علي سفر: المعيار الأساسي للثقافة هو الوقوف في صفّ الشعب

الثلاثاء 2014/11/11
علي سفر: المهجر هو حلّ اضطراري ضمن مسار اختياري

علي سفر، هو كاتب وشاعر سوري، يعمل في الصحافة والإعلام المقروء والمرئي والمسموع، درس الفنون المسرحية في دمشق، صدر له خمسة كتب شعرية، وأيضا “أنطولوجيا الشعر التسعيني في سوريا”. صدر للشاعر هذا العام كتاب “يوميات ميكانيكية” الذي دوّن فيه بأسلوب أدبي وقائع من الحياة السورية في مرحلة الثورة. “العرب” حاورت سفر حول تجربة الاعتقال ودور المثقف وعن إصداره الأخير “يوميات ميكانيكية” وعن مواضيع أخرى.

من يقول علي سفر يقول الشاعر والناقد والمسرحي، عن جمعه بين هذه الفنون، يقول: «القصة ليست بالجمع، فأنا لم أقرر سوى أن أكون مشتغلا بالثقافة، عبر الكتابة الصحفية التي بدأتها في نهاية الثمانينات من القرن الماضي، والتي قادتني لأن أدرس الدراسات المسرحية في دمشق، ومن ثم بدأت بالخوض في مجالات عديدة، كالعمل في إخراج الأفلام والبرامج التلفزيونية، وهي مهنة مازلت أعمل بها حتى اللحظة. نحن نعيش في بلدان تطحن المثقف، وترغمه على العمل في مهن قد لا تكون مريحة أو منسجمة مع توجهاته الذاتية».


لست صوت السلطة

يقيم علي سفر في المهجر، بعيدا عن وطنه الأم سوريا، في هذا الشأن يقول سفر: «أنا مثلي مثل كل السوريين في هذا المفصل التاريخي، وجدت نفسي، وبانسجام كامل مع الذات، أنتمي وأشارك في الحراك الذي خرج فيه السوريون من أجل الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية، وكان لهذا الموقف ضريبته على المستوى الشخصي، فبعد التضييق على الرأي والنشاط السياسي، حدث التقييد على حرية السفر، ليصبح منعا، وبعدها تحول هذا المنع إلى إشعار بإلقاء القبض، وكان لا بدّ من الخروج من سوريا، كي لا يتمكن النظام من اعتقالي، ولهذا تستطيع أن تقول: هو اضطرار ضمن مسـار اختياري”.

المثقفون هم الذين أيدوا الثورة وتابعوا دعمها عبر وسائل شتى ومنهم من بات معتقلا ومنهم من استشهد تحت التعذيب

عن نظرة المبدع الســوري خارج أرض الوطن إلى ما يجري في سوريا، وماهي مدى مساهماته في المسار الثوري؟، يعلق علي سفر قائلا: «سؤالك ينطوي على شقين ينبغي أن نستطرد في كل منهما، ودعني أبدأ من الجانب الثاني، بالنسبة إلي لم أفكر في كوني أنتمي إلى شريحة المثقفين، حين قررت أن أشارك في الحراك الثوري، بل كان الموضوع يبدأ من كوني إنسانا لم يقبل أن يرى أطفال بلده وشبابها يقتادون للمعتقلات ليتمّ تعذيبهم وقتلهم وتشويه جثامينهم، ولم يقبل أن يطلق النار على المتظاهرين السلميين، الذين كانوا في صورة بهيّة تقدّم المعنى الحقيقي للثورة السلمية». ويضيف: «لم أقبل كل هذا، فكان أن أعلنت موقفي برفضي للحل الأمني أولا، وبرفضي لحصار الجيش للمدن السورية، وبالتالي حكما تأييدي لمطالب الثورة، هذا موقف إنساني ينطلق من حاجيات الإنسان السوري لتغيير واقع الحال في بلده، بعد نصف قرن من سيطرة الديكتاتورية عليه.

ولكن تعاطي السلطة مع هذا الموقف جاء من زاوية أن على المثقفين ألا يشاركوا في هذا الحراك الذي تم تشويهه كصورة في وسائل إعلامية سلطوية، وكان على المثقفين وبحسب عقلية السلطة أن يكرروا كلامها في اتهام الثورة بأنها ثورة طائفية إسلاموية، وهذا ما قام به البعض من المثقفين الذين باتوا الآن صوتا للسلطة أكثر من كونهم مثقفين أحرارا، وفي الجانب الآخر، كان هناك عدد كبير من المثقفين الذين أعلنوا موقفهم المؤيّد للثورة، وتابعوا دعمها عبر وسائل شتى».

