علي صابر.. ملحن عراقي يحطم الأرقام القياسية ويغيّر النجوم

مطرب وملحّن موهوب يخوض مغامرة تجديد الغناء العربي بلغة يوتيوب.
السبت 2020/02/01
رهان على لغة الجمهور

كثيرا ما نرى بعض الملحنين العرب الموهوبين ينجرّون وراء غريزة دفينة تتمحور حول الشهرة. منهم من يمتلك الصوت الجميل ومنهم من يقتصر صوته على إمكانية الأداء الفني للحن الذي يضعه وحسب. أسماء كثيرة فشلت في حجز مكان لها في الساحة الغنائية، وعادت خائبة إلى ملعبها الأساسي في عالم التلحين، مثل المبدعين وليد سعد ومحمد رحيم، وصانع النجاحات عمرو مصطفى، ومن بين الملحنين من أصبح رقما صعبا في سماء الغناء العربي، وامتلك جماهيرية واسعة النطاق كحالة مروان خوري ورامي جمال. لكن أن تصبح نجما غنائيا وأن تستمر بتقديم ألحان جميلة لمطربين آخرين، في الوقت ذاته، فتلك هي المعادلة الصعبة التي استطاع المبدع العراقي علي صابر تحقيقها، وهو الذي يعتبر الغناء هواية، أما التلحين فيراه عمله الأساسي، ولذلك يحب أن يلقب بالملحن قبل أن يقال عنه مطرب أو مغن.

سبق صابر كل الملحنين الذين قرروا المجازفة والغناء، بلغة العصر الحالية، لغة الجماهير وليس النقاد وأقلام الصحافة، بلغة عدد المشاهدات في مواقع التواصل الاجتماعي وعلى رأسها يوتيوب. تخطى حاجز الـ100 مليون مشاهدة للأغنية الواحدة، في أغنيته التي أطلقها قبل عامين فقط “لتشوفني تعبان”، وهذا رقم يعد حلماً بالنسبة إلى الكثير من مطربي الصف الأول في عالمنا العربي، وحتى من يمتلك أكثر من ربع قرن في مهنة الغناء لم يتمكن من تحقيق هذا الرقم الهائل، طبعا هنا لا تمكن المقارنة مع من لديه تاريخ طويل في الغناء، لكننا بذات الوقت أمام نجاح كبير للملحن العراقي علي صابر في الأغاني القليلة جدا التي قام بغنائها حتى الآن.

بين الملحن والمطرب

الحديث عن صابر المغني شيق جداً، وهو الذي جمع في رصيده خمس أغان فقط، لكنها كانت كفيلة ليجعل الجمهور العربي عموما والخليجي خصوصا ينتظر أعماله بفارغ الصبر، لكن دعونا نعود إلى المهنة الأساسية لصابر وهي التلحين، هنا يمكن القول إن هذا الفنان أعاد للأغنية العراقية رونقها الخاص الذي تأثر في وقت سابق بسبب هيمنة اللون الشعبي المبالغ فيه إيقاعا وكلاما أيضا، طبعا هناك الكثير من
الملحنين الشباب العراقيين الذين اشتركوا مع صابر في هذه النهضة الفنية للأغنية العراقية نذكر منهم وليد الشامي وأزهر حداد ونصرت بدر وغيرهم، لكن صابر حقيقة هو أكثرهم عطاءً.

في السنوات الماضية قدم العشرات من الألحان التي حققت نجاحات باهرة، حتى بات مقصد المطربين العراقيين والخليجيين والعرب الساعين وراء الجماهيرية المليونية، حتى أنه كان السبب لغناء مطربين اللون العراقي للمرة الأولى منهم الفلسطيني محمد عساف الذي ظفر بلحنين رائعين من صابر، الأول بعنوان “مكانك خالي” وصل عدد مشاهداته حتى الآن إلى 123 مليون مشاهدة، وهذا الأمر لم يستطع عساف تحقيقه في كل الأغاني التي أصدرها في السابق.

