علي سعيد: سيرنا الشخصية تصلح للمذكرات والرواية عالم متخيل

الصحافي والكاتب السعودي يؤكد أن روايته "كونيكا 19" كانت بمثابة مواساة لخيبات سابقة في حقول كالكتابة السينمائية.
الأربعاء 2019/07/31
الرواية الملحمية في القرن الـ19 أشبه بمسلسلات نتفلكس اليوم

يُعلي الكاتب السعودي علي سعيد من قيمة المتعة عبر العديد من الحكايات داخل الحكاية الأم، وكأنه في مسلسل مستمر من القصص المتتابعة، يعزز من خلاله من قيمة خيال المتلقي في صناعة الحكاية، والتفاعل معها، وانتظار ما ستؤول إليه نتائجها، فيُخرج بذلك قارئه من عوالم السرد الثقافي الممل إلى عوالم من المتعة المتواصلة، حيث يؤكد بأنه لا يستهدف قارئا نخبويا بقدر اهتمامه بالقارئ العام. تسلط “العرب” في هذا الحوار معه الضوء على روايته “كونيكا 19” وعلى مناخاتها وعوالمها.

صدرت مؤخرا عن دار أثر السعودية رواية “كونيكا 19” للصحافي والكاتب السعودي علي سعيد، وتأتي هذه الرواية بعد كتابه “الحقيبة الجلدية”، الصادر عن نفس الدار في 2016. ويعكف حاليا على بحث تاريخي حول مهنة غوص اللؤلؤ وحياة المجتمع البحري شرق الجزيرة العربية منذ مطلع القرن الماضي إلى ما بعد اكتشاف النفط نهاية الثلاثينات، حيث انهيار حياة المجتمع البحري القديم.

قميص الصحافة الضيق

يتمثّل علي سعيد شخصية الروائي وهو يبحث عن قصته الجديدة ليرويها، وكأنه يكرر مع ماركيز “عشت لأروي”. هكذا يتعامل مع أبطاله، حيث يضعهم على فضاء السرد، ويقدّم حكاياتهم بين البؤس والسعادة، ليحوّلهم من الهامش إلى المتن.

تمتلك رواية “كونيكا 19” سردا أدبيا مشوّقا، وسخرية لاذعة، في معمار روائي محكم، يصوّر مقطعا بانوراميا عريضا لتحوّلات جيل بأكمله من خلال عالم الشخصية البطلة والشخوص المحيطة به، كما يرينا أيضا جوانب من هيمنة قيم العصر المادية على الحياة في المجتمعات الدينية. وذلك من خلال بطلع “عبدالكريم” الذي يصفه أفراد عائلته بأنه إنساني “لا ديني”، وحينما يموت والده، يقع عليه وحده عبء تحقيق شرط وصية الأب الملزم لتوزيع التركة؛ قضاء صلوات تسع عشرة سنة في ذمة الأب الراحل. فيقوم عبدالكريم باستئجار مصلين يقومون بأداء المهمة، قبل أن يكتشف ما هو أبعد من ذلك.

"كونيكا 19" كتاب ممتع، يحرك جميع العواطف بما فيها عاطفة البهجة والفرح دون التخلي عن العمق

قبل أقل من عامين، توقف علي سعيد عن الكتابة الصحافية، وذلك بعد سنوات من الحضور الجاد، ويُوعز ذلك إلى أن “قميص الصحافة صار ضيقا”. فكان لا بد من العبور إلى فضاءات أوسع في تجربة الكتابة، وذلك من خلال الدخول في عالم السرد والرواية التي وجد فيها فضاء واسعا للعبور بأسئلته وعوالمه للقرّاء.

رواية “كونيكا 19” ولدت في سياق مركب بعض الشيء؛ فهي من ناحية جاءت بعد تفرغه لكتابة السيناريو، لكنها كانت في الأساس مشروع فيلم روائي طويل لم ير النور بسبب تعثّر في الحصول على تمويل، حيث لم تكن ساعتها قد فتحت صالات السينما في السعودية، الأمر الذي يجعل من التمويل أمرا صعبا، إن لم يكن مستحيلا في بعض الحالات.

