علي عبدالرازق الذي لا يجب أن يُحرق مع فكر المتطرفين

السبت 2015/04/18
تسعون عاماً على كتاب عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم"

في شتاء العام 2012، جمعتني جلسة في مقهى ريش وسط القاهرة، بالروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد الذي كان عائداً لتوّه من مظاهرة احتجاج ضد حكم المرشد والإخوان وكانت معه زوجته، التي أخرجت من حقيبتها حجرا حاد الأطراف، وقالت “هذا ما رمانا به الإخوان في مظاهرتنا”، ولم يتوقف إبراهيم عبدالمجيد وغيره من مثقفي مصر وأبناء التيارات المدنية فيها، عن محاربة العقل الديني المتحجر كتلك القطعة التي رأيناها، ولكنه اليوم، يرفع صوته احتجاجا على الخلط الذي وقعت فيه مديرية تربية الجيزة المصرية، بين ما يجب أن يتخلص منه العقل العربي المسلم اليوم من كتابات لا تجلب سوى الظلام، وبين ما كان محاولات تنويرية واجهها الظلام ليواجهها الحرق الجاهل اليوم بين الكتب التي تم حرقها في منطقة فيصل مؤخرا.

وكان من بين الكتب المحروقة، كتاب “الإسلام وأصول الحكم”، للعالم الأزهري الشيخ علي عبدالرازق، وكتاب “البحث عن مستقبل” لرجب البنا، الذي ارتبط بصداقة وطيدة مع البابا شنودة الثالث، وشيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي، وسبعة كتب صادرة عن المجلس القومي لمكافحة إدمان المخدرات، قال إبراهيم عبدالمجيد “إن عملية حرق الكتب تكتنف على جهل بالمؤلفين أكثر من كونها مسألة مستفزة ومعادية لحرية الفكر وضرورة مواجهته بالفكر، إذ كيف يمكن لأحد بدعوى الحفاظ على المدنية ومواجهة الإرهاب أن يحرق كتاب الشيخ علي عبدالرازق عن الإسلام وأصول الحكم، أو كتابات الدكتور عثمان أمين اليساري الليبرالي، والذي قام بتدريسنا في الجامعة بقسم الفلسفة بجامعة الإسكندرية، في سبعينيات القرن الماضي”.

عبدالرازق والنور والظلام

ولد علي عبدالرازق في العام 1888، في قرية أبو جريج وحفظ القرآن في كتاتيب المنيا في صعيد مصر، طفلاً لأسرة ثرية حرصت على إرساله إلى الأزهر، ليحصل على درجة العالمية، و يتابع دراسته في الوقت ذاته في الجامعة السيكولارية المصرية حتى العام 1912. بعدها سافر إلى فرنسا مع شقيقه مصطفى (الذي سيصبح بعد سنوات شيخا للأزهر)، لكنه غير وجعته إلى بريطانيا، حيث درس في أكسفورد السياسة والاقتصاد وعاد إلى مصر ليصبح قاضياً في المحاكم الشرعية.

كان عبدالرازق رفيع الثقافة، جريء العقل واللسان، سرعان ما أصبح عضواً في مجلس النواب والشيوخ، وتم تكليفه كوزير للأوقاف، وكان أيضاً عضواً في مجمع اللغة العربية، واجه سلطة الدين وسلطة الملك معاً، من أجل أن يكون رسولاً أميناً للتنوير والمعرفة والمدنية والحداثة.

الإسلام وأصول الحكم

في شهر إبريل من العام 1925، أي قبل تسعين عاماً بالضبط، كانت قد مرت سنة كاملة على إلغاء مصطفى كمال اتاتورك للخلافة في إسطنبول، حينها أصدر علي عبدالرازق كتابه “الإسلام وأصول الحكم” بعد أن استعرت حربٌ بين عدد من قادة العالم الإسلامي تدور رحاها حول من سيخلف موقع الخليفة الذي أصبح شاغراً الآن، وكان من بين المتنافسين على ذلك الملك فؤاد الأول ملك مصر، وكان الأزهر قد نظّم مؤتمراً إسلامياً كبيراً تحت عنوان “المؤتمر الإسلامي العام للخلافة” صدرت عنه مجلة حملت اسم “الخلافة الإسلامية”، كانت تطالب المسلمين بالحفاظ على منصب الخليفة، ومنحه للملك فؤاد، وانتشرت حينها مجموعة من الفتاوى التي تقول إن صفة الإسلام زالت عن المجتمعات الإسلامية بزوال الخلافة، وأن تلك المجتمعات عادت إلى الجاهلية، وأن المسلمين سيحملون إثم ذلك بسبب عدم وجود خليفة.

