علي سالم البيض ورقة إيرانية لإفشال الحوار الوطني في اليمن

السبت 2013/08/31
البيض.. ورقة إيران الانفصالية

من جديد يطفو على سطح المشهد السياسي اليمني الرئيس الجنوبي السابق علي سالم البيض بتصريحاته المثيرة، والتي أثارت الكثير من الجدل ووصفها البعض بأنها دعوة صريحة لتمزيق اليمن وضرب وحدته وقطع الطريق أمام إمكانية نجاح مؤتمر الحوار الوطني الذي يشارك فيه العديد من فرقاء السياسة. البيض ظهر بخطاب أكثر حدة وبمطالب واضحة وعلا صوته صادحا بالدعوة إلى الانفصال أو ما يسمى عند الانفصاليين الجنوبيين في الحراك بـ»استعادة دولة الجنوب»، التي كانت قد اندمجت في الجمهورية اليمنية ولم تنجح في حربها صيف 1994 في الحصول على الاستقلال وفك الارتباط مع الشمال.

من خلال الأزمة اليمنية إبان الثورة وإرادة التغيير، بدا المشهد اليمني على مشارف الهاوية والسقوط في الفوضى نتيجة تشبث علي عبدالله صالح بالسلطة من جهة ومطالب الجماهير التي اكتسحت الشوارع برحيله من جهة ثانية.

ولولا المبادرة الخليجية التي باركتها الولايات المتحدة الأميركية لدخل اليمن في نفق مظلم مجهول النهاية، مبادرة كانت منقذة لليمن وتمكنت بما طرحته من حلول من إخراج البلد من أزمة سياسية خانقة وأعادت كثيرا من التفاؤل للشعب اليمني بمستقبل أفضل تتحقق فيه بعض من مطالبه.

في هذه الأجواء العاصفة التي تمر بها اليمن لم يكن البيض كعادته يثير الرأي العام بمواقفه ولم يسمع له موقف واضح وصريح لما يجري في اليمن، لكن بعد أن نجحت البلاد في عبور أزمتها بفضل مجهودات الوطنيين الصادقين وبفضل المساعدة التي لقيها من دول مجلس التعاون الخليجي ولما كانت بصدد الانتهاء من مؤتمر الحوار الوطني والخروج بنتائج ترضي الجميع برز علي سالم البيض في المشهد من جديد ليعلن رفضه للحوار والاعتذار الذي تقدمت به الحكومة اليمنية الجديدة للجنوبيين ويؤكد إصراره على الانفصال وفك الارتباط، وهذا ما يطرح لدى المتتبعين الكثير من الاسئلة حول طبيعة الرجل وشخصيته المثيرة للجدل ومن يقف وراءه بالدعم والمساندة.

الدعم الإيراني

برغم تأكيدات وزير الخارجية اليمني أبوبكر القربي أن اليمن تحاول جادة بناء علاقات جيدة مع إيران وأنها تسعى دائما لحل كل الخلافات البينية آخرها بذل صنعاء قصارى جهدها للإفراج عن الدبلوماسي الإيراني المختطف لدى تنظيم «القاعدة» منذ يوليو الماضي، وصرح أثناء لقائه في صنعاء وفدا من الخارجية الإيرانية برئاسة رئيس دائرة شؤون الإيرانيين في الخارج سيد كاظم سجادي أن الجهات المعنية في اليمن تبذل قصارى جهدها لإطلاق سراح الدبلوماسي، وشدد القربي على حرص الجمهورية اليمنية على علاقاتها بالجمهورية الإسلامية الإيرانية والدفع بها إلى الأمام، إلا أن إيران مازالت لم تبد حسن نيتها في بناء علاقات مبنية على الاحترام والندية وتقوم من حين الى آخر بمحاولات عدة لضرب استقرار اليمن ووحدته. سواء من خلال دعمها للحوثيين أو من خلال الدعم الذي تقدمه لعلي سالم البيض في هوسه الانفصالي والذي وجدت فيه من النرجسية والطموح ما يجعله ورقتها السياسية لضرب الحوار الوطني ووحدة اليمن.

وبالإضافة إلى تمكن الحكومة اليمنية من كشف خلايا تجسسية إيرانية زرعت في اليمن والدور الذي تلعبه هناك وتمكن الأجهزة الأمنية من ضبط 6 شبكات تجسس، تعمل لمصلحة إيران وتدعم إعلاميين وسياسيين معارضين لإجهاض العملية السياسية المستندة إلى المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية، فقد اتهم سفير الولايات المتحدة الأميركية بصنعاء جيرالد فايرستاين الرئيس الجنوبي السابق علي سالم البيض بتلقي دعم من طهران، بهدف تحقيق مشروعه لفك ارتباط الجنوب عن الشمال بعد 23 عاما على توحيد شطري اليمن في 22 مايو 1990.

