوفاق الوطني.

وإذا أضفنا إلى كل ذلك التركة الثقيلة التي خلفها نظام معمر القذافي، فإن مهمة زيدان لن تكون سهلة في الوصول إلى لم شمل الليبيين وسيجد نفسه أمام صعوبات جمة زادها الخلاف السياسي مع حزب العدالة والبناء ذي التوجه الإخواني تعقيدا.

كل ذلك يجعل ليبيا تمر الآن بأزمة سياسية لايمكن لأي أحد أن يقدر نتائجها وانعكاساتها على الواقع الليبي، وفي ظل هذا الوضع المتوتر فإن على رئيس الوزراء أن يحاول تقريب وجهات النظر بين الفرقاء السياسيين والعبور بالوطن إلى بر الأمان برغم الدعوة الإخوانية لإفشال حكومته والتأكيد على أن زيدان ليس رجل المرحلة.

وبسبب هذه المعركة التي يخوضها علي زيدان مع جماعة الإخوان في ليبيا عدنا هنا للتعرف على أكثر تفاصيل عن شخصية الرجل والتحديات التي تواجه حكومته وهل يقدر على تجاوز الإرباك الإخواني لأدائها.

صوت الرصاص من الأسلحة المنفلة عن سلطة الدولة، وتعقيدات أمنية لم يسهل حلحلتها وفك طلاسمها بعد، كلها أشياء تؤثث المشهد الليبي الحالي، في ظل هذه الأجواء المشحونة صعد اسم علي زيدان على السطح السياسي ليكون رئيسا جديدا للوزراء.

شخصية غامضة نسبيا عند قطاع واسع من الليبيين، لكنه أصبح الآن في قلب الأحداث فانزاحت بعض الغشاوات عنه لكن ذلك لم يمنعنا من التوغل أكثر في تفاصيل بدايته السياسية. فمن هو علي زيدان؟

ولد زيدان عام 1950 في مدينة ودان بالجفرة وسط ليبيا لعائلة تمتهن التجارة، واحترف العمل الدبلوماسي بعد دراسته العلوم السياسية والعلاقات الدولية، حصل زيدان على درجة ماجستير في العلاقات الدولية من جامعة جواهر لال نهرو الهندية.

وفي سنة 1980 قرر بعد أن أمضى سنتين في السفارة الليبية بالهند، الانضمام مبكرا إلى المعارضة، الليبية، فأعلن مع المقريف انشقاقهما عن نظام العقيد وانضمامهما إلى المعارضة التي كانت تظللها "جبهة الإنقاذ الوطني الليبية" أبرز تجمع للمعارضين الليبيين في المنفى.

وخلال سنوات المنفى أقام في ألمانيا قبل أن يغادر صفوف جبهة الإنقاذ لتكريس نفسه للدفاع عن قضايا حقوق الإنسان في ليبيا وذلك انطلاقا من جنيف حيث كان ناطقا رسميا باسم "الرابطة الليبية لحقوق الإنسان".

وعند اندلاع الثورة في ليبيا مطلع 2011 لعب زيدان دورا كبيرا، إلى جانب الليبرالي محمود جبريل، في الحصول على اعتراف العواصم الغربية، وفي مقدمها باريس، بالمجلس الوطني الانتقالي، الذي شكله الثوار يومها كذراع سياسية لهم، ممثلا شرعيا للشعب الليبي. السياسي الليبي تولّى منصب رئيس الوزراء ليبيا في أكتوبر 2012، وهو ناشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان وعضو مؤسس للرابطة الليبية لحقوق الإنسان.

انضمّ إلى جبهة الإنقاذ الليبية، والتي كانت حركة معارضة في الخارج، ثم تركها بعد ذلك، ليكرس نفسه، بعد ذلك، للرابطة الليبية لحقوق الإنسان التي تأسست في جنيف كعضو بها بين عامي (1989-2012). والتي استطاع من خلالها الارتباط بعلاقات مع عدد من المناضلين الأوروبيين في مجال حقوق الإنسان.