مع النجوم

تجربة ماجد المهندس مع صابر بأغانٍ رائعة مثل "وين أروح" و"أخ قلبي"، تجربة مثيرة حققت الكثير، فالأغنية الأخيرة هي الأكثر مشاهدة ضمن أغاني المهندس
تجربة ماجد المهندس مع صابر بأغانٍ رائعة مثل "وين أروح" و"أخ قلبي"، تجربة مثيرة حققت الكثير، فالأغنية الأخيرة هي الأكثر مشاهدة ضمن أغاني المهندس

اللحن الثاني لا يقل جمالية عن الأول وهو بعنوان “بصراحة”، والأغنيتان وقّع كلماتهما الشاعر العراقي رامي العبودي الذي يعتبر توأم النجاح لصابر، فقد حققا سوية العشرات من النجاحات، والتفاهم في ما بينهما ظاهر جدا في نوعية الأغاني التي يقومان بإنتاجها، هناك أيضا توأم ثالث للنجاح اختاره صابر بنفسه وهو الموزع الموسيقي الشاب العراقي عثمان عبود، وقد شكل هذا التوأم الثلاثي فريقا هو الأبرز فنيا في وطننا العربي بالوقت الحالي.

كما استقطب صابر مطربين عربا من جنسيات متعددة لغناء اللون العراقي، وكل هؤلاء الفنانين طامعون بالملايين التي تحققها ألحانه، مثل الفنانة اللبنانية ديانا حداد التي نالت لحن رائع بعنوان “إلى هنا”، وهو يقترب من حصد المئة مليون مشاهدة على يوتيوب، ومن الفنانين العرب الذين تعاملوا مع علي صابر نجد من الفنانات  الفنانة اليمنية بلقيس والقديرة المغربية سميرة سعيد والإماراتية داليا مبارك إضافة إلى العديد من الفنانين العرب من الجنسين.

يهتم صابر بالأصوات الجميلة مهما كانت مكانتها الجماهيرية وتاريخها الفني، ويسعى دائما لدعم المواهب الشابة، ولا يبخل عليهم بالألحان القيمة التي تكون كفيلة بوضعهم بقوة على الساحة الفنية، من هؤلاء المطربة العراقية أصيل الهميم التي لحن لها صابر أغنية “المفروض” العام الماضي، والتي حصدت للمطربة الشابة أكثر من 129 مليون مشاهدة، وكانت مرحلة مفصلية في طريقها الفني، كما قدم صابر للفنان الشاب العراقي محمود التركي لحنا مختلفا لأغنية “ضمّني”، وقد حصدت هي الأخرى 112 مليون مشاهدة في عشرة أشهر فقط.

صابر المولود في العراق عام 1973 دخل المجال الفني من بوابة التلحين، فتعاون مع مطربين معروفين على الساحة العراقية في بداياته. وكان أول لحن يضعه في تسعينات القرن الماضي للمطرب العراقي صلاح حسن، والأغنية كانت بعنوان “ماضي انتهى” نالت نجاحا جيدا في ذلك الوقت، و كانت تجتاح الفن العراقي وقتها الموجة الشبابية الغنائية، وظهور فنانين شباب يمتلكون أصواتا رائعة ويبحثون عن ألحان جديدة، وكان علي صابر هو هدف البعض منهم، حيث تعاون مع المطرب صلاح البحر في “ما مرتاح” الأغنية التي حققت نجاحا كبيرا جدا في ذلك الوقت عراقيا وعربيا. حينها لمع تماما اسم صابر الملحن، وجذب الكثير من المغنيين الشباب الناجحين الذين أسس معهم مفهوم الأغنية الكلاسيكية الهادئة، وأعطاهم ألحانا رائعة كانت بطاقات تعريفية لهم للجمهور حتى وقتنا هذا.

صبر أيوب

لحن صابر المميز لديانا حداد في أغنيتها “إلى هنا” يتجاوز التسعين مليون مشاهدة على يوتيوب
لحن صابر المميز لديانا حداد في أغنيتها “إلى هنا” يتجاوز التسعين مليون مشاهدة على يوتيوب 

أغنيات لا تنسى قدمها صابر، مثل “ها يا عيوني”، و “مومهم” للفنان محمد عبدالجبار، إضافة إلى رائعته “هذا يا حب”، الأغنية التي مازال تعلق الجمهور بها كبيراً حتى اليوم، وكانت كفيلة ببناء شهرة عربية كبيرة للفنان حبيب علي الذي لم يستطع تقديم أغنية تضاهي جمالها وروعتها، حتى أنه عندما يعتلي المسارح في حفلاته الفنية في كل مكان، يكون أول ما يطلب منه هو غناء تلك الأغنية التي كانت ومازالت ملجأ العشاق الشباب. غير أن صابر لم يترك علي بل كتب ولحن له أغنية أخرى هي “وين إنته”، التي نالت شهرة جماهيرية كبيرة أيضاً.