وصف عبدالرازق للخليفة عبر التاريخ يتضح من خلاله، مدى إدراكه المبكر لإشكالية ذلك الموقع، فهو يرى أن الخليفة كان ممكنا بالبطش والقسوة، لا يأمن على نفسه، ولا يأمن منه المسلمون على أنفسهم، "يستحيل السلطان وحشا سفاحا وشيطانا ماردا إذا ظفرت يداه بمن يحاول الخروج عن طاعته وتقويض كرسيه"

جاء كتاب علي عبدالرازق، كاسراً لكل تلك الموجات، محدثاً صدمة كبيرة، للملك ولشيوخ الملك، فرفع شيخ الأزهر محمد أبو الفضل الجيزاوي صوته منادياً بضرورة مساءلة الحكومة المصرية برئاسة إسماعيل باشا صدقي عن سبب صمتها على صدور كتاب “الإسلام وأصول الحكم”، الذي قال فيه علي عبدالرازق رأيه العلمي بالخلافة، بالإضافة إلى العديد من الآراء التحديثية التي لم يصدّق علماء ذلك الزمان أنها يمكن أن تصدر وهم أحياء دون أن يتصدوا لها.

طالب المشايخ وقتها ليس فقط بمنع الكتاب، ولكن أيضاً بالتنكيل بمؤلفه علي عبدالرازق، والحكم عليه بـ”الحرمان”، وسحب شهادة العالمية الأزهرية التي حصل عليها، وانخرط في تلك الحملة، كل مستفيد من بلاط الملك، وكل متواطئ معه سياسياً، حتى أن سعد زغلول الزعيم المصري الكبير قال إنه قرأ الكتاب بتمعّن وأنه شديد الاستغراب من موقف علي عبدالرازق الذي خالف به المستشرقين الذين لم يطعنوا مثله في الإسلام.

ومع ذلك فقد دافع كثيرون عن علي عبدالرازق، ومنهم نخبة من المفكرين والعلماء والسياسيين، منهم العقاد الذي كتب مقالاً دافع فيه عن الحرية الفكرية، جاء بعنوان “روح الاستبداد في القوانين والآراء” وكذلك محمد حسين هيكل الذي قال “ماذا تقول في عالم من علماء الإسلام يريد ألا يكون للمسلمين خليفة في وقت يطمع فيه كل ملك من ملوك المسلمين وكل أمير من أمرائهم في أن يكون خليفة؟ ماذا تقول في عالم مسلم مصري يقول بوجوب ارتباط مصر وإنكلترا برباط الصداقة، ويذهب في أن يكون هذا الخليفة واحداً من الملوك أو الأمراء الواقعين تحت نفوذها؟”، أما سلامة موسى فقد كتب في الهلال مقارناً محاكمة علي عبدالرازق بمحاكمة سكوبس الذي قال في أميركا إن قصة آدم وحواء الواردة في التوراة خرافة، فرفعت ضدّه دعوى في المحكمة الأميركية وتم تغريمه بسبب رأيه، واحتدمت معركة كبيرة لم تشهد مصر لها مثيلاً منذ عهود المماليك والفاطميين وقراراتهم الجائرة.

الخلافة

كتب علي عبدالرازق إن الخلافة الإسلامية ليست أصلاً من أصول الإسلام، بل هي مسألة دنيوية وسياسية أكثر من كونها مسألة دينية، ولم يرد بيانٌ في القرآن، ولا في الأحاديث النبوية في التأكيد على وجوب تنصيب الخليفة أو اختياره، مؤكداً أنها لم تجلب سوى الشرور إلى الأمة، فالتاريخ “يبين أن الخلافة كانت نكبة على الإسلام وعلى المسلمين، وينبوع شرٍ وفساد”.