وقال السفير الأميركي «علي سالم البيض يسكن في بيروت ويتلقى دعما ماليا من إيران.. ليس لدينا شك في تقديم البيض هذا الدعم للحراك الانفصالي وسيكون مسؤولا عن ذلك». وأضاف»نحن قلقون من الدور الإيراني في اليمن، وهناك براهين على دعم إيران لبعض العناصر المتطرفة في الحراك الجنوبي بهدف إفشال المبادرة الخليجية».

وكان سفير الولايات المتحدة بصنعاء قد كشف أواخر العام الماضي عن اتساع ما وصفه بـ»نشاطات إيران العدائية في اليمن»، لتصل إلى درجة دعم طهران لبعض أنشطة القاعدة، بحسب قوله.

مناصب تقلدها البيض
*الزعيم اليمني الجنوبي المولود عام 1939 في قرية معبر مديرية «الريدة، وقصيعر» بمحافظة حضرموت تقلد عدة مناصب:

* تولى منصب وزير الدفاع في أول حكومة دولة الاستقلال باليمن الجنوبي آنذاك حتى العام 1966. تقلد أكثر من منصب حكومي في مرحلة ما بعد حركة 22 يونيو 1969 إثر الإطاحة بقحطان الشعبي.

* ظل البيض عضوا للمكتب السياسي للجبهة القومية في المؤتمر الخامس والسادس والمؤتمر التوحيدي الأول للحزب الاشتراكي اليمني.

* جرد من مناصبه الحزبية والحكومية في عهد عبد الفتاح إسماعيل في 1979-1980 لخرقه للوائح الحزبية وقانون الأحوال الشخصية بسبب اقترانه بزوجة ثانية مخالفا قانون الأسرة الذي لا يجيز الزواج بثانية دون وجود عذر مقنع.

* عاد إلى واجهة الحياة السياسية في حكومة علي ناصر محمد وتولى وزارة الحكم المحلي.

* أسهم بفعالية في صراعات الأجنحة والمحاور داخل الحزب الاشتراكي الحاكم حينذاك في اليمن الجنوبية.

في أحداث 13 يناير/ كانون الثاني 1986 كان من الشخصيات التي أيدت مجموعة عبد الفتاح إسماعيل وعلي عنتر، ونجا من الاغتيال صبيحة 13 يناير/ كانون الثاني.

* تولى منصب الأمين العام للحزب الاشتراكي اليمني عقب تلك الأحداث الدموية.

وكان القيادي بالحراك الجنوبي ورئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر الوطني لأبناء الجنوب، محمد علي أحمد، أشار في وقت سابق إلى أن أغلب قيادات الحراك ذهبوا إلى إيران لاستجدائها من أجل تقديم الدعم، مشيراً إلى أن إيران تريد تحويل الجنوب إلى ميدان صراع طائفي.

هذه التصريحات تؤكد جلها أن البيض في علاقة وطيدة بالأجندة الإيرانية في اليمن وأنه عمل على تحقيقها بكل السبل ومواقفه الأخيرة تدخل في هذا السياق.

طموحات ذاتية وإصرار على الانفصال

بدت مواقف علي سالم البيض في هذه اللحظة التاريخية التي تمر بها اليمن خارجة عن الوفاق الوطني الذي تسعى القوى السياسية إلى تحقيقه وهذه المواقف في جوهرها ضرب للحوار وللوحدة.

ويذهب العديد من المراقبين إلى القول إن مواقف البيض في هذه اللحظة التي تنشد فيها اليمن الخروج من أزمتها لا يمكن أن تصنف في باب الوطنية والبحث عن مصلحة اليمن بل هي رغبات ذاتية تحركها طموحات انفصالية تبحث عن الزعامة والبروز مشدودة الى أجندة إيرانية لم تعد خافية على أحد.

فقد اعتبر البيض في بعض مواقفه الأخيرة أن الانفصال مطلب لا تنازل عنه وأنه لاوجود لأي توجه للشعب الجنوبي نحو الكفاح المسلح في مقاومة من يصفه بالمحتل اليمني. وقال إن الشعب الجنوبي ومكونات الحراك تصر على انتهاج الطريق السلمي باعتباره الخيار الأسلم بحسب التغييرات الجارية بالمنطقة، غير أنه لم يستبعد تغير الموقف في ظل عمليات القتل للآلاف من أبناء الجنوب السلميين. وحسب رأيه فإن هناك خيارات أخرى مطروحة على الشعب الجنوبي الذي قال إنه هو من يقرر خياراته في طريق تحرير أرضه وبلاده، مؤكدا اختلاف الظروف اليوم بالجنوب، عن فترة الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني للجنوب في ستينيات القرن المنصرم.