وفي سؤال عن دوافعه لكتابة الرواية بعد مسيرته الصحافية، وبعد اشتغاله على كتابة السيناريو، يجيب سعيد “أظن أن المسألة تتعلق بتطور التجربة الكتابية، وأيضا تتعلق بمسألة التحقق من الموهبة والمعرفة التقنية قبل خوض مغامرة الكتابة في هذا النوع الفني أو ذاك. ‘كونيكا 19‘ جاءت بعد كتاب ‘الحقيبة الجلدية‘، وهو كتاب حوارات مع شخصيات فكرية وأدبية وفنية بطريقة السرد القصصي، وهذا الكتاب جاء بعد كتابة العديد من النصوص السينمائية”.

ويتابع “بعد كل هذا السياق والتراكم، ربما من الطبيعي أن تولد فكرة كتابة الرواية، خصوصا، إذا ما كانت بمثابة مواساة لخيبات سابقة في حقول كالكتابة السينمائية”.

كتابة المتعة

الكوميديا السوداء
الكوميديا السوداء

يتفق معظم قرّاء رواية “كونيكا 19” على أنها رواية ممتعة تتضمّن مشاهد من الكوميديا السوداء، الأمر الذي جعل بعض القراء يعتبر الرواية ذات مزاج أدبي ساخر خارج عن السائد في الرواية المحلية، وكأنها رواية كُتبت ‘للتسلية وللمتعة‘. وهذا حكم، من طبيعته، أن يبخس القيمة الثقافية والفكرية للرواية.

وعن هذا الشأن يقول سعيد “لعل أغلب الرسائل التي تلقيتها من القراء ‘المتحمسين‘ للرواية، كانت تتضمن تعليقات من نوع، رواية ممتعة، مشوقة، لقد ضحكت وأنا أقرأها.. إلخ. بالنسبة إلي هذا كان أحد أهداف كتابة هذه الرواية تحديدا، تقديم كتاب ممتع يحرك جميع العواطف بما فيها عاطفة البهجة والفرح، دون التخلي عن الدلالات العميقة والتي قد تظهر أيضا بصورة مرئية (مشهدية) أحيانا”.

ويضيف “أتفق معك بأن مزاج الكتابة الأدبية الغالب يميل نحو الجديّة التي قد تصل حد السوداوية. قد يحب البعض هذا النوع من الكتب، أما أنا فمع الكتابة الأدبية الممتعة والعميقة، وفي نفس الوقت أنا مع أن يحصل القارئ على نصيبه من البهجة، وأن تحرضه العبارات والصور والأسئلة على التأمل في الشق الإنساني من الرواية. أن ينتهي من القراءة بشعور بالمتعة وقد تعرف على عوالم جديدة وأصدقاء جدد هم شخوص الرواية”.

ويتابع في الشأن نفسه “التسلية والمتعة شق من الرواية يجب الاعتراف فيه، وهو ليس بالضرورة مضاد للعمق. الرواية فضاء واسع يحتمل خطابات وصيغا متعددة، والمتعة -كما تعرف- ليست في السخرية فقط، هنالك متعة من قراءة رواية بوليسية حول جريمة قتل غامضة. وفي ‘كونيكا 19‘ تحضر السخرية في أجزاء من الرواية ربما لتدعيم الجانب الغرائبي من الحبكة العامة للرواية”.

