علي عبدالعال رئيس برلمان مصر الذي لم يعشق الأضواء

الأحد 2016/02/14
الساعي إلى تعزيز مفاهيم سيادة القانون

القاهرة - طوال حياته العملية ظل شخصية غير معروفة خارج نطاق المحيطين به، فوجهه يفتقد الملامح السياسية التي تميّزه وتساعد الناس على فهم شخصيته وتوجهاته بسهولة.

حتى عندما ازدحمت الفضائيات المختلفة بمحللين وسياسيين من كل شكل ولون، عقب ثورة 25 يناير 2011، أغلبهم خرج من المجهول ليقدم نفسه باعتباره سياسيا متمرسا وخبيرا حكيما. لم يكن من بينهم الدكتور علي عبدالعال، الذي يعتلي الآن كرسي رئاسة البرلمان المصري.

كرسيٌ لم يسلم من جلس عليه من سوء الخاتمة، من رؤساء البرلمان الثلاثة الذين سبقوا عبدالعال. فيكفي أن يدور في ذهن علي عبدالعال أن رفعت المحجوب ثاني رؤساء البرلمان في عهد حسني مبارك تعرض للاغتيال، وفتحي سرور آخر رؤساء برلمانات مبارك، تعرض للحبس بتهم تتعلق بقتل الثوار والثراء الفاحش إلى أن أفرج عنه مؤخرا، ثم سعد الكتاتني رئيس برلمان الإخوان، والذي يواجه أيضا عقوبة الحبس الآن، وربما يحصل على حكم بالإعدام في القضايا المتعددة التي يحاكم بموجبها.

برلمان الوطني والإخوان

صحيح أن الظروف التي عمل فيها رؤساء البرلمان السابقين تختلف عن تلك التي يعمل في ظلها عبدالعال حاليا، من استقرار نسبي للنظام الحاكم، ووجود قاعدة شعبية مؤيدة له، بعكس مبارك ومرسي. لكن الرجل لا يمكن أن يغفل سوء المنقلب الذي تعرضوا إليه، ما قد يجعله يفكر ألف مرة في خطواته والطريقة التي يمكن أن يدير بها البرلمان الحالي بما يضمه من تيارات تبدو متباينة الفكر ومتباعدة الرؤى والتوجه، وهو ما لم يكن موجودًا في أي برلمان سابق.

على الأقل كان برلمان مبارك يدار من خلال الحزب الوطني الحاكم، ولم يكن لأيّ نائب أن يخرج عن طوع أحمد عز أمين تنظيم الحزب ومحرك البوصلة بالبرلمان. كما أن المستقلين والأحزاب والإخوان كانوا يتوددون للحزب الحاكم ويتحركون وفقا لتوجيهاته.

لذلك لم يكن فتحي سرور رئيس البرلمان، آنذاك، يجد مشقة في السيطرة على مجريات الأمور وتوجيه دفة النواب أينما يريد، ووقتما شاء.

على نفس المنوال تقريبًا، كان رئيس برلمان الإخوان سعد الكتاتني، الذي استفاد من وجود ظهير سياسي ممثل في حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية لجماعة الإخوان، وأيضًا حزب النور السلفي، اللذين كانت لهما الأكثرية المطلقة في البرلمان.

القاسم المشترك بين رؤساء البرلمان السابقين وعبدالعال هو الولاء المطلق للحكم فلم يتأخر كثيرا في إرسال برقية شكر وتأييد إلى رئيس الجمهورية على قيادته الحكيمة

كاتب الدستور

الوضع مع البرلمان الحالي مختلف تماما. حتى في ظل وجود تكتل “دعم مصر” الحاصل على الأكثرية البرلمانية، الذي يقدم نفسه باعتباره الظهير السياسي للرئيس عبدالفتاح السيسي. بيد أن البرلمان يضم أحزاباً تختلف في الأيديولوجيات والتوجهات، ونوابًا يتباينون في الفكر والرؤى، وائتلافات متعددة لا تسيطر عليها لغة التيار أو الحزب الواحد.

