علي سالم صانع "مدرسة المشاغبين" الذي سافر إلى إسرائيل

الأحد 2014/11/30
سالم قاطع تذاكر باص أصبح عدوا للتطرف والكآبة

قد لا تصدق أن هذا المؤلف المسرحي الشهير، والأديب صاحب السخرية اللاذعة، الذي بدأ حياته كمحصل للأجرة في شركة النقل العام، هو الأكثر إثارة للجدل، لما تحمل حياته من مواقف وأفعال يراها الكثيرون متناقضات، فمؤلف مسرحية “أغنية على الممر”، التي روى فيها بطولات وحياة أبطال مصر من الجنود على الجبهة في الحرب ضد المحتل الإسرائيلي، والتي طاف بها محافظات مصر، لحشد الروح المعنوية لمواجهة الاحتلال عقب نكسة 1967، هو ذاته الذي استقل سيارته، قاطعا مئات الكيلومترات من القاهرة إلى سيناء ومنها إلى رفح الحدودية فتل أبيب.

وهو ما عرّضه لموجة انتقادات حادة، حين تم وصفه بـ”المطبّع الأول” في مصر، ليصدر قرار بشطبه من اتحاد الكتاب، ثم يقوم بعد ذلك بتأليف كتاب “رحلتي إلى إسرائيل” وعن ذلك قال لـ”العرب”: “ألّفت أغنية على الممر، وعرضتها على مسارح مصر وطفت بها المحافظات، قبل أن تصبح فيلما من أجل مصر، وعندما سافرت بسيارتي إلى إسرائيل متحدياً كل من خالفني، كان ذلك من أجل السلام”.

ظل مدافعاً عن قراره، قبل أن يحصل على حكم قضائي وبعده، بإلغاء القرار بشطبه من اتحاد الكتاب، وهو الحكم الذي اكتفى بالحصول عليه دون السعي لتنفيذه، إلا أنه ازداد شهرة، وضاعف من إنتاجه الأدبي والمسرحي، بل اقتحم ساحة كتاب الرأي في بعض الصحف المصرية والعربية، حتى أصبح من أبرز كتاب المقالات.

إنه علي سالم، الكاتب المسرحي، والأديب الساخر، الذي ربما لا تصدق أيضاً، أنه رجل عصامي، عمل في بداية حياته “كمسري” ومحصل أجرة في أتوبيسات نقل عام، بل وسائق لـ “طفطف”، وهو عربة صغيرة كانت تنتشر في الستينات بالإسكندرية، لذلك يوصف بأنه “رجل عصامي”، تمكن من صناعة نجاحه بجهده الشخصي وقهره لمعوقات الحياة.

"ولاد العفاريت الزرق" أول مسرحياته وكتب "أغنية على الممر" من أجل مصر، ثم سافر إلى إسرائيل بالسيارة من أجل السلام

علي سالم، ولد في أسرة فقيرة تضم عشرة أفراد، وكان أكبر الأبناء، لوالد كان يعمل شرطيا، لكنه مثقف ورسام موهوب، والأم سيدة مصرية بسيطة تفرغت لتربية أبنائها الثمانية. اضطر علي للعمل مبكرا وهو لا يزال طفلاً، ثم فاجأه القدر برحيل الأب، قبل أن يكمل عامه الحادي والعشرين، تاركاً له حملاً ثقيلاً، فكان الأب بالنسبة إلى إخوته، وأجبرته الأوضاع المالية الصعبة للأسرة على أن يتوقف لسنوات عن استكمال دراسته الجامعية.


أعماق المجتمع


الحياة الصعبة مكنته من الغوص في عمق المجتمع المصري، والاحتكاك بطبقاته، ليقدم خبراته فيما بعد، في صورة أعمال مسرحية وكتابات فكاهية رسمت البسمة على شفاه ملايين المصريين والعرب، فهو كاتب مسرحية “مدرسة المشاغبين” و”الرجل الذي ضحك على الملائكة” وغيرهما من الأعمال التي بلغت 40 مسرحية، و15 كتابا ورواية.