أسس حزب الوطن للتنمية والرفاه الذي ينادي بدولة ديمقراطية ليبية موحدة بنظام لا مركزي. لكنه ترشح كمستقل. حيث شارك في انتخابات المؤتمر الوطني العام، ومثل الجفرة . وفي أول انتخابات حرة تشهدها ليبيا في تاريخها وجرت يوم 7 يوليو 2012 انتخب زيدان عضوا في المؤتمر الوطني العام.

وزيدان الذي يعتبر نفسه مستقلا ولكنه محسوب على ائتلاف القوى الوطنية (ليبراليين) بزعامة جبريل، تخلى عن مقعده بالمؤتمر العام لكي يترشح لمنصب رئيس الوزراء حيث حصل على 93 صوتا من 179 صوتا مستفيدا من دعم التحالف الليبرالي بالمجلس. بينما حصل منافسه محمد الحراري وزير الحكم المحلي الحالي المدعوم من الإسلاميين، على 85 صوتا.

زيارته إلى مصر

حاول علي زيدان طمأنة الجميع من خلال جل تصريحاته معتبرا أن زيارته إلى مصر جاءت في سياق العلاقات الودية التي تجمع البلدين ولا تحمل أي خلفيات سياسية أو دلالات عن تنسيق أمني أو طلب للمساعدة المصرية لمواجهة التحديات التي تواجهها ليبيا.

فالعلاقات الليبية والمصرية ممتدة وقوية وليبيا لها مصالح في مصر كما لمصر مصالح في ليبية، وزيدان يدرك ذلك جيدا فعدد كبير من العمال والأسر الليبية موجود ويعيش في مصر كذلك الآلاف من الطلبة يزاولون دراستهم في الكليات المصرية وغيرها من المصالح المشتركة التي تربط البلدين إضافة إلى عدد آخر من الخدمات.

وهناك طلبات مصرية في ظل الانفلات الأمني من أن تجتهد السلطات الليبية في عدم ترك قطع السلاح تدخل مصر تهريبا، وذلك ما عبر عنه حازم الببلاوي، رئيس مجلس الوزراء المصري داعيا طرابلس لزيادة بذل الجهود في مجال ضبط الحدود مع مصر، من أجل وقف عمليات تهريب السلاح. كما طلب الببلاوي توفير الحماية الأمنية للمقار الدبلوماسية المصرية في ليبيا، حتى لا يتكرر حادث التفجير الذي وقع أمام مبنى القنصلية المصرية في بنغازي.

وأكد الببلاوي على دعم حكومته للشعب الليبي في المرحلة المهمة التي يمر بها، ومساندة ليبيا لكل الجهود التي تهدف إلى تحقيق التنمية التي تحتاج إليها البلاد في هذه المرحلة. هذه العلاقة الليبية المصرية القائمة على الاحترام والتعاون المتبادل لم تقنع الإخوان الذي شككوا في غاية الزيارة خاصة عندما التقى زيدان الفريق السيسي.

فقد انتقد حزب العدالة والبناء الزيارة، وقال في بيان رسمي ، إنه يعي أن زيارة زيدان إلى مصر تأتي في إطار مناورة سياسية لخلط الأوراق وشغل الرأي العام عن القضايا الداخلية، مشيرا إلى أن الحزب لن يلتفت لذلك، ويقدر جيدا أهم استحقاقات المرحلة.

وبذاك الموقف الغريب من الإخوان وجد زيدان نفسه محاصرا بجملة من الاتهامات التي جاءت بعد الزيارة لمصر وما نتج عنها من تأويلات. لكنه لم يقف مكتوف الأيدي وحاول الدفاع عن تمشيه السياسي منطلقا من قناعته الخاصة بأن مصر دولة مؤثرة على الواقع الليبي نظرا للترابط الجغرافي والتاريخي. فلا يمكن لمصر أن تعرف الهدوء إذا كانت ليبيا تعيش توترا ، كما أن ليبيا لن تستقر أوضاعها في حال استمرت الفوضى في مصر.