لم يكتف صابر بما حققه في ذلك الحين، ذهب إلى ما هو أبعد، نحو نمط مختلف مليء بالطرب والجمل الموسيقية الرائعة، وتعاون مع “أمير الحب” هيثم يوسف بداية في أغنية “صبر أيوب” التي اشترك في كتابة كلماتها كل من الشاعرين الكبيرين كاظم السعدي وعدنان هادي، وقام بالتوزيع الموسيقي الفنان نشوان طلال، واستطاع صابر بهذه الاغنية أن يهدي يوسف مكاناً له في الصف الأول لنجوم الغناء العراقي.

وأكد صابر على ذلك بأغنية ثانية نافس بها اللون الغنائي الذي عرف به قيصر الغناء كاظم الساهر، واختار أن يكتب كلماتها بنفسه وهي “آه لو أعرف شبيك”، أغنية لا يكرّرها الزمن، دخلت التاريخ الفني العراقي العريق المعتمد على الكلمة الجميلة واللحن عالي المستوى.

صابر من الكثيرين من الفنانين العراقيين تأثروا بما حصل في وطنهم العراق بعد الغزو الأميركي، وقرر الابتعاد قليلا خصوصا مع اجتياح موجة جديدة للغناء العراقي معتمدة على الايقاع الصاخب وفرق الرقص و الكلمات السطحية، وصفها بعض النقاد بالموجة الهابطة، لكن أمثال صابر استطاعوا النهوض مجددا بالأغنية العراقية وجعلها تتسيّد الساحة العربية مرة ثانية.

عاد من جديد مع أسماء لامعة، مثل ماجد المهندس بأغانٍ رائعة مثل “وين أروح” و”أخ قلبي”، والأخيرة هي الأكثر استماعا ومشاهدة للمهندس في كل تاريخه الغنائي، بعدد تجاوز الـ94 مليون مشاهدة على يوتيوب. صابر من الأشخاص الذين لا يهتمون بالشهرة، ولا يسعون إليها. يبتعد عن الأضواء والصحافة، ولا يجري أي حوارات سواء أكانت إذاعية أم تلفزيونية أم مكتوبة، تاركاً لموسيقاه أن تتحدث نيابة عنه، على عكس الكثير من الفنانين الذين يعملون وراء الكواليس، بحثاً عن الإطلالات الإعلامية.

طريقته في الظهور وإنتاجاته القليلة تُفصح عن رغبته في وضع بصمة خاصة به كمغنّ ومالك صوت شجي حساس، وأن يذكره التاريخ كصانع نجاحات للآخرين، قادر على أن ينال النجاح أيضا. فهو، باعتراف الكثيرين، أفضل صانع للأغنية العراقية “الضاربة” في السوق حسب التعبير الدارج، حتى أنه لا يهتم بشيء بقدر اهتمامه بأدق تفاصيل الصوت، واتضح ذلك في الفيديو كليب الذي أصدره من حوالي ستة أشهر فقط، وحصد حتى الآن مئة مليون مشاهدة وهو لأغنية “الله يسهلك”، التصوير كان بسيطا جدا، في مكان واحد هو أستوديو التسجيل، بلا بذخ في الإنتاج ولا “موديل” ولا فتاة تمثل مع المغني، بل كان التركيز مقتصراً فقط، على الأغنية وكلماتها وعلى اللحن والتوزيع الموسيقي المتوّج بصوت رائع.

ومؤخراً طرح صابر أغنيته “وينك”، على شكل “أوديو” فقط، دون تصويرها، حتى أن الصورة الفوتوغرافية الموضوعة كغلاف هي ذاتها المستخدمة في الأغنية السابقة “الله يسهلك”، فصابر لا يهتم بهذه التفاصيل، هي عنده لا تقدّم ولا تؤخر في نجاح أعماله الغنائية، لأنه واثق باللحن الذي يبتكره ويقدمه ليصل إلى قلوب الملايين من العرب الذين ينتظرون إبداعاته الموسيقية ويطالبونه بالمزيد.

12