قال لـ”العرب”: “أفتخر بأنني self made man رجل عصامي، والدي الشرطي البسيط المثقف، وتعلمت الانضباط في العمل من سائق الأتوبيس وأنا أعمل “كمسري”، كانت في ذلك الوقت لديّ إرادة قوية وطموح كبير، وتعرفت على مثقفين مهمين للغاية بالأتوبيس منهم محمد الدالي وأذكر أن سائقي الأتوبيس في ذلك الوقت كانوا مثقفين ومنضبطين، وتجرى لهم اختبارات دقيقة لمنحهم رخصة القيادة، لأن السائق مسؤول عن حياة البشر وأرواحهم، لذلك كان من يحصل على هذه الرخصة يقيم احتفالا كبيرا في الحي الذي يقطن فيه”.

ولد علي سالم عام 1936 في حي شبرا البلد، في قليوب بمحافظة القليوبية بدلتا مصر، وكانت ضاحية من ضواحي القاهرة الكبرى، انتقل مع أسرته إلى محافظة دمياط وكان عمره 4 سنوات، فأصبح دمياطيا، وهي محافظة لها طبيعة خاصة، تغرس في النشء ثقافة العمل الدائم منذ الصغر، حيث يدرس الطلاب بالشتاء ويعملون في الحرف المختلفة بالصيف، فعمل منذ أن كان صبياً في عدة مهن.

انتقل علي سالم مع أسرته إلى محافظة بني سويف بصعيد مصر نهاية 1956، ثم التحق بالجيش لأداء الخدمة الإلزامية كجندي في سلاح الإشارة، إلا أن وفاة والده عام 1958 أعفته من استكمال مدة التجنيد، بعد أن أصبح المسؤول الأول عن أسرته، وهو في سن الـ22، خرج من الجيش ليواجه الظروف المادية الصعبة لأسرته، وقتها لم يكن قد أكمل تعليمه في كلية الحقوق التي التحق بها عام 1957 ليعمل بوزارة الصحة بقسم الحسابات العمومية بالقاهرة، وفي عام 1959 التحق بكلية الآداب قسم اللغة الإنكليزية جامعة القاهرة لكنه عاد وأجبر على التوقف عن الدراسة.

عن سبب توقفه للمرة الثانية عن استكمال الدراسة، قال علي سالم: “شقيقي عادل كان يدرس هندسة طيران، وكانت الأسرة في حاجة لمن يعمل فتوقفت عن الدراسة لسنوات، ثم عدت عندما تحسنت أوضاعي المالية نهاية 1962 ودرست الأدب الإنكليزي، وحصلت على دبلوم الترجمة فأنا عاشق للغة الإنكليزية، وأعتبر أن إنتاج الأرض مكتوب باللغة الإنكليزية، وفي هذا العام التحقت بمسرح القاهرة للعرائس، وقبلها كنت بدأت الكتابة للمسرح، بعد أن شاهدت عرضا مسرحيا جميلا كان عنوانه (الموت يأخذ إجازة) لألبرت كاستلو، وعند التحاقي بمسرح العرائس كتبت أول مسرحيتين في حياتي، وأعلن بالتلفزيون عن مسابقة لكتّاب المسرح الجدد في عام 1965 وبدأت رحلة المعاناة لحفر اسمي بين المشاهير”.

توفي والده فتحمل الصعاب وترك التعليم ثم درس الأدب الإنكليزي وتخرج في الجامعة الأميركية


نجم في السماء


“ولاد العفاريت الزرق”، أولى مسرحيات علي سالم، لكن “مدرسة المشاغبين”، هي المسرحية التي حظيت بنجاح منقطع النظير، لتجعل من علي سالم نجماً في سماء المسرح والمجتمع المصري آنذاك، ومع أنها تزال تثير ضحكات ملايين المصريين، إلا أنها أيضا المسرحية المتهمة بهدم منظومة الأخلاق في التعامل بين المعلم والتلميذ في مصر، وقد تعرض علي سالم لاتهامات مريرة، قالت إنه ساهم في هدم منظومة التعليم، لما تركته المسرحية من أثر سلبي في عقول التلاميذ دفعت كثيرين لمحاكاتها في فصول الدراسة، بالسخرية من المعلم وفقدانه للهيبة، لكن علي سالم مؤلف المسرحية رد على تلك الاتهامات بالقول: “هذه مبالغات، فلا يمكن لمسرحية أن تفسد شعبا أو أن تصلح شعبا”.