وقد جاء الكتاب على ثلاثة فصول، الأول عن الخلافة والإسلام، والثاني عن الحكومة والإسلام، أما الثالث فكان عن الخلافة في التاريخ، قال عبدالرازق “الخلافة مصدر تخلّف فلانٌ فلاناُ إذا تأخّر عنه، وإذا جاء خلف آخر، وإذا قام مقامه. ويُقال خلف فلانٌ فلاناً إذا قام بالأمر عنه، إمّا معه وإمّا بعده، وهي رياسة عامّة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم”. ليدخل في تساؤلات مشروعة في ذلك الزمان واليوم وكل زمان، من نوع “الخلافة هل هي خلافة الله أم خلافة رسوله؟” طارحاً اجتهادات عقلية للإجابات “أمّا تسميته خليفة فلكونه يخلف النبيّ في أمّته فيقال خليفة بإطلاق، وخليفة رسول الله، واختُلف في تسميته خليفة الله، فأجازه بعضهم ومنع الجمهور منه، وقد نهى أبو بكرٍ عن ذلك لمّا دُعي به”، ويشير عبدالرازق إلى تيارين في الأمة الإسلامية أحدهما يرى أن الخليفة يستمد سلطانه من الله، والآخر يؤمن أن الأمة هي مصدر سلطان الخليفة وهي التي تنصّبه في موقعه.

ويتضح من خلال وصف عبدالرازق للخليفة عبر التاريخ، مدى إدراكه المبكّر لإشكالية ذلك الموقع، فهو يرى أن الخليفة كان ممكناً بالبطش والقسوة، لا يأمن على نفسه، ولا يأمن منه المسلمون على أنفسهم، “يستحيل السلطان وحشًا سفاحًا وشيطانًا ماردًا إذا ظفرت يداه بمن يحاول الخروج عن طاعته وتقويض كرسيه، وإنه لطبيعي فيه أن يكون عدوًّا لدودًا لكل بحث علمي يتخيل أنه قد يمس قواعد ملكه أو يريح من تلقائه ريح الخطر ولو كان بعيدًا، ومن هنا نشأ الضغط الملوكي على حرية العلم ومعاهد التعليم، ولا شك أن أخطرها كان علم السياسة، ولذلك كان حتمًا على الخلفاء أن يسدوا طريقه ومنافذه أمام الناس”.

ولا يربط علي عبدالرازق مسألة حفظ الدين بوجود خليفة، فيقول “علمت ممّا نقلنا لك عن ابن خلدون أنّه قد ذهب رسم الخلافة وأثرها بذهاب عصبيّة العرب، وفناء جيلهم، وتلاشي أحوالهم، وبقي الأمر ملكاً بحتاً، وليس للخليفة منه شيء، أفهل علمت أنّ شيئاً من ذلك قد صدع أركان الدين؟ وأضاع مصلحة المسلمين على وجه كان يمكن للخلافة أن تتلافاه لو وجدت؟”.

النبي والبساطة

كتب علي عبدالرازق ينتقد اعتبار الفقهاء الذين مرروا بساطة الزمن القديم ليعمموها اليوم على المسلمين، وقال إن الفقهاء إن كانوا قد “أرادوا بالإمامة والخلافة ذلك الذي يريده علماء السياسة بالحكومة كان صحيحاً ما يقولون، من أنّ إقامة الشعائر الدينيّة وصلاح الرعيّة يتوقّفان على الخلافة، بمعنى الحكومة، في أيّ صورة كانت الحكومة، ومن أيّ نوع. مطلقة أو مقيّدة، فرديّة أو جمهوريّة، استبداديّة أو دستوريّة أو شوريّة، ديمقراطيّة أو اشتراكيّة أو بلشفيّة. لا ينتج لهم الدليل أبعد من ذلك. أمّا إن أرادوا بالخلافة ذلك النوع الخاص من الحكم الذي يعرفون فدليلهم أقصر من دعواهم، وحجّتهم غير ناهضة”، وقال إنه قد جرى الخلط بين البساطة في الزمن القديم، وبين حداثة العصر الذي نعيشه اليوم، وكأنما يراد لنا أن نعود إلى عهود البساطة والفطرة “كان صلّى الله عليه وسلّم أميّاً ورسولاً إلى الأميّين، فما كان يخرج في شيءٍ من حياته الخاصّة والعامّة ولا في شريعته عن أصول الأميّة، ولا عن مقتضيات السذاجة والفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها، فلعلّ ذلك الذي رأينا في نظام الحكم أيّام النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هو النظام الذي تقضي به البساطة الفطريّة. ولا ريب في أنّ كثيراً من نظم الحكم في الوقت الحاضر إنّما هي أوضاع وتكلّفات، وزخارف طال بنا عهدها فألفناها، حتى تخيلناها من أركان الحكم وأصول النظام، وهي إذا تأملّت ليست من ذلك في شيء، إن هذا الذي يبدو لنا إبهاماً أو اضطراراً أو نقصاً في نظام الحكومة النبويّة لم يكن إلا البساطة بعينها، والفطرة التي لا عيب فيها”.