القاسم المشترك بين رؤساء البرلمان السابقين وعبدالعال، هو الولاء المطلق للحكم. ومثلما كان يفعل فتحي سرور مع مبارك والكتاتني مع مرسي، من إعلان مساندة البرلمان للنظام في التحرك نحو استقرار البلاد ومواجهة التحديات والعبور بمصر إلى مستقبل مشرق، بدا عبدالعال وكأن هذا الميراث يؤثر على تفكيره وطريقة إدارته للبرلمان.

لم يتأخر كثيرًا بعدما بدأ عمله في رئاسة البرلمان، في إرسال برقية إلى رئيس الجمهورية تتضمن تأييد النواب جميعًا لـ”قيادته الحكيمة التي قادت مصر إلى مزيد من الرقي والتقدم، وتأييد منهجه في الحكم لأجل تخطي العقبات التي تواجه الدولة المصرية والتصدي للمخططات الخبيثة”.

عبدالعال نفسه لم ينكر تأييده المطلق للسيسي. وإن تحدث عن ذلك بشكل غير مباشر، كي لا يضعه البعض في خانة “ابن النظام”. فهو الذي قال قبيل رئاسته للبرلمان في أحد البرامج التلفزيونية، إن الوضع الحالي في مصر يتطلب ظهيرًا سياسيًا لرئيس الجمهورية، حتى يتسنى له النجاح في تطبيق برنامجه الرئاسي.

وعندما تعرض لانتقادات بعد هذا الاعتراف، خرج ليوضح مقصده بأن ائتلاف “في حب مصر”، الذي نجح من خلاله ودخل البرلمان، يهدف لأن يكون ظهيرًا سياسيًا للدولة، وليس السيسي بشكل مباشر.

خبير قانوني

صحيح أن عبدالعال يؤمن تماما بمبادئ ثورتي 25 يناير و30 يونيو، لكن تحيّته بهذا الشكل إلى رئيس الدولة، دفعت به للوقوف على الجانب الآخر من مبادئ الثورتين، وأهمها السعي إلى تعزيز مفاهيم سيادة القانون الذي يعتبر مجلس النواب سلطة مستقلة مهمتها الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية وليس تبادل الغزل معها. ويعتبر أيضًا أن الرئيس موظف عام في خدمة الشعب، وليس قائدًا ملهما وكان ذلك بمثابة المأخذ الأكبر على رئيس أول برلمان بعد الثورة على نظام الإخوان.

يقولون عنه إنه تلميذ فتحي سرور في القانون والدستور. والحقيقة أنه بالفعل عمل خبيرا قانونيا في البرلمان منذ العام 1992. كما كان سرور صاحب الفضل في ترشيحه للعمل في الديوان الأميري بالكويت في نهاية حقبة التسعينات من القرن الماضي وحتى عودته إلى مصر قبل أيام من ثورة 25 يناير 2011. وهو ما جعل البعض يقارن الفكر المشترك بين الرجلين في طريقة التقرب من الأنظمة الحاكمة، وصياغة القوانين التي ترتضيها وفقا للحاجة، بيد أن سرور وعبدالعال يتمتعان بخبرة قانونية جعلتهما في مقدمة فقهاء القانون في مصر.

كان يؤخذ على فتحي سرور بأنه “ترزي قوانين مبارك في البرلمان”، ويخشى البعض أن يرث رئيس البرلمان الجديد هذا التوجه من أستاذه، خاصة أنه عندما كان الجميع يتوجس خيفة من حل المجلس إذا تأخر في مناقشة الـ341 قانونا التي أصدرها الرئيسان منصور والسيسي، خلال فترة الـ15 يومًا التي نص عليها الدستور، كان عبدالعال يطمئن القلقين بعبارة تحمل أكثر من دلالة حيث قال “أنا من كتب الدستور”.

النائب المخرج خالد يوسف تعرض لتوبيخ من الرئيس عبدالعال الذي انفجر قائلا "لا أنت ولا غيرك يمكنه الدخول معي في جدال دستوري"، ثم طالبه بطريقة حادة أن يجلس

صرامة وطرد

سجله الوظيفي يخلو من أي سابقة لتولي عمل قيادي أو إداري. بل إنه لم يتقلد أيّ منصب سياسي من قبل. حتى جامعة عين شمس، التي كان يعمل فيها، لم يتولّ بها مناصب قيادية تُذكر، وظل أستاذًا متفرغًا في قسم القانون العام.