علي سالم يرى أن كتّاب الكوميديا، أكثر الكتّاب جدية، وعن ذلك قال: “لكي تتعرف على حجم الجد في مجتمع ما، شاهد أعماله الفكاهية، فكتّاب الكوميديا لا يرسمون الفكاهة لأنهم (مهذارين)، بل لأنهم ٍجادون لأبعد الحدود، فخفوت صوت الجد في مجتمع ما يترتب عليه انهيار الكتابة الفكاهية، فهي تتطلب كتابة وأداء جهد كبير، وعندما تعود الجدية ستعود الكوميديا، فالمسرح يبدأ العمل به وينتهي به، وأهميته تكمن في عبقرية التمثيل على خشبته، والنجاح ليس نابعا من الأفكار التي تطرح من فوق خشبته، بل بعبقرية النص الذي يتيح إبداعا تمثيليا ومساحة لعبقرية التمثيل”.

أنتج علي سالم، قرابة 15 كتابا و40 عملا مسرحيا، لم تخل من اعتراض ومنع الرقابة، وكان أول صدام عام 1966 ولم تكن حينها المشكلة سياسية، بل كانت رقابية فقط، فكانت ثاني عروضه المسرحية بعنوان “الرجل الذي ضحك على الملائكة” وبطلها رجل مزوّر فقد الوعي لبعض الوقت فخيل إليه أنه مات وجاءه ملاك الحسنات وملاك السيئات لحسابه، بحسب النص، فأوقعهم في إشكال إداري وطلب مراجعة حسناته، فهي مكتوبة في ورقة صغيرة، والسيئات في أوراق كثيرة، فقالوا له كيف تراجع وراء الملائكة قال لهم إبليس كان ملاكا وأخطأ وجل من لا يخطئ، وبدأ المراجعة ووجد أنه كان قد قال لشخص سلام عليكم فكتبت صدقة، فقال لهم كنت أعمل في وزارة الصحة وأنام خلال العمل من الساعة 9 وحتى الثانية ظهرا لماذا لم تكتب في الحسنات أليس نوم الظالم عبادة لماذا لم تكتبونها عبادة؟

وانتهز فرصة غيابهم وأخرج سكينا و”أستيكة” وبدأ يمسح ويزوّر في كشف الحسنات، فطلبت الرقابة تغيير بعض أجزاء النص، حتى لا ترسل النص للأزهر وحينها لن يكتب للمسرحية أن ترى النور، وطالبت الرقابة، تغيير الملائكة بأبالسة منتحلين صفة ملائكة، وتغير الاسم، إلا أن علي سالم نجح في التصدي للرقابة، فطلب منها التوقيع على طلب تحويل الملائكة في النص لأبالسة ينتحلون صفة ملائكة، خشية أن تظن الحكومة أنه يسقط عليها في النص ويصفها بالشياطين، فوافقت الرقابة على المسرحية مع تغيير الاسم فقط إلى “الرجل الذي ضحك على الأبالسة”، خشية تحمل المسؤولية.


صدام سياسي


صدام علي سالم السياسي بدأ عام 1968 في عمل “الرجل الذي قتل الوحش”، وهي تناقش العلاقة بين الشعب والحاكم وتدور أحداثها حول كرسيين كرسي الحاكم ووزيرة الحاشية وتم وقف العرض بعد أسبوعين.

ويرى علي سالم الذي يصفه القوميون العرب بـ”المطبّع الأول” مع إسرائيل، أن الرئيس محمد أنو السادات، رجل داهية، لأنه قام بمبادرة سلام عبقرية مع إسرائيل، ويصف مبارك بالرئيس الذي لم ينجز شيئا، مقارنة بالسادات لذلك ترك سيناء بلا تعمير، لتكون ساحة بديلة لمعارك يرى مبارك أنها قادمة لا محالة.