واعتبارا لهذه المسلمات التي استوعبها زيدان كانت الزيارة إلى مصر في سياقها التعاوني التشاوري لا أكثر بحكم أن البلدين يمران بأوضاع متوترة بعد "ربيع الثورات العربية" وما انتجه من تداعيات اجتماعية واقتصادية وسياسية. ورغم الحجج الكثيرة والمقنعة إلا أن الإخوان لم يلتمسوا أي عذر لزيدان واصفين أداءه السياسي بالفشل وأن عليه المغادرة.

الاستهداف الإخواني

مـــن أقوالـــه
* هناك خوف من داخل المؤتمر من ان تستفرد فئة حزبية بأشياء كثيرة وتفرضها على الجميع.

* عدد من أعضاء المؤتمر منشغلين بغياب النزاهة التي قد تحدث في صياغة الدستور وان تتكفل جهة سياسية معينة بذلك.

* أنا رجل مستقل ترشحت تحت رغبة من المستقلين.

* البعض قال إني مرشح جبريل ولن نصوت له لذاك الاعتبار.

* لدينا وضعية عامة من واقع التأزم ونحن نريد أن نرتفع بذلك الواقع.

شهدنا حربا إعلامية وكلامية وإشاعات من أجل إرهاب المترشحين والتأثير عليهم.

* دعوت حزب العدالة والبناء وجماعة الإخوان المسلمين بكل الوسائل لكي تكون علاقتي بهم سوية علما أنه تربطني بكثير من أعضائها حوارات متبادلـــة.

* هناك من قال حتى من أعضاء المؤتمر إذا أتى محمود جبريل ورشح لرئاسة الحكومة فستنفجر البلاد.

* عندما استلمت الحكومة كان مرسي رئيسا لجمهورية مصر وهشام قنديل رئيسا لوزير مصر فلم أتردد في بناء علاقات وطيدة معهم والتقيت هشام قنديل رئيس الوزراء السابق خمس مرات كما التقيت بالرئيس مرسي ثلاث مرات.

* المشاكل التي تواجهها ليبيا ليست بسبب إهمال رئيس الوزراء أو تقصيره أو تقصير الحكومة ولكن السبب أن الوضع صعب ويحتاج إلى الصبر وأن وجودي في هذا الموقع لأنني قررت أن أكون فيه من أجل ليبيا بالصبر والتحمل وسعة الصدر.

* لا أحد يستطيع أن يزايد بأن رئيس الحكومة ضعيف وأداء الحكومة ضعيف، وإذا كان أداء الحكومة ضعيف فلدى الإخوان خمس وزارات وهي وزارات مهمة والوزراء موجودون ولهم مطلق الحرية ومطلق الصلاحية، وإذا قمت بتعطيل أي وزير فليعلن ذلك.

سعى علي زيدان إلى إقناع الإخوان برؤيته للأوضاع وطرق علاجها لكنه لم يجد التجاوب المرجو. كما أنه أعلن في وقت سابق إطلاق مبادرة للحوار الوطني تشمل قضايا عدة، أبرزها المصالحة الوطنية ونزع السلاح.

وقال زيدان ساعتها إن مجلس الوزراء قرر تشكيل هيئة إعداد لتنظيم هذا الحوار الوطني ليتناول الموضوعات الرئيسية كافة للشأن الوطني الراهن سياسيا واقتصاديا واجتماعيا.

وإن الحكومة ستتولى تهيئة الأسباب الإدارية واللوجستية لإنجاح هذا الحوار دون أن تكون طرفا فيه، ودون أن تضع له برنامجا أو أفكارا، وأن جموع الشعب الليبي الراغبين في الحوار فعليا والمشاركة فيه هم الذين سينسجون خيوط هذا الحوار ومكوناته حتى نستطيع جميعا بناء الدولة وتحقيق المصالحة الوطنية بين أبناء الشعب الليبي.

تلك المبادرة التي جاءت على خلفية تصاعد التوتر في غرب البلاد و شرقها، لم تجد الآذان الصاغية وبقيت مجرد اقتراحات. وحاول الإخوان التقليل من أهميتها وصعدوا من انتقاداتهم لزيدان وحكومته.