بالتالي، حتى وإن كان تصويت 67 بالمئة من نواب البرلمان (401 من أصل 585 عضوًا شاركوا في التصويت) لمصلحة عبدالعال أمراً متوقعاً، فهذا لا يعني أنّه الأجدر بقيادة البرلمان. بقدر ما يعني أن الاختيار كان محسوما مسبقًا. لأنه فاز ضمن قائمة “في حب مصر”، التي انبثق عنها تكتل “دعم مصر” الحاصل على الأكثرية البرلمانية. إضافة إلى كونه بالأساس أحد فقهاء القانون، وهو ما كان يحتاجه البرلمان فعليّا.

غير أن الانطباع الذي انتقل للمتابعين منذ الوهلة الأولى لرئاسة علي لجلسات البرلمان، أنه لن يكون قادرا على السيطرة عليه. لأن الصرامة غير المتوقعة التي تعامل بها مع النواب المخالفين للتعليمات في بدايات الجلسات، لم تكن كافية لفرض سيطرته بالشكل الأمثل وفرض الهدوء التام على مجريات الأمور، رغم محاولته التي رآها البعض متهورة ووضعته في موقف حرج أمام الرأي العام.

ازدواجية تحت القبة

لم يكن من المألوف أن يقدم رئيس البرلمان على طرد نواب خارج القاعة، في حال مخالفتهم التعليمات المنظمة للجلسات. لكن عبدالعال تجرأ على مخالفة التقاليد المتبعة في السنوات الأخيرة على الأقل، وطرد أربعة نواب في جلسة واحدة، حينما كان البرلمان يناقش قانون الخدمة المدنية المثير للجدل، لاعتراضهم على طريقة إدارته للجلسة، وتفضيله نوابا عن غيرهم في ما يخص أولوية طلب الكلمة.

المفارقة أنه خلال نفس الجلسة، عاد عبدالعال إلى رشده بعد دقائق معدودة وطلب عودة النواب المطرودين للجلسة مرة أخرى، لكنه وضع الأمر في أيدي النواب عموماً، وحصل على موافقة منهم أولًا على عودة زملائهم، وكأنه كان يحاول ألا يظهر شخصية مهزوزة ومترددة، فيما لو أعادهم دون استفتاء المجلس.

غير أن ما يجعل مهام الرجل صعبة هو مأزق عدم القدرة على التحكم بزمام الأمور داخل المجلس، عند النواب قبل عموم المصريين. أخذ عبدالعال يتعامل بازدواجية، بل يمكن القول بأنه بدا وكأنه يخشى الصدام مع نواب معروفين بالجرأة المفرطة والانفلات، أمثال مرتضى منصور الذي رفض أداء قسم اليمين بطريقة قانونية حتى لا يقر بوجود ثورة 25 يناير في الدستور لأنه يعاديها، ورغم تطاول منصور على نائبة برلمانية داخل المجلس، لكن عبدالعال لم يتخذ موقفًا حاسما معه.

على الرغم من حدته، يظهر عبدالعال على المصريين كرجل يتعامل بالفطرة. فطرة اعتادت ألا تلوّن الحديث، أو تختار عباراتها قبل أن تتفوه بها. ما جعله يبدو أمام المعارضين للنظام، على أنه فاقد للحس السياسي، أو الشعور بالمنصب الذي يشغله. فتراه يتحدث موجها كلامه للنواب “انتوا جايين تاكلوا وتمشوا”، ومرة أخرى يقطع الجلسة ويخرج فجأة ويعود ليقول “طبعا عايزين تعرفوا أنا مشيت ورجعت ليه؟ أصل الرئيس كان بيكلمني على التليفون”.