الطريف أن سالم يؤكد من حين إلى آخر، وفي ظل إرهاب الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين أن: “إسرائيل تؤمن بالسلام وقناعتها أنها لن تحارب إلا إذا فرضت عليها الحرب، وكانت هناك فرصة حقيقية للدخول في سلام حقيقي عقب اتفاقية أوسلو فلأول مرة نرى الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي يعترف كلاهما بالآخر، لكن السلام لم يستكمل “.

زاد الكاتب علي سالم، الذي لديه شقيق شهيد في حرب 1967، على ذلك بالقول: “إن الحكومات العربية ضد إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل خوفا من انتقال عدوى الديمقراطية إلى بلدانهم، فهم ضد التطبيع خوفا من أن يفقدون كراسي الحكم في انتخابات نزيهة”.

يقول علي سالم: "إن الحكومات العربية ضد إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل خوفا من انتقال عدوى الديمقراطية إلى بلدانهم، فهم ضد التطبيع خوفا من أن يفقدون كراسي الحكم في انتخابات نزيهة"

في نهاية عام 1993 وبعد إعلان اتفاقية أوسلو مباشرة بين الإسرائيليين والفلسطينيين أعلن أنه يفكر في زيارة إلى إسرائيل بسيارته لتأليف كتاب يجيب عن سؤالين: “من هم هؤلاء القوم؟ وماذا يفعلون؟” ونشر مقالاً في مجلة الشباب المصرية بعنوان “السلام الآن” قال فيه إن الاتفاق بين الفلسطينيين والإسرائيليين يشكل لحظة نادرة في التاريخ، إنها لحظة اعتراف الأنا بالآخر، أي أنا موجود وأنت أيضا موجود، الحياة من حقي ومن حقك الحياة.


بالسيارة إلى إسرائيل


في الحادية عشرة من صباح الخميس 7 أبريل 1994، بدأ رحلته مستقلا سيارته “النيفا” الخضراء، من العريش إلى رفح ومنها إلى إسرائيل، وقبلها بيوم جاء من القاهرة وقضى ليلة بفندق بالعريش، قبل أن يصل في اليوم الثاني إلى تل أبيب.

سالم، على عكس الجميع، لا يرى القمع والفقر سبباً مفجراً لثورات الربيع العربي، مؤكدا على أن “المواطن الفقير مشغول بقوت يومه ويخشى الدخول في مشكلات لا يحتملها، بينما من تتحسن حالته الاقتصادية يجد لديه اهتمامات جديدة لطلب التغيير والحرية في التعبير والسياسة، ويبدأ في امتلاك التكنولوجيا، فالتكنولوجيا والإنترنت التي توسع في إدخالها رئيس وزراء مبارك أحمد نظيف كانت من أهم أسباب الثورة وتواصل الشباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتنظيم أنفسهم لبقاء مبارك والمقربين له على كراسي الحكم لسنوات طويلة، فرفض التغير كان أمرا غريبا فهؤلاء البشر ضد حركة التاريخ”.

وصف علي سالم، الرئيس المعزول محمد مرسي بـ”عضو جماعة متطرفة، فشل في حكم مصر، فلم يحترم أصول الحكم ورفض منذ اللحظة الأولي أداء قسم تولي الرئاسة أمام المحكمة الدستورية، ثم سمح بمحاصرتها، فالإعلان الدستوري المحصن لقراراته ثم أهان في أحد خطاباته شخصاً لم يتعرض من قبل لإهانة هو الأستاذ مكرم محمد أحمد نقيب الصحفيين السابق، وكان خطابه كله جرائم سب وقذف وهذا لا يليق برئيس دولة، ومن ثم جاءت ثورة 30 يونيو مصححة للمسار.

قال سالم إن مصر ستنتصر على الإرهاب، خاصة وأن المصريين تغيروا بالتوقف عن الحديث، للانتقال إلى مرحلة الفعل، باستجابة سكان رفح الحدودية لقرار الإخلاء، وفي ذات الوقت تغير الأداء الحكومي، من مطالبة المواطن بالتضحية من أجل الوطن، لطرح تعويضات للمواطنين عن منازلهم التي أخلوها وأرضهم بما يحقق المصلحة العامة والعدالة في ذات الوقت.

8