وأكد البيض أن مسلحين تابعين لحزب الإصلاح وضباطا بالجيش والأمن اليمنيين والدولة اليمنية استخدموا السلاح لقتل الشعب الجنوبي وليس العكس، بدليل ماجرى في يوم الكرامة الجنوبي. ويرى البيض أن وضع الجنوب يختلف عن الواقع بصعدة حيث قال إن أبناء صعدة هم من يقررون مصير منطقتهم ولكن الجنوبيين يحترمون ماجاء في بيان سابق للحوثيين عن احترامهم لحق الجنوبيين في تقرير مصيرهم.

وقال البيض:»إن الجنوبيين ملتزمون بالنهج السلمي في ثورتهم التحررية، وأنهم لن ينجروا للعنف رغم الجرائم الوحشية التي ترتكبها الآلة العسكرية في مدن الجنوب ومناطقه، لكنه عاد وأشار أنه يتمنى ألا يضطر أبناء الجنوب لحمل السلاح للدفاع عن أنفسهم ومواجهة بطش الاحتلال اليمني». ويؤكد البيض:»أن بوادر الانقلاب على الوحدة بدأت من خلال تنفيذ سلسلة من الاغتيالات التي طالت القيادات والكوادر الجنوبية».

وقال البيض في رده على مستقبل الجنوب في ظل انتشار تنظيم القاعدة بالجنوب :» نحن نمتلك القدرة على تطهير أرضنا من هذه التنظيمات التي تشكل مصدر تهديد للأمن في المنطقة». معبرا عن ثقته التامة في حصول أبناء الجنوب على حريتهم واستقلالهم واستعادة دولتهم المنهوبة. كما رفض الرئيس الجنوبي السابق الاعتذار المقدم من الحكومة اليمنية للجنوب عن حرب صيف 1994 وقال «نرفض هذا الاعتذار وهو نتيجة ما دار خلال الفترة الماضية في مؤتمر الحوار الذي هو بدوره نتاج مبادرة الخليج التي نرفض كل ماجاء فيها جملة وتفصيلا. وهو حوار يعني المتصارعين على كراسي الحكم في صنعاء فقط، ويراد له أن يصل إلى مرحلة معينة وسيناريو معين، وعلينا أولا أن نقر أن هناك صنعاء وعدن قبل الحديث عن حوار أو اعتذار».

وردا على السفيرالاميركي قال البيض «إن السفير الأميركي تحول إلى شيخ من شيوخ القبائل وليس سفيرا لبلد يراعي الجوانب الدبلوماسية. واتهامه مردود عليه ولا داعي للخوض أكثر من ذلك في أمره، لقد أصبح شيخا من شيوخ حزب الإصلاح وشعبنا يعرف من هو السفير الاميركي، وأن البلد أصبح تحت الوصايه الأميركية ويديره السفير الاميركي، وهو بمثابة مندوب سام جديد يقوم بتنفيذ الوصاية الدولية على صنعاء لكننا في الجنوب نرفض هذه الوصاية».

ويذهب البيض إلى أن الحراك لم يشارك في الحوار وهناك أفراد شاركوا في حوار صنعاء لايمثلون الحراك ويمثلون أنفسهم. وقال «إن من يمثل الحراك المكونات الحراكية الموجودة في الساحة الجنوبية والرافضة للمشاركة في الحوار والتي تعلم أن الحوار مجرد مسرحية هزلية ستنتهي قريبا».

ويضيف «نحن نطرح رأي شعبنا المطالب بالاستقلال ونقدر الاجتهادات حول القضية الجنوبية من قبل الأطراف الأخرى لكن نحن لا يمكننا إلا أن نعبر عن رأي شعبنا الذي يطالب باستقلال الجنوب».

بكل هذه المواقف والآراء الخاصة بالرئيس اليمني السابق تتضح للجميع معالم شخصية الرجل الذي يرفض أن يكون مساهما في الحفاظ على استقرار اليمن وأمنه، بل كان دائما باحثا عن الأضواء موترا للأجواء ضاربا بعرض الحائط كل مبادرات الوفاق الوطني، وهو ما يجعل اليمنيين الوطنيين يكتشفون شخصيته وحقيقة ما يحركها. فهل تلجم الأصوات الوطنية طموحات البيض الانفصالية؟

12