سجله الوظيفي يخلو من أي سابقة لتولي عمل قيادي ولم يسبق له دخول البرلمان ولم يتقلد منصبا سياسيا، حتى الجامعة لم يتول بها مناصب قيادية تذكر

يرفض تدخلات الأمن

على عكس ما يشير إليه البعض من أنه جاء للبرلمان بتوجيهات أمنية، فإنه يرفض التدخل الأمني في عمل البرلمان. وعندما جرى منع 20 صحافيًا من الدخول إلى المجلس لانتقادهم البرلمان والتركيز فقط على سلبيات النواب وطريقة إدارة الجلسات، تدخل عبدالعال وقال صراحة “أرفض التدخل الأمني بالقليل أو الكثير في البرلمان، وكل ما له علاقة بالبرلمان يخصه فقط”. بل إنه هاتف نقيب الصحافيين يحيى قلاش واعتذر عن منع الصحافيين ووجه بدخولهم للبرلمان وعدم التعرض إليهم لاحقا مهما كانت كتاباتهم.

إدراك الرجل بأهمية الإعلاميين كسند رئيسي له في نجاح مهمته جعله يرفض الصدام المبكّر معهم، بل إنه أعلن صراحة أنه ضد حبس أي صحافي أو إعلامي يقول رأيه، وأن حرية الصحافة جزء أصيل من الحرية داخل أيّ دولة، وتعهد بألا يكون ضمن قوانين الصحافة والإعلام التي سيقرّها المجلس، أي مواد تحد من حرية الصحافة أو تنص على حبس الصحافيين والإعلاميين شريطة أن يتحمل الإعلامي مسؤوليات هذه الحرية.

وأخيراً ووفقا للدستور، فإن رئيس البرلمان، سيحل محل رئيس الجمهورية عند خلوّ المنصب للاستقالة أو الوفاة أو العجز الدائم عن العمل أو انتهاء ولايته الرئاسية.

لذلك سيظل عبدالعال، الذي يعول كثيرًا على خبرته القانونية في منصبه الجديد، تحت المراقبة الدقيقة لمدة أربعة أعوام مقبلة، تعتبر الأخطر والأهم في تاريخ مصر الحديثة.

طيب وشرس

فكرة السيطرة الكاملة على البرلمان، بغض النظر عن وجود حزب أو تكتل أغلبية من عدمه، تبدو صعبة على الرجل. فالبرلمان الجديد يضم عددًا كبيرًا من الشباب، يتحمسون مع كل كلمة تخرج من لسان الرجل كي لا يظهروا أمام الشارع وكأنهم موالون لكرسي المجلس أكثر من ولائهم لمطالب الثورة.

كما أن هناك مستقلين كثيرين، من حديثي عضوية في البرلمان يحاولون الظهور من خلال اتّباع طريقة الصوت العالي. فضلا عن تعدد الائتلافات التي تسعى بشدة إلى أن تكون جزءًا أصيلًا من جسد وتركيبة البرلمان، حتى لا يستحوذ ائتلاف دعم الدولة على مجريات الأمور.

لكن ما قد يخفف على عبدالعال سلبيات التركيبة غير المتجانسة للمجلس، أن الأكثرية من نواب البرلمان يؤيدون رئيس الجمهورية. فلديه ائتلاف دعم مصر (380 نائبا)، وحزب المصريين الأحرار (67 نائبا) وحزب مستقبل وطن (54 نائبا) وحزب الوفد (38 نائبا) بخلاف النواب الذين عيّنهم السيسي. كل هؤلاء يدعمون رئيس الدولة تحت مبرر استقرار الدولة ومواجهة التحديات.

وهو ما قد يعطي للرجل ثقة بأن بمقدوره الاحتواء ولو بنسب متفاوتة، من زاوية أن هؤلاء النواب يلتفون حول هدف واحد، بغض النظر عن التوجهات الأخرى.

يمثل التشكيك في الخبرة القانونية والدستورية للرجل إزعاجا بالنسبة إليه، ما دفعه للخروج عن هدوئه المعهود عندما تعرض لمواجهة داخل البرلمان مع النائب المخرج خالد يوسف، حول تفسير بعض مواد الدستور.

ورغم أن عبدالعال أوقف الجلسة وشرح المواد للنائب، لكن الأخير لم يقتنع، ما أثار حفيظة الرئيس ودفعه للصراخ على النائب قائلا “لا أنت ولا غيرك يمكنه الدخول معي في جدال دستوري، ولن أسمح بالتشكيك في كلامي بخصوص الدستور”، ثم طالبه بطريقة حادة أن يجلس وألا يقف مرة أخرى، بل إنه رفض التحدث معه بقية الجلسة.

7