ويضيف سعيد “الأمر الآخر بخصوص المتعة في قراءة الرواية، يظهر في العودة إلى الملاحم الروائية الكبرى في القرن التاسع عشر، حيث سنجد أنها كتبت لإمتاع قرّاء المجلات والصحف. الكاتب الروسي الكبير دوستويوفسكي كان يعيش على ما تدفعه الصحافة مقابل تلك الحلقات الروائية التي تنشرها المجلات ليتم جمعها لاحقا في تلك الكتب ذات الأجزاء المتعددة. الروايات الملحمية الكبرى والمطولة والمنشورة في أجزاء كانت عبارة عن حلقات فصول روائية منشورة في صحافة ذلك القرن، هكذا عمل فكتور هيغو في مجلة ‘المحافظون‘ الأدبية، وهكذا نشر غوته في ألمانيا”.

وفي معرض ذلك يؤكد سعيد أن الرواية الملحمية في القرن التاسع عشر أشبه بمسلسلات نتفلكس اليوم، حيث كانت الرواية إلى جانب المسرحيات هي التسلية القصصية الأدبية الشائعة قبل اختراع السينما. لهذا لا يجب -حسب رأيه- التقليل من أهمية المتعة في قراءة الأدب، ولا يجب التنكر لهذه المتعة أو تجاهلها كما يحدث مع العديد من النقاد السوداويين حصرا.

في ‘كونيكا 19‘ تحضر السخرية في أجزاء من الرواية ربما لتدعيم الجانب الغرائبي من الحبكة العامة للرواية

ويقول موضّحا “في القرن الماضي كتب جورج أورويل دستوبيا متهكمة في ‘مزرعة الحيوان‘، وقبله كتب بولغاكوف رواية سيرة لا تخلو من السخرية في ‘حياة السير موليير‘، وهما عملان ممتعان، كتبا بعمق وفن، ولا يزالان طازجين ونابضين بالحياة إلى اليوم”.

وفي سؤال إن كانت حقا هنالك ظلال مقاطع سيرة شخصية في الرواية، كما علّق بعض القرّاء، يجيب سعيد “لا أظن أن سيرة حياتنا تكفي لإنهاء كتابة رواية كاملة ومتسقة. حكايتنا الشخصية تصلح لكتاب مذكرات غير متقيدة ببناء فني ينتمي للفن الروائي. أجل، نحن نستلهم من عالمنا والعوالم المحيطة تفاصيل سردية غير أن الكلمة الفصل هي لفعل التخييل الروائي. وهنا، أرجو أن تلاحظ معي، كلما كانت الطاقة الواقعية قوية في الرواية كلما توقع المتلقي أنها من حياة الكاتب. والقراء عادة ما يقعون في هذا الشَرَك الذي ينصبه كتاب الرواية”.

ويذكر علي سعيد أنه زار “متحف البراءة” الذي دشنه في إسطنبول الروائي التركي أورهان باموق، في الطابق الأخير من المتحف وقفت فتاة تركية تلتقط صورة بسعادة أمام سرير الطفل الذي يفترض أن يكون سرير أورهان باموق وهو صغير، لكن هذا ليس صحيحا لأن المتحف يعرض التفاصيل التي حفلت بها رواية “متحف البراءة”، والتي في الأساس هي أشياء كان باموك قد قام بجمعها منذ سنوات من أجل كتابة الرواية ومن ثم تشييد المتحف.

ويتابع الكاتب “لكن الفتاة لن تصدق، لأنها قرأت الرواية ورأت في المتحف كل ما يشبه تفاصيل الرواية حقا وسيرة باموك المولود في إسطنبول، لكن ما هو تعليق باموك نفسه على هذه الحالة، هنا دعني أحيلك إلى كتاب ‘الروائي الساذج والحساس‘ الذي تحدث فيه عن متحف البراءة، وأيضا أشار إلى مسألة هامة وهي أن الروايات تحتاج إلى رغبة المشاركة من خيال القارئ، وحينما يعجز القارئ عن تحقيق هذه الرغبة يشعر بالعجز. أي أن القارئ في مكان ما، يعمد إلى نسب أحداث الرواية إلى المؤلف، وليس إلى خياله كلما كانت التفاصيل الواقعية مقنعة وقوية”.

16