ويتابع قوله: «أنا أنتمي إلى هؤلاء، ولا يهمني أن أكون مثقفا بمعايير نخبوية ساذجة، المعيار الأساسي للثقافة بالنسبة إليّ الآن كسوري، هو أن أكون إلى جانب السوريين في حلمهم بالحرية.

الثورات العربية وضعت المثقفين أمام خيارات قاسية، والبعض تصدى للأمر، وقرر أن ينحاز للثورة وللشارع

أما الشق الأول من السؤال، فإن الأمر لا يختلف عن فعالية المثقفين الذين كانوا في الداخل، فالآن ونتيجة للظرف الذي فرضته الحرب، ترى أن أغلب المثقفين قد باتوا في الخارج، ومن يؤيدون الثورة في الداخل هم صامتون خشية أن يتمّ اعتقالهم أو تصفيتهم، ولو أتيح المجال لهؤلاء أن يكونوا فاعلين دون خوف من تبعات إعلان الموقف، كنت سترى صوتا مختلفا يستحق أن يكون في واجهة المشهد السوري».


زوار الليل


عن تجربة الاعتقال، وأثر هذه المرحلة القاسية على مسيرتها الإبداعية، يجيب سفر: «اعتقلت أول مرة قبل الثورة بعقود وكنت آنذاك طفلا (16 سنة) بسبب مظاهرة، واستمرّ هذا الاعتقال لمدة شهر في سجن واحد من أقسى الأجهزة الأمنية السورية هو “فرع فلسطين”، وبعدها سجنت مرتين لأسباب غير سياسية، ولكنها غير جرمية (تأخر عن الالتحاق بخدمة العلم)، وهذا ما يجري مع السوريين طيلة عقود طويلة».

ويضيف قائلا: «كنت أسهر ليلا وأراقب وأنصت لحركة الناس في الشارع، متوقعا في أيّة لحظة أن يأتي “زوار الليل” ليسوقوني إلى التحقيق والمعتقل.

هذا الهاجس نفسه كنت محكوما به حين كنت أراجع الأجهزة الأمنية، التي حققت معي مرتين خلال العام الأول للثورة.

لقد كتبت عن هذا الهاجس، وكتبت عن الأصدقاء الذين خاضوا هذه التجربة وما زالوا هناك في أقبية المعتقلات».

يلوم الكثيرون المثقف اليوم، وهروبه من دوره في توجيه الشعوب إلى المسالك الصحيحة، عن هذا الموضوع، يعلق علي سفر قائلا: «لا أتفق معك على أن المثقفين يهربون من أدوارهم. هناك توصيف عام للثقافة والمثقفين، يجب ألا نذهب إليه حين نعالج هذا الأمر، بل يجب أن نخوض بمفهوم المثقف ذاته، وهذه قضية إشكالية، هنا ليس مكانها، ولكن الثورات العربية وضعت المثقفين أمام خيارات قاسية، والبعض تصدّى للأمر، وقرّر أن ينحاز للثورة وللشارع، ومارس فعاليته كاملة، وبات الآن في الصف السياسي، أي طور الفعالية السياسية، وهذا الطور قد يجعل المثقف متورطا في شيء بعيد عن فعاليته الأساسية والتي أراها في زماننا هذا وأوصفها بصناعة التنوير».

كنت أسهر ليلا وأراقب وأنصت لحركة الناس في الشارع متوقعا في أي لحظة أن يأتي «زوار الليل» ليسوقوني إلى التحقيق والمعتقل

ويضيف قوله: «ومن جهة ثانية يجب علينا ألا نبقى مسترخين لفكرة أن هؤلاء لا يقومون بالفعل المطلوب منهم. انظر إلى المشهد الثقافي الآن وراقب ما أحدثته الثورات في المشهد الثقافي، وربما نحتاج إلى أن ندقق في خيارات كل مثقف، ليس من خلال فعله السياسي فقط بل من خلال نتاجه وما يكتبه».

كتاب “يوميات ميكانيكية”، آخر إصداراتك، عن هذا العنوان، وأهمّ القضايا التي تناولتها فيه، يقول محدثنا: «الكتاب هو يوميات كتبتها في دمشق منذ بداية الثورة وحتى خروجي من سوريا، العنوان تفسره النصوص حتما، ولكن الأمر هنا مستمدّ من واقع السجناء السياسيين الذين غابوا منذ بداية الثورة في معتقلات النظام، كيف يمضون أيامهم في انتظار الفرج، كما أن السوريين الذين كانوا يعيشون في السجن الكبير والذي تحوّلت سوريا إليه على يد النظام، فإنّ حالهم ليس بأفضل، فالجميع يقتله الانتظار، إنّ الموت السوري بات هو ذاته، إما في المعتقلات أو في الشوارع حيث يموت الناس على يد القناصين، وتحت البراميل المتفجرة أو الهاون العشوائي».

15