الروائي المصري إبراهيم عبدالمجيد يقول عن حرق كتاب عبدالرازق مؤخرا "إن عملية حرق الكتب تكتنف على جهل بالمؤلفين أكثر من كونها مسألة مستفزة ومعادية لحرية الفكر وضرورة مواجهته بالفكر، إذ كيف يمكن لأحد بدعوى الحفاظ على المدنية ومواجهة الإرهاب أن يحرق كتاب الشيخ علي عبدالرازق عن الإسلام"

وأوضح أن زعامة النبي على العرب، لم تتأتّ من مكانته المدنية، لأنه تمكن من توحيد العرب على عقيدة جديدة “كانت وحدة العرب كما عرفت وحدة إسلاميّة لا سياسيّة، وكانت زعامة الرسول فيهم زعامة دينيّة لا مدنيّة، وكان خضوعهم له خضوع عقيدة وإيمان، لا خضوع حكومة وسلطان، وكان اجتماعهم حوله اجتماعاً خالصاً لله تعالى، يتلقون فيه خطرات الوحي، ونفحات السماء، وأوامر الله تعالى ونواهيه (ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة)”. ولكن هذا لم يحصل بعد النبي، فقد رحل من كان على علاقة بالسماء والوحي، ويضرب عبدالرازق المثل بحروب الردة “لسنا نتردّد لحظة في القطع بأنّ كثيراً ممّا سموه حرب المرتدّين في الأيام الأولى من خلافة أبي بكر لم يكن حرباً دينيّة، وإنّما كان حرباً سياسيّة صرفة، حسبها العامّة ديناً، وما كانت كلّها للدين”.

وحسم علي عبدالرازق لنفسه وللآخرين مسألة الخلافة بالقول “والخلافة ليست في شيءٍ من الخطط الدينيّة، كلاّ ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنّما تلك كلّها خطط سياسيّة صرفة، لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنّما تركها لنا، لنرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم، وقواعد سياسيّة، كما أنّ تدبير الجيوش الإسلاميّة، وعمارة المدن والثغور، ونظام الدواوين لا شأن للدين بها، وإنّما يرجع الأمر فيها إلى العقل والتجريب، أو إلى قواعد الحروب، أو هندسة المباني وآراء العارفين”.

حكم الأزهر

قامت هيئة كبار العلماء في الأزهر بمحاكمة علي عبدالرازق ومصادرة كتابه، وتم توجيه تهم كبيرة إليه تقول إنه جعل الدين لا يمنع من أن جهاد النبي كان في سبيل الملك لا في سبيل الدين ولا لإبلاغ الدعوة للعالمين، وأنه اعتبر نظام الحكم في عهد النبي موضوع غموض أو إبهام أو اضطراب أو نقص وموجبًا للحيرة، وكذلك كونه عدّ مهمة النبي كانت بلاغًا للشريعة مجردة عن الحكم والتنفيذ، مع إنكاره لإجماع الصحابة على وجوب نصب الإمام وأنه لا بد للأمة ممن يقوم بأمورها في الدين والدنيا، وإنكاره أن القضاء وظيفة شرعية، وأخيراً اعتباره حكومة أبي بكر والخلفاء الراشدين من بعده كانت لا دينية.

وأصدرت هيئة كبار العلماء حكمها بإخراج علي عبدالرازق من زمرة العلماء في أغسطس من العام 1925. وطلب من وزير الحقانية عبد العزيز فهمي فصله من وظيفته. فأحال الوزير الطلب إلى لجنة في الوزارة لفحصه، وصدر قرار بإقالة الوزير عبد العزيز فهمى من الوزارة، إلا أن إقالة الوزير اعتبرت إهانة لباقى الوزراء. فاستقال احتجاجا على هذا الفصل التعسفي، كل من محمد علي علوبة باشا وتوفيق دوس باشا وإسماعيل صدقي باشا. وعندما تم شغل المناصب الوزارية الشاغرة، فصل الشيخ علي عبدالرازق من وظيفته كما أراد الملك فؤاد، بغدادي ذلك الزمان، واليوم تعاد الكرة مع علي عبدالرازق بحرق كتابه الذي يحتاجه العرب المسلمون أكثر من أيّ وقت مضى في منعطفهم بين الدين والدولة.

13