وصرحت جمـاعة الإخوان المسلمـين فــي ليبيا أن رئيس الحكومة علي زيدان ليس رجل المرحلة، وزعمت أن هناك إجماعا وطنيا على ضرورة استقالته والبحث عن بديل لخلافته.

وأكد المراقب العام للإخوان بشير الكبتي أن مطالبتهم بإقالة حكومة زيدان جاءت منذ فترة طويلة لعدة أسباب أهمها الفشل في إدارة ومعالجة الملف الأمني، مشددا على أنه لا يوجد أي رابط بين تصاعد تلك المطالب وزيارة زيدان الأخيرة إلى القاهرة ولقاءاته مع الإدارة المصرية الجديدة.

كل هذه الاتهامات لتشويه صورة علي زيدان أبانت عن أهداف يسعى الإخوان الى بلوغها وتحقيقها. فبعد حملة التشكيك في قدرة زيدان على الخروج بليبيا إلى بر الأمان انتقلوا إلى عملية التصريح الواضح مطالبين بالإطاحة بالرجل، وسط فتوى من الصادق الغرياني مفتي البلاد يدعو مواطنيه إلى المسارعة بحمل السلاح لحماية ثورة 17 فبراير، بعد فترة من الاضطرابات الأمنية وشل القطاع النفطي وتراجع واردات الدولة مع تصعيد في عمليات الاغتيال الانتقائية للعناصر الأمنية والعسكرية والتضييق المستمر على المؤتمر الوطني المنتخب.

لكن زيدان دافع عن نفسه موجها سهام نقده إلى الجماعة التي منذ البداية لم تكن راغبة في تواجده في المشهد السياسي أصلا.ويضيف أنه حاول أن يضغط على وزير النفط وهو من حزب العدالة والبناء ووصلنا لاتفاق على تزويد مصر بالنفط ووضعنا لهم تسهيلات في الأمر للدفع والضمانات التي تقدم ولم يسأل العدالة والبناء لأنها كانت حكومة مصر سواء من الإخوان المسلمين أو غيرها.

وقامت ليبيا بفتح المجال معهم لتسيير العمالة وتسهيل دخولها، وجاء وزير القوى العاملة وكان من الحزب الحاكم ويسرت له الأمور هنا وفتحت له أبواب وأعطيت لهم الأولوية في المساهمة في المشروعات.

وكان يحكم في مصر الحزب النظير للعدالة والبناء ولكن زيدان يؤكد أنه قام بالواجب انطلاقا من المصلحة الليبية، وسيكون وطني شاء من شاء وأبى من أبى و"لن أكون إلا حريصا على المصلحة الليبية" كما قال زيدان.

ويرى زيدان أنه لما ترأس الحكومة الليبية عمل على مصلحة ليبيا وهو لن يرهن ليبيا بمصلحة عاطفية أو مسألة مزاجية أو انتماء.

ويعلل زيدان زيارته لمصر لأن مصلحة ليبيا تقتضي أن يزور مصر والواجب كذلك وقضية من يحكم مصر شأن مصري بحت.

ويذهب زيدان إلى أن جماعة الإخوان المسلمين كانوا منذ البداية ضده وكانوا أكثر الأشخاص محاربة له، وهذا ليس سرا وعندما تقدم لمنصب رئاسة الوزراء استماتوا في سبيل ألا يصل لهذا الموقع، وعندما استلم الحكومة سعيا للوحدة الوطنية دعاهم للمشاركة في الحكومة وشاركوا على مضض، وخيرهم بين الوزارات فكان لديهم وزارات النفط والاقتصاد والشباب والإسكان والكهرباء ونائب لرئيس الوزراء من أجل أن تكون هناك لحمة وطنية وأن يكون هناك وفاق وطني.

مواقف علي زيدان من الاستهداف الإخواني بدت مقنعة وهو الآن يخوض معركة ضد توجههم نحو إسقاط حكومته بكل الوسائل، فهل يقدر على تجاوز مخططاتهم وإقناع الليبيين بضرورة الوفاق الوطني من أجل ليبيا.

12